كم هو مؤلم أن تكون الذكريات مدعاة لزيادة العذابات, والأشد إيلاما هو عدم التذكر!

نُشِرت في عام | أضف تعليق

المرأة إن… أحبت!!

قالت “مدام دوستايل”: “الحب هو تاريخ المرأة…وليس إلا حادثا عابرا في           حياة الرجل”

     الحب إحساس جميل, يقطف من شعاع النور إغفاءة شجن, تبتهل له الجفون دمعة تحتجزها الخواطر الهائمة, فتتوهج لها المشاعر لتروي أزاهير يانعة هجرها الذبول, ليس لحسنها منافس. وللمرأة مع الحب حكاية أسطورية, بدأت سطورها من مسيرة طفولتها, مروراً برحلة مراهقتها, وصولاً إلى شبابها وشيخوختها. هي حكاية أنوثة أبدية, مرسومة في لوحة معلقة على حائط الأيام, ألوانها تزهو بخطوط يتجسد في ظلالها هيكل فارسٍ, يهبط إلى ذلك الكوخ,  الذي تتعالى من أجواءه ترنيمة, تتصاعد من طقطقة مدفأة, دخانها سحب تمنح المكان نغمة الأمان, لتحتضنها سماءٌ, تخترق زرقتها خيوط الشمس الذهبية, فتتهادى على قمم الجبال, الشامخة بخضرة أشجار تتمايل بتباهي, لتبدع صوراً تعكسها مرآة بحيرة صافية,  تبعث الحياة…كل الحياة!

     كثيرة هي الأقوال, التي تتناول المرأة, وتتهمها بالتخلف والتقصير, ونقص العقل والدين,  أو تلك التي تذكّرها بما عليها من واجبات. وأعظم النساء عند سقراط هي التي: “تعلمنا كيف نحب ونحن نكره, وكيف نضحك ونحن نبكي, وكيف نصبر ونحن نتعذب”. ولكن أين هي الأقوال التي تحمّل الرجل مسؤولية ما وصلت إليه المرأة اليوم؟! فهو لا يعرف أن المرأة التي يشتكي منها هي من صنعه وتدبيره. فهي مُطالبة بتلك الصورة الملائكية والعطاء الدائم, وقبل إطلاق الأحكام, علينا أن نتذكر القول الشائع: أن فاقد الشيء لا يعطيه. فالمرأة إنسانة جميلة حساسة محبة تحرّكها المشاعر الصادقة والكلمة الطيبة. ومن حقها الإحساس بالحب, الذي هو بالنسبة إليها الحياة, وإن حصلت عليه فهي قادرة أن تهب من خلاله لكل من حولها أجمل المعاني وأصدقها.    

      ويتبادر إلى أذهاننا من وقت إلى آخر تساؤل مفاده: متى تحب المرأة, ومتى تكره؟ والإجابة عن هذا التساؤل بسيطة جداً, ولكنها تصبُّ في قالب معقد جداً. فالعاطفة تشكّل المادة الأولية لشكل وروح العلاقة بين الرجل والمرأة, فإن كانت صادقة, تسدل على الحياة ستاراً جميلاً حالماً من شأنه أن يواجه ضغوطات الظروف وتناقضات الأحوال. والمرأة إن أحبت تُخلص في حبها إلى أبعد الحدود وتعطي كل ما لديها, إلا أنها وبسبب طبعها الأنثوي وعاطفتها الحساسة, غيّورة ومطلبها الوفاء والإخلاص. كما تعشق التجديد في الحب, ويطربها لحن الغزل والإطراء. ولكن متى تحولت العلاقة بينها وبين الرجل إلى وظيفة روتينية,  مهمتها تسيير مركب الحياة واكتمال الصورة الاجتماعية, عندئذٍ تحاول المرأة البحث عن بديل يملأ خواءها العاطفي, وفي معظم الأحيان يكون البديل واهياً فارغ المحتوى والقيمة, كالانغماس في الحياة الاجتماعية الصاخبة والزائفة, التي تحوّلها إلى إنسانة غير فاعلة تعيش على هامش الحياة.

      وكما تحب المرأة بقوة, نجدها تكره بصورة عمياء, خصوصاً إن تعرضت للخيانة من قبل الرجل الذي أحبته, عندئذٍ تتحول إلى أنثى مجروحة, وردات فعلها قد تكون غير محمودة العواقب على نفسها أولاً, ثم على الرجل والأسرة والمجتمع, وأخطرها يكمن في أن تقوم المرأة بمجاراة الرجل من خلال استخدام وسائله, كأن تحلل لنفسها ما يحلله لنفسه, رغبة منها في الانتقام لكيانها وأنوثتها, ولكنها وللأسف تخرج من هذا الانتقام, الخاسر الأكبر.

     لذلك أيها الرجل, قد لا تمكّنك تركيبتك العاطفية من حُب المرأة بأسلوبها الرومانسي, ولكنك قادر على حفظها. فبيتها مملكتها, وأنوثتها كيانها, وأنت أمانها. فلا تهدم صرحها, بنزوة عائدها باهظ الثمن. فنحن بني البشر لا نعرف قيمة ما نملكه إلا بعد أن نفقده. فالعمر زائل, ونحن نذبل, والأيام تمر بنا كلمح البصر. فلنصغِ إلى صوت الأمل ولنسرق من الزمان فرحة تملأ قلوبنا, نستنشق منها رحيق حبٍ ترتشفه فراشة ربيعية, وتسكبه لنا في كؤوس بلّورية.. نبيذاً يُسكر شاربيه, ويحلّق بهم في غداة حلم, مشاهده, لحظات الهيام.. فلنحيا معاً, تلك الأسطورة المرسومة في تلك اللوحة المعلقة على حائط الأيام.

                                                                      منى الشرافي تيم     

نُشِرت في عام | أضف تعليق

“مُعَلَقون على وتر … مُتأرجحون على عَصب

نُشِرت في عام | أضف تعليق

“سيلفي”… أهوس أم مرض نفسي؟ “إنستاغرام”، “سناب شت”، “فيسبوك”… وعمليات التجميل الافتراضية عبر تطبيقات الجمال في الهواتف الذكية

نُشِرت في عام | أضف تعليق

“يا عين للناس عيون… فكلك عورات وللناس ألسن”

نُشِرت في عام | أضف تعليق

فيديو اغنية عرس ابنتي ليال تيم… كلماتي وصوتي \ منى الشرافي تبم

نُشِرت في عام | أضف تعليق

أمّي.. ثم أمّي.. ثم أمّي..

إن طقوس الاحتفال والاحتفاء بعيد الأم أمر جميل في هذا الزمان الهارب من كل شيء، فالكل يعلم أن مشاغل الحياة قد أخذتنا من كل ما هو أصيل وجميل، وبتنا نبحث دون كلل أو ملل عن العلم والنجاح والعمل والمال والاستقرار، وأصبحنا نحيا في فوضى المظاهر وقشور المجتمعات.. وكل هذا أنسانا أن يوم الأم ليس يوم واحد في السنة..  كل هذا أنسانا أن الأم في الحياة ثروة كبيرة متوفرة ووفيرة وفي متناول نظرنا، فقد تعودنا أن لا نرى ما نملكه، إلا بعد أن نفقده… وفي ذلك الوقت بالذات.. ومع شعور الفقدان، سننظر إلى الوراء فلن نجد إلا الفراغ، وسننظر إلى الأمام فلن يتسلل إلى نفوسنا إلا ذلك الإحساس بالبرد.

قد يقول قائل.. أنني أصِلُ أمي، وأزورها وأكلمها كلما سنحت لي الفرصة، أو سمح لي وقتي… وأقول لذلك القائل بكل الحب ومن قلب مجروح… مهما فعلت فأنت مقصر في حقها وحقك، فافعل أكثر، وانهل منها وامتلأ بها، ليس من أجلها فحسب، بل من أجلك أنت أيضاً.

لأن الأم في حياتها كبيرة جداً، ولكنها حين تغيب تصبح أكبر!!     

الأم في هذا العالم الواسع الكبير، مهجة الفؤاد.. ونبض القلب.. ومصدر الروح! هي هيكل الحب، وإله الحنان، ورمز العطاء..

 لهمساتها كل الأماني، وللمساتها نكهة الأمان..  لبسماتها تولد الأفراح، ولرضاها تشرق الشموس..  لنظراتها تضيء الأقمار، ولوجودها كل الفصول ربيع.

   كلنا ذات يوم كنا في كيانها مجرد نطفة، نبضت في جوفها.. وبها نَمَتْ. ودماؤها الندية آنذاك في شراييننا جرت! فهي سر الوجود ومعنى الاستمرار.

نعم…! لقد كبرنا كما كبرت هي، وما زالت دماؤها في شراييننا تضخ وتحيينا، قد تبعدنا عنها ملهاة الحياة.. وقد تتلاعب بنا الأقدار.. قد تقسو علينا الأيام.. وقد يشيخ شبابنا على عتبات الزمان. ولكن حين تتوه بنا الذات، فنحن نعلم أنها المأوى والحضن الدافئ، الذي نلوذ إليه، فنرتجي للحظات أن تعود إلينا الطفولة بأحلامها الوردية، كي نلتمس دعوة من قلب عطوف، بإكسيره فقط نستعيد نضارة العمر والشباب.

 من غيرك أيتها الأم يُعطي دون أن يأخذ ضعفين؟ من مثلك في عثراتنا يواسينا، فكيف نجرؤ اليوم وباسم عيد الأم.. أن نقدم لك هدية؟  أهدية.. تكفي؟! أم ثرثرة كلمات شاعرية منمقة؟ لا… لا سنبوس الأرض تحت قدميك فإله في السماء هو الواحد الأحد وأنت على الأرض أيتها الأم الإله !!

منى الشرافي تيم

نُشِرت في عام | أضف تعليق

Updated CV Mona Alshrafi Tayim

نُشِرت في عام | أضف تعليق

الحيرة.. إرث الشباب

إن شباب هذا الزمان حائرون، كما كان الشباب من أزمان مضت حائرين. نعم.. إن ظروفهم قد تغيرت! ونعم.. إن أحوالهم قد تقلبت، فتبدلت مشاهداتهم وتصوراتهم، واختلفت أزياؤهم فأصبحت تتناسب مع عصريتهم. إلا أن الصورة التي حافظت على مقوماتها، وبقيت على حالها، وما زالت الأجيال تتوارثها، فهي تتمثل في – مشاعر الحيرة –  لأنها القاسم المشترك الذي بقي قائماً بينهم، حتى لو اختلفت نكهاتها وتنوعت توابلها.

كثيرون سوف يحتارون حين يقرؤون ذلك الربط الوثيق بين حيرة شباب الأمس وبين حيرة شباب اليوم، وذلك بسبب الانفتاح الكبير لشباب اليوم على كل شيء، ومقدرتهم على  التعايش معه، والتأقلم مع كل ما قدمته وتقدمه إليهم التكنولوجيا.

في القديم البعيد، وفي القديم القريب عانى الشباب من سطوة الأهل، ورهبة العادات والتقاليد، وارتدوا جلباب العيب والحرام، وتشرّبوا مشاعر الخوف إلى درجة كانوا يخشون فيها من أن يعبروا عن مشاعرهم حتى بينهم وبين أنفسهم، وذلك لأنهم كانوا مسيّرين لا مخيرين، فالكبير في البيت كان هو الحاكم الوحيد وصاحب الأمر والنهي ولا أحد ممن حوله يجرؤ على مخالفته حتى لو كان يرى ويعرف أنه على خطأ، مما أدّى إلى امتلاء نفوس أولئك الشباب بأسرارهم وأحلامهم الصامتة، فتحركوا في العتمة والخفاء، وذلك لأن التجارب محرمة، والتعبير عن المشاعر وصمة عار، والاختيار عقوق. فالضغط هنا كان أساساً للحيرة التي تملكت شباب الأمس، واستجلبت ضياع هويتهم النفسية والشخصية، على الرغم من النجاحات العلمية والعملية التي قد يكون سجلها الكثيرون منهم.

أما شباب اليوم، فقد تفتحت أمامهم أبواب الحياة وشُرّعت لهم نوافذ العالم، وعلى الرغم من ذلك فهم أكثر حيرة من شباب الأمس، لأن مساحة الحريّة المقدمة إليهم كانت أكبر وأوسع من طاقاتهم على استيعابها، الأمر الذي جعلهم يلجأون إلى أصدقائهم الذين قد يكونون أكثر ضياعاً واضطراباً منهم، وذلك لأنهم حين بحثوا عن الأب لم يجدوه، فقد تنازل عن دوره الأبويّ الإنساني وانشغل بأعماله وأمواله، فضلاً عن الأم الحاضرة الغائبة، التي تنازلت عن دورها الجوهري في صناعة المجتمعات وتأهيلها، رغبة منها في أن تعيش حياتها بالشكل الذي يُرضي طموحاتها العملية أو الاجتماعية، فالحرّية المشرّعة التي حصل عليها شباب اليوم حين ابتعدت عن مفهومها الإيجابي، كانت أساس حيرتهم وضياع هويتهم النفسية والشخصية.

وماذا يفعل شباب هذا الزمان في ظل كل هذا الانفتاح والحريّة المقدمة إليهم على أطباق التجارب المتاحة على مختلف أشكالها وأنواعها، وماذا يفعل الأهل كي يتمكنوا من حمايتهم وإرشادهم إلى الطريق الصحيح كي يكونوا بالدرجة الأولى متصالحين مع أنفسهم وبالتالي يتصالحون مع العالم من حولهم؟

إن العلامة اللافتة والمثيرة للقلق التي تظهر بجلاء على شباب اليوم هي انعدام الثقة لديهم بكل ما يجري من حولهم، وذلك بسبب مشاعر الكراهية والبغض والحقد والغيرة التي أصبحت السمة البارزة لهذا الزمان. أما انعدام الثقة على هذا الشكل فمن شأنه أن يزرع في دواخل الشباب ونفوسهم بذور الخوف وعدم الشعور بالأمان، مما يؤدي إلى اضطراب شخصياتهم، فتختلّ لديهم إمكانية اكتساب القدرة على التمييز بين من هم أهل لثقتهم، وبين من هم ليسوا أهلاً لها، وكل هذا من شأنه أن يقلل من فرص نجاحهم العملي والاجتماعي.

وكما هو معروف من أزمان بعيدة كانت أم قريبة، فإن الخير موجود والشر موجود، ولكن القدرة على التعامل مع هاتين الصورتين المتوازيتين، والتمييز بينهما، هي التي تؤهل النفس الإنسانية كي تحمي نفسها من الشرّ وتفيد من الخير. وقد تتمكن من تحويل الشر إلى خير من خلال الخير الذي تحمله في داخلها.

أما السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: كيف نستطيع أن نمسك العصا من النصف؟ في محاولة منا كي نُخرج هذا الجيل الشاب من حيرته وألمه وعذاباته، فضلاً عن انغلاقه الداخلي على الرغم من الانفتاح الخارجي الكبير الذي يحيط به ويتيح له كل شيء؟

وكي نجيب عن هذا التساؤل لا بد من البدء بالبيت.. من الأبوين حين يقومان بأدوارهما في الرعاية والمواكبة والمتابعة، فمن غير الممكن فرض قناعاتنا ورؤانا على شباب اليوم، مهما ظننا أنها صائبة، فلنَدَعهم يختارون، ثم نراقب خياراتهم وقراراتهم عن بُعد وعن قُرب، ونتوقف معهم عند محطاتهم، وإن لاحظنا أن هناك ما يدعو إلى الريبة، عندئذٍ نسعى إلى إنارة الطريق أمامهم، كي يروا ما يُريب بأعينهم، وليس بأعيننا، وذلك لأننا مهما جهدنا في أن نجعلهم يرونه من منظارنا، فسيبقى بالنسبة إليهم ضبابياً قاتماً. وذلك لأن الإنسان بطبعه قد يندم على أشياء لم يفعلها أو أُجبر على التخلي عنها، أو ربما يتمسك بها عناداً، مما قد يؤدي إلى قيامه بأمور ربما تكون فيها تعاسته وعواقبها عليه قد تكون وخيمة.

أما الصورة الاجتماعية الباهتة التي نقحم أنفسنا في إطارها، فلن تفيد ولن تنفع، فكلام الناس قد تكون له بداية، أما نهايته فحدودها الفضاء. فإن وضعنا في مخيلتنا ونصب أعيننا كمّ العقد النفسية التي تكمن في النفس البشرية الواحدة، فلن نتمكن من إحصائها، فكيف بنا في مواجهة العقد النفسية المتأصلة في الأفراد والجماعات، لذلك، وكي نضيء شمعة في طريق شباب هذا الزمان يجب أن لا نعوّل على ما يقوله الناس، وما يريده المجتمع، وما يراه الآخرون، فمهما جهدنا لن نرضيهم، وذلك لأن جلّ همومهم أن لا نكون راضين.

ومن أجل كل ما سبق، فلنمنح شباب اليوم مساحة الخيار والاكتشاف وأعيننا عليهم، فضلاً عن التسلح بتقنية الكرّ عند اللزوم وتقنية الفرّ في الوقت المناسب،  فالأمر الأكثر أهمية بالنسبة إلينا، هو أن تكون أقدامهم على الأرض… وتبقى على الأرض! كي يتمكنوا من تعلم الدروس وأخذ العبر.

نعم.. إن أولادنا هم مسؤوليتنا ولكننا لا نمتلكهم، فهم ليسوا متاعنا، بل متعتنا حين نراهم يكبرون وهم يعرفون ماذا يريدون ويسيرون على هدى غير حائرون!!   منى الشرافي تيم

نُشِرت في عام | أضف تعليق

 مروان البرغوثي راوياً الألف يوم في السجن الإسرائيلي

     “إذا كان ثمن حرية شعبي هو فقداني لحريتي…فسأدفع هذا الثمن”

     إننا اليوم أمام كتاب فريد, حروفه حيّة تنبض صموداً وبسالة, حبرها الألم والمعاناة في مواجهة الهمجية والسادية الصهيونية, التي تسعى إلى اقتلاع الفلسطيني من منابته واجتثاثه من أصوله. والمناضل الفلسطيني مدعو لأن يلتصق بقضيته وأرضه, فهي قضية وجود وضمير وكيان ومستقبل, يرويها لنا الأسير مروان البرغوثي في كتابه “ألف يوم في زنزانة العزل الانفرادي”, الصادر عن الدار العربية للعلوم, وقدّم له الإعلامي زاهي وهبي, الذي وعد نفسه أن يستضيف مروان البرغوثي في برنامجه “خليك بالبيت”.

     كل الدلائل تشير إلى أن إسرائيل التي تتغنى ليل نهار بالديمقراطية, تضرب كل يوم بعرض الحائط المواثيق الدولية وتنتهك حقوق الإنسان, من خلال نزعتها العدوانية والإرهابية, حين تصوّر إرهابها الحقيقي والفعلي على أنه دفاع عن النفس وحق في البقاء, وصاحب الحق الفعلي ومطالبته به تحوله إلى إرهابي عليها مقاومته بكل السبل, وهدفها الخلاص من المناضلين والقضاء عليهم…ولكن روح الجهاد المتأصلة عند الفلسطيني صاحب القضية, الذي وهب عمره لقضيته, تقف عصيّة عليهم…فها نحن أمام المناضل البرغوثي, الذي تحدّى عدوه المتمثل بمُعتقِلُه المحقق “غزال” في عقر داره ومركز قوته وتفوقه, والذي واجهه للمرة الثانية, فقد سبق أن حقق معه حين تم اعتقاله في مقتبل شبابه عام 1978, قائلاً: “أنت كبرت مع القوة والاضطهاد, ولكنني كبرت مع الشموخ والقوة…”. واعتبر البرغوثي أن المعركة بينه وبين المحقق غزال معركة مناضل من أجل شعبه, ومحتل ومعتدٍ أثيم.

     خطّ مروان البرغوثي في كتابه “ألف يوم في زنزانة العزل الانفرادي”, تجربة اعتقاله وتنقله في الزنازين الانفرادية التي كانت – بمنزلة قبور للأحياء – في إضاءة منه على الوحشية الصهيونية التي تنتهجها في معتقلاتها, وأساليب التعذيب الهمجية التي يتفنن بتطويرها ضباط الاحتلال وجنوده بحق الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين, فنجده يصف معتقل “المسكوبية” الذي يطلق عليه الأسرى اسم “المسلخ”, وهو المكان الذي يمارس فيه الضباط الصهاينة أبشع عمليات التعذيب والانتهاكات الإنسانية, التي شبهها البرغوثي بالموت البطيء, ظناً منهم أنهم باعتقاله قد اعتقلوا الانتفاضة الفلسطينية, غير مدركين أنها حركة مقاومة شعبية لا تتوقف باعتقال فرد ولا باعتقال المئات والألوف.

     أمضى البرغوثي عند اعتقاله عام 2002, في زنازين “المسلخ” ما يقارب الأربعة أشهر, وعانى خلالها ما عاناه من أساليب التعذيب المبتكرة, وكان أقساها بالنسبة إليه الحرمان الكامل من النوم, والهجوم النفسي والمعنوي من خلال التركيز على نظرية المؤامرة العربية والفلسطينية ضده, التي طالبت بالقضاء عليه والخلاص منه ومن هم مثله. وركز المحققون الصهاينة في تحقيقهم مع البرغوثي على قضايا كثيرة, أبرزها المطالبة بمعلومات تدين الرئيس ياسر عرفات من جهة, وإقرار منه بفشل الانتفاضة والمقاومة وعدم جدواهما من جهة أخرى, وأكدوا له أن معلومات كهذه كفيلة بإنهاء قضيته وخلاصه من الاعتقال. إلا أن صمود البرغوثي كل هذه المدة أفقدهم الأمل في إجباره على الاعتراف بأي أمر, مما جعلهم ينقلنوه إلى معسكر سرّي أطلق عليه اسم “مملكة المجهول والحرب الخفية”, حيث لا قيود ولا حدود ولا رقابة على التعذيب. وحين قال له أحد المحققين بهدف تخويفه, أنه الآن في مكان مخيف, وأن إصراره على عدم التجاوب معهم أجبرهم على إحضاره إليه, فأكد له البرغوثي أن: “الزنازين في السجون تتساوى…وليس للأسير من زنزانة أو سجن ينتمي إليه”. وعلى الرغم من مرور الأيام القاسية والمريرة, إلا أنها زادته تحدياً وصموداً, وكان يسجل في كل يوم يمضي على وجوده في ذلك المعسكر, انتصاراً منه على جلاديه….وحذّر البرغوثي في كتابه المناضلين والأسرى من  الدور الكبير الذي يلعبه العملاء, الذين هم جزء من فريق التحقيق, وهم أكثر خطورة من ضباط المخابرات الإسرائيلية في كشف المعلومات وتوريط المعتقل.

     قررت حكومة الاحتلال تقديم البرغوثي إلى المحكمة المدنية بعدما أعدّت له لائحة اتهامات تشمل أكثر من 52 تهمة. والتعمد بتقديمه إلى محكمة جنائية تستهدف إبراز معاناة الطرف الإسرائيلي, وإخفاء معاناة الطرف الفلسطيني. وهذه هي السياسة الصهيونية, وهي تسخير الإعلام العالمي لصالحها كذباً وبهتاناً, والعمل على إلقاء الستائر السود على أفعالها الشنيعة ومجازرها ضد الشعب الفلسطيني… رفض البرغوثي المحاكمة وقرر عدم تكليف محام للدفاع عنه, وعدم التعاطي مع لائحة الاتهامات… وفي مرافعته في المحكمة خاطب الإسرائيليين بالقول: “لماذا يصر اليهود على تكرار ما تعرضوا له وما عانوا منه عبر التاريخ في مواجهة الشعب الفلسطيني؟”… وطالب البرغوثي بحملة عربية ودولية وحقوقية تنادي باعتبار المعتقلين في سجون ومعسكرات الاحتلال الإسرائيلي: “أسرى حرب”. فقد أصدرت المحاكم الصهيونية على مدى السنين, أحكاما ظالمة وجائرة أدت إلى قضاء الآلآف من الأسرى سنوات أعمارهم خلف القضبان.

    في مطلع كانون الثاني من عام 2003, نُقل البرغوثي إلى زنزانته في سجن الرملة, التي وصفها بالقبر الموحش, عانى فيها العذاب النفسي والروحي. وعلى الرغم من كل هذا قرر أن يكسر حسابات جلاديه وتوقعاتهم, فلم يسمعوا شكواه ولم يروا خوفه أو فزعه, وحصل هذا معه لأنه عرف تفاصيل زنزانته التي تعودت هي عليه, فعرف مواعيد تسلل ضوء الشمس ليغتسل بالحياة, وعلم متى يدخل ضوء القمر ليقيم معه علاقة حميمة… ثم نقلوه إلى سجن “شطة”, الذي يُعتبر أسوأ السجون الإسرائيلية. واكتشف البرغوثي أن المناضل حسن سلامة زميلٌ له في إحدى زنزانات السجن…, وأخيرا نُقل إلى سجن بئر السبع, حيث كانت الزنزانة هناك أشد سوءاً من سابقاتها, فعاش مع الصراصير وأسراب النمل بالإضافة إلى الجرذان. وأشار إلى القلق الصحي الذي يصيب الأسير في زنزانته الانفرادية, في ظل غياب الرعاية الصحية والاستهتار بحياته, وسوء التغذية, وهي مظاهر القتل البطيء. والأمر الذي كان يكسر عزلة السجن هو ساعة يخرج فيها الأسير إلى النزهة, وهي ساحة تطل على نوافذ بعض الأسرى, وقد علّمهم البرغوثي العبرية, كي يتسنى لهم التفاهم مع السجانين, والحفاظ على بعض حقوقهم وفهمها… والمعاناة لم تمنع البرغوثي من الاستمتاع بالقراءة بعدما تمّ السماح للأسرى بالحصول على الكتب, فهو يرى أن من متع الحياة قراءة كتاب تحبه, وخصوصاً الرواية التي تحرر الإنسان وتحلّق بخياله خارج واقعه.

     طرح البرغوثي قضية المرأة ودورها الجوهري إلى جانب الرجل في بناء المجتمع. وأضاء دور المراة الفلسطينية التي شاركت الرجل النضال من أجل الحرية والاستقلال, المتمثل في زوجته الحبيبة فدوى, التي قامت بمجهود جبار, وحملت قضيته وقضية الأسرى. وكان لها نصيب الأسد من إهدائه في مطلع الكتاب: “إلى حارسة حلمي ورفيقة دربي وشريكة عمري”.

   قرأ البرغوثي رسالة ولده القسام الذي تم اعتقاله من قبل الاسرائليين طمأنه فيها: “لا تهتم يا أبي…فلقد علمتني أن فلسطين أكبر من كل شيء”… وبعث البرغوثي لولده, رسالة قصّ له فيها أهم محطات حياته, وكانت أقسى هذه المحطات وأشدها إيلاماً حين تم إبعاده, وكان أعظمها لحظة العودة.

   وعن خبر استشهاد ياسر عرفات قال البرغوثي: “شعرت بأنني أختنق, وانفجرت عيناي بالدموع لأول مرة منذ اعتقالي”. ورأى أن اغتيال ياسر عرفات قضى على فرصة السلام. وأكد أن إرادة شعب يتطلع إلى الحرية لا يمكن أن… تنكسر!!

                                                                           منى الشرافي تيّم                      

نُشِرت في عام | أضف تعليق