يوم الأرض

    ناجيتُ فلسطينَ في ليلةٍ، سَهَر الهوى في رُبوعِها، فتوارَت غيومُها المحملةُ بحبات المطرِ… منها على استحياءٍ، فخاطبتني بشقِّ النّفسِ، وجعُها وتوالي الخيباتِ، أملَتْ خلاصاً من حَرِّ جمْرٍ، توهّج بِحُرِّ الدماءِ، بات البلاءُ على بابِها في فحمةِ الليلِ، وحلَّ البؤسُ واليأسُ صدورَ أبنائِها، وتملَّكهُم شبحُ الموتِ، الرابضُ على قلوبِهِم، في كلِّ صباحٍ ومساءٍ، نسوُهمْ وتناسَوْهم من بأيديهمُ القرارِ، وأغْفَلوا صفحاتِ اليومِ، المكتوبةَ بحبرِ الدّمِ، وَتغنّوا بصفحاتِ التاريخِ، انتفضتُ من شدةِ انفعالي، وانقبضَ… شعوري وإحساسي، وفكّرتُ في عباراتٍ رضَعتُها، من ثديَيْ أمّي في شَتاتِها، تمكّنتْ وتملّكتْ، من لاوعيي وكياني، كلماتٌ…أواسي بها فلسطيني، علّني أُبرّدُ جُرحَها النازفَ، بضمادةٍ من الخوفِ، تسلبُني إرادتي، فتجرّأتُ…وغنيّتُها فجراً آتياً…من بني صهيونِ خالٍ، يحملُ في ذرّاتِ نَداهُ، أغصاناً مُورِقةً…ثمارُها الحريّةُ ناضجةً. وقُدسٌ تَعزِفُ صبابةَ العشقِ هوىً…في سماءٍ نجومِها، أطفالُ الحجارةِ… غيومُها العزّة… تحررت… فضاؤُها صورةٌ إلهيةٌ، في زُرقتِها…سماء ليسَتْ كالسّمواتِ.

    فلسطين أرض الصمود والبسالة والألم والمعاناة، هي أرض واجهت الهمجية الصهيونية، التي سعت وما زالت تسعى إلى اقتلاع الفلسطيني من منابته، واجتثاثه من أصوله… وهيهات…! هيهات أن يتم لها مرادها طالما أن الفلسطيني، مناضل وملتصق بقضيته وأرضه، لأنها ليست أية قضية… هي قضية تاريخ ووجود وضمير وكيان ومستقبل. وهي الغصة الحقيقية في كرامة كل عربي شريف.

    ما أكثرها وما أقساها ذكريات الفلسطيني على أراضيه وفي شتاته… من نكبة، إلى نكسة، ثم انتفاضة، ويوم أرض. كلها ذكريات مع التهجير والهدم والعزل والحصار والاعتقال والكثير الكثير من المجازر وسفك الدماء.

    في هذه الأيام سنحيي ذكرى “يوم الأرض” الخالد، الذي تعود أحداثه إلى الثلاثين من شهر آذار من العام 1976، حين أقدم الصهاينة على مصادرة مساحات شاسعة من الأراضي التي يملكها فلسطينيو 48، فناضلوا من أجل أراضيهم – فعلى عاتقهم وحدهم تقع مسؤولية الدفاع عنها – وتحدوا بإراداتهم الحرّة الصلبة إرهاب الصهاينة، من خلال إعلانهم الإضراب الشامل والتظاهر، ورفضهم سياسة فرض الأمر الواقع بصدورهم العارية، والدماء الحيّة الوطنية التي تغلي في عروقهم، فواجهتهم القوات الصهيونية بدباباتها ومجنزراتها وأسلحتها، وقتلت ما قتلت، وأصابت ما أصابت، وصادرت ما صادرت من الأراضي الفلسطينية، وكل هذا وسط صمت عربي مقيت…!! وكعادتها نجحت السياسة الصهيونية في تسخير الإعلام العالمي لصالحها كذباً وبهتاناً، حين صورت إرهابها على أنه دفاع عن النفس في مواجهة القوى المعادية، وبذلك ألقت ستائرها السود على إجرامها وأفعالها الشنيعة ضد الشعب الفلسطيني على أراضيه.

    أقلامنا اليوم ستكتب وتُذكّر أننا هنا، ولن ننسى أو نتنازل، ومهما وصل إرهابهم لن يخيفونا، فنحن أصحاب الحق وأصحاب القضية، وصاحب الحق قوي حتى لو كان أعزل بلا سلاح، والمغتصب ضعيف حتى لو امتلك أسلحة الدمار الأكثر تطوراً وفتكاً.

     القضية الفلسطينية، هي قضية الأرض والوطن والهوية والكرامة، قضية كل عربي. وقضية المواطن الفلسطيني الذي عاش التشرد والشتات، وتحول بسبب تقهقر القرار العربي وانهزاميته من صاحب قضية وحق، إلى محاصر على أرضه، يدفع أثمان الاحتلال الغاشم، ويفتقر إلى حقوق المواطنة، أو تحول إلى لاجئ هُجّر قسراً وتاه في البلاد وما زال يبحث عن هوية.

     إن استمرار وجود الكيان الصهيوني في فلسطين، يشكل التهديد الأكبر للكيان العربي برمته، وأكثر ما يرعب الصهاينة والغرب، هو اتحاد الشعوب العربية ونضالها ومقاومتها، لذلك ومن هذا المنطلق على تلك الشعوب في ظل ثوراتها وانتفاضاتها المحقة والعادلة، أن تتنبه إلى المصالح الصهيونية والأمريكية، التي تحرص على تنفيذها، من خلال بث الفتنة والتناحر والتقاتل بين الأخوة، وتحفيز التطرف. فكيف ننسى إستراتيجية الفوضى الخلاقة التي أعلنتها “جونداليزا رايس” قبل سنوات، بضرورة إنشاء شرق أوسط جديد، بالإضافة إلى الكلام الذي أطلقته “هيليري كلينتون” قبل بدء حراك ثورة تونس بشهرين، والتي حذرت فيه الأنظمة العربية من انتفاضات شعوبها ضدها؟!… وتعنت الأنظمة العربية وتفضيلها  كراسي الحكم على مصلحة شعوبها، هو الذي يعبّد الطرق ويخصبها لتنفيذ تلك المخططات والسياسات الغاشمة على أراضينا، تماما كما ترسمها. وأكبر مثال على ذلك هو أحداث 11 سبتمبر التي غيرت وجه التاريخ وفتحت علينا أبواب الجحيم.

      كسرت الشعوب العربية اليوم حواجز الخوف والتبعية, وستنتفض انتفاضة رجل واحد, أعزة النفوس بلا هوان ولا استصغار، من أجل تطهير الأراضي الفلسطينية والقدس والأقصى وكنيسة القيامة ومهد المسيح عليه السلام من الدنس الصهيوني, ولن تذهب دماء أبنائنا هدراً, سيستشهد واحد وسينبت لهم ألف, سيقطعون عضواً, ستتكاتف لهم أعضاؤنا.

    إننا اليوم  نرتجي خيرة الأصوات المنادية بالحرية والهوية والتحرير؛ أصوات موحده من شأنها أن  تضمد جراح عروبة تآكلها التشرذم والسلطة والأنا؛ كي نبني أوطاناً على الأعداء عصية.

منى الشرافي تيم

الرجاء ترك تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s