حاضرهم المزري… مستقبلنا المظلم!!


     إن السجين، القابع وراء القضبان مهما كانت جنحته، يحلم يوماً بالحريّة…أما المُسن في دور العجزة، فينتظر بصبر… خلاصه بالموت؟! فما هو مصير المُسن في الدول العربية، بعد أن أصبح رغماً عنه، عبئاً على الحكومات والمجتمع والأسرة والأبناء؟

     إن المُسن الفقير في معظم دولنا العربية والإسلامية، قلق خائف يائس ووحيد, كما أنه مفتقد للأمان والاستقرار والراحة، لأنه لا يحظى بالاهتمام والعناية والرعاية النفسية والمعنوية والصحية التي يستحقها. وذلك لأسباب عديدة أخطرها، جحود الأبناء وعقوقهم. أو انشغالهم وانغماسهم في حياتهم، وتخليهم عن واجباتهم تجاه كبارهم، بالإضافة إلى تغاضي الأنظمة العربية والمؤسسات الإنسانية والاجتماعية عن واجباتها, المتمثلة في متابعة المسن، وتأمين احتياجاته, التي من شأنها أن تحفظ كرامته كإنسان, وتحترم عجزه وتقدمه بالعمر. فقد كان هؤلاء المسنون المهملون اليوم, في الماضي القريب, أبناء… يتمتعون بالصحة والعافية والشباب. وها هم اليوم آباء عاجزون, وفي أشد الحاجة إلى الرعاية والعطف والاهتمام، بعد أن كانوا أصحاب الكلمة والقرار، ومصدر الحب والعطاء.

    عندما يفتقد المُسن المقدرة على رعاية نفسه, وتعجز أسرته عن الاهتمام به, بسبب تفاقم مرضه وتدهور صحته, بحيث يصبح  بحاجة ماسة إلى مراقبة مكثفة واهتمام دائم, خصوصاً حين يصاحب هذا الوضع، فقر الأبناء وعوزهم, فلا ضير من الاستعانة واللجوء إلى مؤسسات الرعاية الخاصة بالمسنين, ولكن هذا لا يعني إهمال المُسن ونسيانه والتخلي عنه, بل يجب متابعته وزيارته ومنحه رعاية خاصة، تشعره بأهميته من خلال، إغداقه بالعطف والحب والحنان.

     يجب الاعتراف بأن معظم الدول العربية مشكورة؟!… حرصت على تأمين عدد من الملاجئ ودور إيواء العجزة, الذين نخرت قواهم أمراض الشيخوخة, وضاق بشيخوختهم ذويهم أو من هم حولهم.  ولكن معظم الدراسات أشارت إلى تردي أحوال المسنين في تلك الملاجئ والدور, على الرغم من المساعدات والتبرعات والإعانات الوفيرة، التي تتلقاها من المجتمعات المدنية, ومؤسسات القطاع الخاص, والخيرين من الأفراد. وذلك بسبب التقصير في المتابعة، والمراقبة الدورية, للتأكد من أن ريع هذه الأموال يذهب إلى صالح المسن, كي تؤمن له العيش الكريم وتشعره بالأمان وتصون كرامته…

      وتطرقي لهذا الموضوع ليس تنظيراً، بل إضاءة إنسانية، وصرخة محمومة, سببها المشاهدة الحيّة التي أرعبتني، وأرهقت ضميري، وأقلقتني على مستقبل كبارنا، ومستقبلي كإنسان يعيش على أرض هذا الوطن، حين قمت بزيارة إلى إحدى دور المسنين, فقد كان كل شيء فيها على أحسن ما يرام, طوابق الإدارة نظيفة وأنيقة… أرضياتها رخامية لمّاعة, والعيادات معدّة بأحدث التجهيزات, وكل هذا يدل على كم المساعدات المالية المقدمة للمؤسسة. أما طوابق المسنين فحالها مزري, غرفها مكتظة بالأسرّة الحديدية الباردة والبالية, تفوح منها رائحة الذل والمهانة, يعاني في مغائرها المسنون قسوة الظروف، والعجز والقهر والإهمال والمرض, فقد قرأت في عيونهم لغة مؤلمة وجارحة من الاستسلام القسري، المتمثل في عدم جدوى الحياة… بانتظار الموت، الذي هو بالنسبة إليهم أقرب أحلامهم… وجوههم بائسة حفر معالمها، أسى العجز وقلة الحيلة, وعيونهم غائرة تستنجد بصمت, وشفاههم هجرتها البسمة… ومن تكلم منهم متفلتاً من الرقابة المشددة, اشتكى عقوق الأولاد، وسوء الحال والتغذية وذل العيش… والمطلوب هو الإسراع في إنقاذ هؤلاء المسنين، القابعين في دور العجزة، من خلال الاستمرار في تقديم المساعدات والمعونات، ولكن مع الحرص على المتابعة، عن طريق إرسال فرق مراقبة بشكل دوري ومفاجئ, وتكون لديهم الصلاحيات الكاملة للكشف عن أوضاع المسنين، وتقديم التقارير عن أحوالهم، بالإضافة إلى وضع كاميرات للمراقبة على مدار الساعة.

     نحن العرب نتشدق في انتقاد الغرب, ونتهمهم بانحلال أخلاقهم, وتشرذمهم الأسري والاجتماعي, ولكن الحقيقة هي عكس ذلك في ما يختص برعاية المسنين، والفقراء، وذوي الإعاقات والاحتياجات الخاصة. ويترتب علينا نحن العرب, الاقتداء بهم. فالدول الغربية تلبي الاحتياجات المادية والصحية والمعنوية لكبار السن, وتسهر على راحتهم، وتزرع الأمل في قلوبهم، من خلال خدمات الرعاية الصحية والاجتماعية التي تؤمنها لهم, كي يبقى المسنون في بيوتهم ويتمتعون بدفء أسرهم، من خلال دفع معاشات شهرية تكفي احتياجاتهم، كما تؤمن لهم الطبابة والمعاينة المجانية, بالإضافة إلى حرصهم الشديد على تحسين دخل الأسر والأفراد الذين يأوون في بيوتهم المسنين, وتأمين فرق تابعة لمؤسسات الرعاية الاجتماعية والصحية, التي تحرص على زيارتهم في بيوتهم، للتأكد من سلامتهم الصحية والنفسية والمعيشية. أما دور العجزة عندهم، فهي مجهزة لراحة المسن، وخدمته، والتخفيف من آلامه، والترفيه عنه!

      وأخيراً… تبقى الصرخة موجهة إلى الأبناء والأسر والدول والحكومات والقيمين على دور العجزة… ارحموا كبيركم كي يرحمكم الله…! وتذكروا أن ماضيهم، حاضرنا… وحاضرهم، مستقبلنا!!

منى الشرافي تيم

One Response to حاضرهم المزري… مستقبلنا المظلم!!

  1. اكرم كتب:

    مجتمعاتنا تحتاج الى دروس في الاحترام , احترام الضمير واحترام الانسان واحترام الاخلاق , لكنها للاسف ليست على قناعه بالبحث عن مدرس . كم نحن اغبياء ايها العرب . عندنا محمد ذاك النبي العظيم ونخشى الذهاب الى مدرسته التي لديها القدره ان تعطي للبشريه كل تلك الدروس .

الرجاء ترك تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s