حرب تموز في مرآة الإيهام السردي

     قد يكون للشكل الروائي علاقة وثيقة بالبنية الاجتماعية والنفسية, لذلك نجد أن اهتمام النقاد في العمل الروائي يعتمد في معظمه على دراسة المضمون, الذي يعبر من خلاله الكاتب عن حالات مجتمعية محلية أو خارجية متشعبة المحاور والرؤى, أو حالات نفسية وتجارب شخصية وغيرية قد تجد طريقها إلى ذهن الكاتب فيشكلها ويصوغها في قوالب خاصة به. وكل هذا يجعل من النص الأدبي والروائي على وجه الخصوص بنية معقدة, قد تحمل في مضامينها دلالات ليس بالإمكان حصرها أو تصنيفها. وهذه المقدمة تمهد الطريق لتحليل رواية “أغنية لمارغريت” للكاتبة اللبنانية لنا عبد الرحمن, الصادرة عن الدار العربية للعلوم. التي اتسم مضمونها وموضوعها بالحضور والفعالية حين روت لنا الكاتبة, أحداث الحرب الإسرائيلية على لبنان في شهر تموز من العام 2006, مستخدمة راوياً غائباً, روى أحداث قصة زينب, الشخصية الأساسية في الرواية هي وأسرتها مع الحرب, بالإضافة إلى علاقة أفراد الأسرة فيما بينهم, والأكثر أهمية هو الصراع النفسي الذي تعيشه زينب…! ثم تأخذنا الكاتبة إلى عالم من الغموض والتناقض وتقاطع الحاضر مع التاريخ, حين تروي على لسان زينب قصة فريدة فيها الكثير من الغرابة, تتناول فيها الكاتبة الفرنسية “مارغريت دوراس”, التي عشقها الكاتب “يان أدريان” حين كان في الثامنة والعشرين من عمره وكانت هي في الخامسة والستين من عمرها ودام حبهما حوالى خمسة عشر عاماً, واستقت الكاتبة مضمون حكايتها مع مارغريت من الكتاب, الذي كتبه “يان” بعد موت حبيبته مارغريت, الذي حمل عنوان: “هذا هو الحب”. ولم يقتصر مضمون رواية “أغنية لمارغريت” على كل ما ذكر سالفاً فحسب, بل أصرّت الكاتبة ومن خلال شخصية زينب على دخول دهاليز الخيال والهروب من الواقع, في حالة من التقمص الذي يسكن اللاوعي الإرادي حين كانت تكتب رسائل على شكل مذكرات تخاطب بها الكاتب “يان أدريان” فتكلمه عن نفسها وعن حبه لمارغريت: “أكتب بحثاً عنك, وعن مارغريت دوراس…أكتب كي أكتشف ما هية علاقتي بها, وبك…”؟!

     إن قارئ رواية “أغنية لمارغريت” لا بد من أن يشعر بالغرابة في المنحى الذي تناولت فيه الكاتبة موضوعها, وسيجد نفسه في مواجهة العديد من الأسئلة التي تفرض نفسها: ما هي الرسالة التي أرادت إيصالها باستخدامها هذه التقنية في الكتابة؟! هل كانت تهدف إلى تقديم شيء يُضفي على عملها بعداً مغايراً أو متمايزاً شكلاً ومضموناً؟ وانطلاقاً من هذه التساؤلات ومن خلال التوغل في سياق الرواية وتعدد رواتها, نتلمس جملة من ضروب الجدل التجديدي الخلّاق والفوضوي في الوقت نفسه, فقد حاولت الكاتبة إيجاد قواسم مشتركة توحّد بين مارغريت الكاتبة الفرنسية, التي استحضرتها من التاريخ, وبين زينب الفتاة المضطربة, التي تجد صعوبة في التأقلم مع أسرتها ومحيطها أو حتى في مقدرتها على الاحتفاظ بالرجل في حياتها, ولذلك نجدها تهرب إلى  المجهول, فتتقمص معاناة امرأة أخرى من زمان آخر, علّها تجد نفسها…! فقد كانت زينب تجلس في العتمة بالقرب من نافذتها التي تطل على حديقة الصنايع, وهي تراقب أناساً ينامون في العراء بعد أن هجّرتهم الحرب من بيوتهم, وتشعر بالوحدة وتكتب إلى يان…؟! وكانت مارغريت أيضاً تجلس في غرفتها وحيدة وتحس بالضياع المخيف وفي حديقة بيتها عصافير وحشرات وقطط وفئران تشاطرها وحدتها, وهي “تؤلف رواياتها, وتصوغ حكايات جارحة عن ألم عتيق”… مشاعر مختلطة كانت تؤرق زينب, وأسئلة كثيرة كانت تتلاحق في ذهنها, فكتبت إلى يان قائلة: “الوقت الآن ليل, لكنه تشابه مضنٍ يرهقني, يدفعني للكتابة لك…لكنك لا تعرف شيئاً عني. سأثق بك كي تضع حداً للتشابه الذي يرهقني, للتشابه الذي ربما يكون وهماً, أو هروباً من الحقيقة”. حتماً سيلحظ القارئ أن التشابه بين مارغريت وبين زينب ما هو إلا وهم وهروب!!

     عمدت لنا عبد الرحمن في مطلع روايتها إلى إرباك القارئ برسالة إلى “يان أندريا” يوم 14 تموز تسأله فيها: “لماذا أحبتك مارغريت دوراس وعاشت معك حتى لحظاتها الأخيرة؟ ظللت قربها, تساعدها على الرحيل بهدوء, وظلت تحبك”. وهذه البداية للكاتبة ذات حدين: فقد تنفّر القارئ وتشعره بالثقل, خصوصاً أن عنوان الرواية يوحي بشيء من الغرابة؛ أو قد تستفزه للمتابعة ومعرفة ما يدور في خلد الكاتبة…وعلى الرغم من تعدد أبعاد الرواية إلا أن موضوعها الرئيسي هو حرب تموز التي أجبرت زينب وأسرتها على الانتقال من بيتهم في بئر العبد الواقع في الضاحية الجنوبية هروبا من العدوان الصهيوني الغاشم والقصف بالصواريخ وروائح الموت والدمار, إلى بيت خالها المقيم خارج لبنان في منطقة الصنايع في بيروت, الذي تطل نوافذه على حديقة الصنايع حيث جموع النازحين في خيامهم يتعايشون مع الحرب, ومع نقص الماء والطعام وحليب الأطفال. وأضاءت الكاتبة حياة زينب الأسرية والدها المتوفى ووالدتها الناقمة على القدر الذي حرمها الحياة المرفهة بعد زواجها, الذي نقلها إلى مستوى اجتماعي أدنى من مستواها, وترملها المبكر, الذي تركها مع ولدين هما وسام وسامر وابنتها زينب, التي لم ترث جمال والدتها وأناقتها, بل أخذت ملامح أسرة أبيها. تتقاطع الرواية في أحداث كثيرة ومتشعبة, منها علاقات زينب العاطفية الفاشلة, التي جلبت لها التعاسة والألم…واستشهاد ساندرا الفتاة الصحفية الذكية الجميلة والصديقة الأقرب إلى قلب زينب ووالدتها أثناء تغطيتها أحداث الحرب الإسرائيلية على الضاحية, بالإضافة إلى هلوسات مارغريت في أيامها الأخيرة وشعورها أن يان قد جلب إلى بيتها أناساً أغراباً عنها, وهذه الهلوسات أوحت إلى زينب أنها هي الأخرى كانت تسمع “همهمات, تمتمات, أصوات” وتشعر بأشياء لا يشعر بها أحد غيرها كسماعها عزف على “البيانو”. وفي نهاية الرواية انجلت الأوهام حين رأت زينب شابين يتعاونان على حمل آلة “البيانو” ويغادران المبنى الذي تقيم فيه, مما جعلها  تبتسم وتردد  قائلة: “صوت الموسيقى كان حقيقة”. وفي آخر رسائلها إلى يان قالت: “يبدو من العبث أن تحيا بين أكثر من حالة, أكثر من مكان..أكثر من كتاب..أكثر من بيت, وقلب واحد مثقوب.. “.

      ولا بد هنا من الإشارة إلى مقدرة الكاتبة “لنا” على اختيار الألفاظ الصائبة وصياغة الجمل الملائمة والعبارات المتناسقة المفهومة, التي أضفت على نصها القوة والحيوية, والكثير من الإيحائية التي لا تحد المعنى, فنراها تكتب العزلة: “عزلتنا الشديدة والموغلة,عزلتنا داخل عقولنا” وعن اصطناع القوة تقول: “هؤلاء الذين يتظاهرون بالقوة, هم من الهشاشة بحيث يعتقدون أن اصطناع القوة يحميهم” ونراها تصف هوة مشاعرها:”أرغب أن أرتدي رأس إله لأبتدع تصاميم جديدة للثقوب السوداء المحفورة في داخلي”. أما نثرها, فيشبه الشعر: “أزرع زهوراً حقيقية يداعبها نسيم الفجر, زهوراً تنام على جلدها الرخو فراشة تحلم..”, “في العتمة أقبض على نجوم مطفأة, كل ليلة تزداد نجمة..”, “أطفو على البياض بين السكون..”, “في باطن يدي اليسرى أحمل الكرة الأرضية…في باطن يدك اليمنى أرى البحر..لا شيء غير البحر.. وأنا.. التي أتجدد مع كل موجة”

      وأخيراً, تصالحت زينب مع نفسها وأرادت الحياة بكل قوة, حين شعرت أنه ما زال لديها الكثير لتفعله وتقوله وتكتبه.

                                                                            منى الشرافي تيم

الرجاء ترك تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s