فنون هذا الزمان…

                من المنحدر إلى القاع!!

     الفن على تنوع مجالاته واختلاف أشكاله، هو مقوّم أساسي وفعّال من مقومات الحياة المشرقة، لما يحمله من أبعاد فنيّة عميقة، تصوّر الجمال وتعبر عنه، من خلال اعتماده عمليات الخلق والابتكار، لتحفيز الإبداع، وتهذيب النفس، وتنمية الذوق، وترجمة الأحاسيس والمشاعر، التي تسمو بالنفس الإنسانية، للارتقاء بالأخلاق والمجتمعات والأمم, وتلطيف قسوة الواقع.

      لا بد لنا من الاعتراف، أن النظرة إلى الفن، هي نظرة نسبية، من الصعب تحديدها أو تعريفها, لأنها تعتمد على الأذواق، التي تحركها العواطف, إلا أن الرؤية المثالية للفن، تتمثل في كونه موهبة حيّة، ومقدرة إبداعية انفعالية، ومهارة فردية، تتأثر بذاتيتها، وكل ما يدور حولها، ويميزها امتزاجها بالخيال الثائر المجنّح. ويكون هدف الفنان سواء عن طريق اللغة والتعبير، الشكل واللون، الحركة والإيماء، الصوت واللحن، الوصول إلى ابتكار أعمال فريدة، ذات قيمة فنية عالية.

      إن الخوض في غمار الفنون الحديثة، أمر شائك ومحير، ولن يكتمل مهما حاولنا، لأننا بحاجة إلى التوغل في هويته, التي انحرفت عن مسارها في خضم الإيقاع السريع، والكسب المادي والتجاري, والسعي المحموم إلى الشهرة. ومهّد إلى كل ذلك غزو مفاهيم تجديدية، شوّهتها جدليات الحداثة وما بعد الحداثة، التي تجاوزت مفهومها الحقيقي كفكر يسعى إلى إحداث تغيير اجتماعي وفكري وفني، يهدف إلى تحطيم القيود التقليدية لما قبل الحداثة، التي حددت للفنون أطراً ومعايير, فكبتت الفنانين وحجّمت طاقاتهم الإبداعية. إلا أنها نحت اليوم منحى الانحدار والابتذال ومسخ الجمال، بالإضافة إلى التنازل عن القيم، وتدني الأخلاق وتراجع الثقافة. وكل ذلك تحت شعار “الفن للفن”.

     إننا اليوم نعيش عصر فوضى الفنون, فالموسيقى تحولت إلى زمر وطبل وإيقاع صاخب, يصاحبه غناء، يعتمد الكلمات السطحية, تنفّذّها مغنيات يستعنّ بأجسادهن المثيرة… لا بحناجرهن!… أما الدراما، فقد أصبحنا رهائن المسلسلات التركية، التي اجتاحت بيوتنا وعواطفنا، وسمّرتنا ساعات طوال أمام شاشات التلفزة، على الرغم من افتقارها إلى الموضوعات، التي تناقش مشكلات مجتمعاتنا, وكأنها وسيلة للهروب من الواقع، أو الفرار من الدراما العربية، التي فشلت في تقديم مسلسلات هادفة في قالب مشوّق وجذاب، واستمرارها في اعتماد المواضيع المكررة، والصراخ، والنواح، أو التهريج… وبالنسبة إلى الفنون التشكيلية، فقد غلب عليها غياب الرؤية، وطغت عليها الفوضى والعبثية والغموض والمساحات اللونية، أو تقليد ونسخ الأعمال العالمية، وذلك بسبب غياب العراقة عن أذهان دخلاء الفن والمحتالين عليه… أما في مجال الأدب, فحدّث ولا حرج، فالأعمال الأدبية الأكثر رواجا، هي تلك التي تحمل في طيات صفحاتها الرذيلة والجنس والفضائح والشذوذ والتطرف.

       إن مضمون هذا المقال ليس للتعميم، فالأصالة الراقية في الفن باقية في قلوب أهلها ومتذوقيها. ولكنه لتسليط الضوء على الفنون الرائجة والمنتشرة. لذلك نحن في أشد الحاجة إلى رقابة ذاتية ترقى بنا، لنميز بين الغث وبين السمين.

منى الشرافي تيم

الرجاء ترك تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s