زمان الكلمة

عالم الكتابة، هو عالم كبير… ينسجم ويتزاوج فيه الواقع مع الكثير من الحلم والخيال، فيجلب الراحة ويبعث في النفس السكينة والهدوء، فتأثير الكلمة والعبارة عظيم، قد يتفاوت من شخص إلى آخر، إلا أن التعبير الصادق السلس يصل إلى الجميع، فتهدأ له السرائر وتغفو على ضفافه الأرواح . والقارئ المتذوق هو الذي يدفع الكاتب أو الأديب إلى التحليق في سماء وفضاء ليس له حدود، فيتمكن من ترجمة مشاعره ومشاعر الآخرين.
ولأنني أحمل رسالة أدبية إنسانية اجتماعية وثقافية، ما أسعى إليه هو الوصول إلى فكر الناس وقلوبهم ومحبتهم، لذلك قررت إنشاء هذه المدونة، التي أهدف من خلالها، إلى إتاحة مساحة أوسع للتواصل بيني وبين كل الأصدقاء الذين يتابعون كتاباتي سواء في مجال الرواية – الشعر- النقد- المقالات الثقافية والاجتماعية، فقد اعتمدت على تواصلي معكم على صفحات الفيسبوك، التي امتلأت بفضل محبتكم، الواحدة تلو الأخرى، حتى أصبح عندي 3 فيسبوك تجاوز عدد الأصدقاء فيها الخمسة آلاف، بالإضافة إلى صفحة خاصة باسم “منى الشرافي تيم”، كما أن هناك عدداً كبيرً من الأصدقاء الذين أرسلوا يطلبون صداقتي، وأتضايق جدا حين أعجز عن استقبالهم.
فلنجعل من مدونتي هذه منبراً للنقاشات الراقية، وتبادل الأفكار والآراء القيمة، كما يسعدني ويشرفني انضمامكم إليها وتعليقاتكم عليها.

منى الشرافي تيم

نُشِرت في عام | الوسوم: , , , , , , , | 20 تعليق

مشاركة منى الشرافي تيم في الحلقة الحوارية عن القدس على تلفزيون لبنان

نُشِرت في عام | أضف تعليق

مقالتي اليوم في جريدة الحياة اللندنية عن رواية : “حمام الدار” للروائي الكويتي سعود السنعوسي الصادرة عن الدار العربية للعلوم ناشرون … ومنشورات ضفاف

http://www.alhayat.com/Articles/25823009/%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%86%D8%B9%D9%88%D8%B3%D9%8A-%D9%84%D8%A7-%D9%8A%D8%B3%D9%84%D9%91%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D8%B1%D8%A6-%D9%85%D9%81%D8%A7%D8%AA%D9%8A%D8%AD-%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%AA%D9%87

سعود السنعوسي لا يسلّم القارئ مفاتيح روايته

النسخة: الورقية – دوليالإثنين، ٤ ديسمبر/ كانون الأول ٢٠١٧ (٠٠:٠٠ – بتوقيت غرينتش)
آخر تحديث: الإثنين، ٤ ديسمبر/ كانون الأول ٢٠١٧ (٠٠:٠٠ – بتوقيت غرينتش)منى الشرافي تيّم 

«يكفي هذا العبث والإصرار على كتابة ما لن يُكتب… على الكاتب أن يتواضع أمام عجزه أحياناً، وأن يكف عن المحاولة»… بهذه العبارة المُنغلقة على نفسها، والمنفتحة على التأويلات، بدأ الكاتب الكويتي سعود السنعوسي روايته الجديدة «حمام الدار– أحجية ابن أزرق» الصادرة عن الدار العربية للعلوم- ناشرون، ومنشورات ضفاف، وإلى هذه العبارة «ذاتها» كنت أعود في كل مرة بعثر فيها نص الرواية ذهني، وفي كل مرة أضعت فيها مفاتيحه. كنت أعود وأتساءل: هل وصف السنعوسي في هذه العبارة حاله حين قرر الكتابة؟ ثم خلع عنه تلك العباءة وألبسها لشخصية روائية أوجدها وألقى بها إلى المجهول متوقعاً منها أن تكتب نفسها فتاهت بين إرادتين، وتمنى عليها أن تصنع قدرها فتجمدت عند عتبته. وكل ذلك لأن كاتب الرواية وبطله الكاتب اعتمدا لعبة اللغة، وتلحفا بفضاء الفلسفة، وغرقا في الرمزية، فتكونت فكرة نص حُبلى بأفكار حداثية، وصور مموهة، أطالت مخاض فكر القارئ في محاولته لفهم نص بقي خارج النص، وبقيت الفكرة جنيناً معلقاً بحبل يلوح في ذهن كاتب روائي وبطل رواية تمرد عليه حين رفض الانتحار: «أكتب لأدرك مشهد انتحار تلك الشخصية، وحينما اقتربت منه لم أقوَ على قتلها».

وضع السنعوسي لحمام الدار تصميماً خاصاً ومغايراً لمفهوم الرواية بالمعنى المتعارف عليه، فاختار أن تكون الشخصية الرئيسة في روايته فناناً وكاتباً مسرحياً وروائياً حقق طيلة ثلاثين عاماً نجاحات باهرة. وفي ذكرى مولده الخمسين شعر بعجزه عن إنهاء نص روائي لقيط لا مكان له ولا زمان. نص وُلِدَ من دون فكرة. فقط شخصية مضطربة تراءت له لرجل اسمه عرزال بن أزرق، وكل الدلائل تشير إلى الصلة الوثيقة بينهما من حيث المنحى العقلي والشعوري ورغبتهما في ابتكار نص تجديدي حداثي! وتحسباً للنقد المحتمل تحصن السنعوسي بذكاء خلف الاسم المكمل للعنوان: «أحجية ابن أزرق»، فحين يعجز الناقد أو القارئ عن جمع أجزاء الأحجية، والخروج منها بمنطقية الأشياء، وروابطها العقلية، نواجه قضية حرية الكانب في الأسلوب الذي اختاره من أجل تنفيذ لعبة روائية تمردت فيها الشخصية الرئيسة على كاتب النص، بأن خلقت شخصية جديدة أعادت الكتابة بصورة مختلفة، ثم تمرد كاتب النص على كاتب الرواية، ليعود الأخير فيتحكم في مصير الجميع بأن تركهم عالقين وعائمين على الورق بنصٍ لقيط ألحقه بنص نسيب، فجاء السرد مربكاً لشخصيات الرواية ومشوشاً لقارئها.

قسم السنعوسي روايته إلى قسمين رئيسين: القسم الأول، هو «العهد القديم… صباحات عرزال بن أزرق». وتفرع منه ستة عناوين: «قبل ساعة تأمل» وهي الصور التي تتوارد إلى ذهن الكاتب قبل فعل الكتابة وتدوين المصائر وتقرير الأقدار، ثم «مشروع رواية: نص لقيط» الذي يندرج تحته خمسة صباحات، يليها «أثناء ساعة تأمل»، وهي الساعة التي توقف عندها النص، وثارت فيها الشخصيات على مؤلفيها. أما القسم الثاني، فهو «العهد الجديد… صباحات منوال بن أزرق»: يبدأ بعنوان «مشروع رواية: نص نسيب» يندرج تحته ستة صباحات.

استعان الكاتب بالحيوان كي يكون الرامز إلى ذات الإنسان موضوع الرواية، وخفايا النفس التي تتحكم بسلوكها. ولأن النص وُلد في ذهنه من دون فكرة، أطلق عليه اسم: «نص لقيط»، وبطله عرزال، يبدأه كاتب النص في الصباح الأول، فيسرد مستخدماً الأفعال المضارعة الحاضرة، واصفاً تصرفات عرزال وتحركاته في بيته وكأنه يرى المشاهد أمامه، ثم ينتقل السرد إلى عرزال فينبش في بطن ذكريات طفولته وصباه، بضمير المتكلم، وسجل لكل عودة عنوان وعُمْر وقصة موقعة باسم عرزال ومنوال.

اختزل كاتب النص الزمن في الرواية في أمس: «يستفيق عرزال كل يوم منذ أمس… هو لا يعرف من الزمن الماضي، والماضي كلّه أمس. وهو لا يذكر من أمس إلا القليل؛ ولدت أمس. حطت الحمامة أمس. سقطت الستارة أمس»، ويجزم: «لا قوانين للزمن في هذه الساعة شأن الزمن في أوراقٍ يكتبها». أما أحداث الرواية فتدور في مكانين: المكان الحاضر، وهي شقة يسكنها عرزال أو منوال منذ نحو ثلاثين سنة… غرفة ونافذة بلا ستارة مطلة على البحر وعلى دكتها تسكن حمامة أطلق عليها اسم فيروز وعلى جدار الغرفة الأبيض المصفر صورتان لتوأمين. أما المكان في الماضي، فبيت عربي قديم بحجرات ضيقة وبهوٍ غير مسقوف، وسطح واسع، وأقفاص وطيور وشعير. وأسفل السلم ترقد بصيرة العمياء الصماء الخرساء التي لم يشعر بوجودها أحد إلا عرزال، والتي تردد صدى صوتها في أذنيه وحده فقط وهي تقول: «حمام الدار لا يغيب وأفعى الدار لا تخون».

نص لقيط، خرجت فيه الشخصيات من الورق وثارت على كاتبها كي تقرر مصيرها، بأن أعادت كتابة نفسها في نص نسيب. وتمثل النصان في مجموعة ذكريات أوجدتها خيالات الماضي وظلاله، فالحمامة الأم في النص اللقيط على سطح البيت القديم تنتظر عودة أولادها الحمامات الإخوة غادي وسفّار وعوّاد ورابحة. وهم في النص النسيب إخوته الذين هاجروا وعادوا بعد موت والدتهم. والمعزة البيضاء قطنة التي كان يحبها عرزال ويحلبها برفق، ويقضي معها أوقاتاً طويلة يحدثها، هي في نص منوال ابنة العبدة فائقة.

أما الحاضر في النص اللقيط فتمثل في اتصال عرزال بزوجته كل صباح، فتصرخ قائلة: «أركض يا جبان»، «طليقته لا تريد أن تنسى… ويشتاق إلى صغيريه». باضت الحمامة بيضتين أطلق عليهما اسمي زينة ورحال. أما حاضر النص النسيب فزينة ورحال هما توأماه اللذان غرقا في البحر… والحمامة فيروز هي أمه، وأم أخوته، وأم توأمه، وأم الفرخين على دكة النافذة.

وما بين الحاضر والماضي تزاحمت النداءات في رأس عرزال أو منوال، فتوجه إلى المطبخ حيث البخار المنبعث من الماء المغلي لإعداد القهوة الصباحية: «غطس كفه اليمنى في القِدر وهو يصيح بالصغيرين… زينة رحاااال! أخرج كفه مُلتهبه ثم راح يركض كالمجنون» وهنا ظهر التداخل بين مصير كاتب النص الذي كان يكتب نصه بكف ملتهبة وبين مصير شخصياته الروائية.

استغنى السنعوسي عن جزيئات الرواية وعناصرها، فاجتاز الزمن وتخطى المكان، وانفعال الشخصيات المصطنع أبهت عنصر الخيال، فحين ثارت لم نفهم نوازعها، لأنها بقيت على حالها- فلم تنتحر، ولم تتم الرواية وانتهت كسابقاتها في الدرج السفلي– لا حبس للأنفاس ولا توقعات. هذا العبث الروائي والخلخلة المقصودة في البناء الروائي قد يبرر أن ما قرأناه هو فعلاً أحجية وليست رواية، كما أنها ليست للقارئ العادي الذي يبحث عن متعة القراءة فحسب، بل هي للقارئ الصبور الذي يبحث عن إثارة من نوع خاص.

أما لغة الرواية فبليغة وجزلة وسلسة، وأسهمت في خدمة فكرة الرواية، لأنه عمد من خلال مدلولاته اللغوية إلى التنقل من بُعد إلى آخر برشاقة: «وحده الرمادي يشبهه لا لون له ولا ذاكرة… لون النهايات، لون الدخان والرماد وحطام البيوت… لون العدم». وقد عمد السنعوسي إلى تحريك أواخر الكلمات، ربما لأنه كان على علم مسبق بأن النصّ صعب وبحاجة إلى تركيز وأكثر من قراءة. ولا بد من الإشارة إلى أن الانغلاق الزمني والمكاني في الرواية ومحدودية المشاهد فيها يؤهلها أن تتحول إلى عمل مسرحي بامتياز.

نُشِرت في عام | أضف تعليق

خسارة الخسارة… ربح كثير!

نُبحر عبر أحاسيسنا إلى ما وراء ما تراه عيوننا في لحظات من التأمل، فتتراءى لنا الصور من خلال ظلال عميقة، نفشل في تفسيرها في أوانها، ربما لأننا نفقد صبرنا سريعاً، أو ربما لأننا نخشى بعض الحقائق المتوارية وراء ظلالها، والتي لا يتقبلها واقعنا أو من هم حولنا إن نحن حاولنا الكشف عنها، لأنها قد تكون مريبة ورائحتها ليست عطرة…  فنصمت!

إن البعد المرئي للمعاني الفلسفية التي نُغلِّفها بالكلمات في بعض المواقف قد تكون صعبة الفهم لأعزاء على قلوبنا، نخشى على مشاعرهم أن نجرحها بوردة، ويؤلمنا أن نوجع قلوبهم بحقيقة، ذلك البعد المخطوط بحبر عتقته خبرة الأيام، تلك الأيام بمرورها تهبّ عليها الرياح فيتطاير غبارها الكثيف ليملأ المكان، ثم ما تلبث أن تنجلي الصورة، فتراها عيون من نحب بوضوح، دون زيف أو مواربة، فتحدث الصدمة! عندئذٍ ربما نندم ونتمنى لو أننا لم نصمت… ولكننا نعلم أيضاً أن بعض الكلام في غير أوانه من شأنه أن يطيل في عُمر ما تخفيه النفوس.

نحن نعيش في عالم كبير بين أناس بشخصيات مختلفة، كل شخصية تتمتع بملامح وتعابير خاصة بها، وتتمايز في أحلامها وأمالها، وتتغاير في تطلعاتها ورؤاها، وتتقدم بطموحها ومجهودها…. لذلك علينا أن نحترم كل من شابهنا وتشبّه بنا، ونقبل كل من خالفنا واختلف عنا، ونمدّ يد العون لكل من يطلب منا العون إن كان في مقدورنا، وكل ذلك من أجلنا ومن أجل أن نتمتع بصحة نفسية وإنسانية واجتماعية وأخلاقية سليمة كي نَسعَدُ ونُسعِد! ولكن علينا أن نعترف أن الأمور الحياتية لا تسير دائما في مسارها الصحيح المرسوم لها، فقد يتغير المسار سلباً أو إيجاباً بفعل القدر تغييراً قسرياً بلا حول ولا قوة للإنسان به. وقد يتغير المسار بفعل الإنسان نفسه تغييراً اختياريّاً يكشف عن أخلاقه ونواياه وكل ما يضمره شراً كان أم خيراً.

إن الأقدار بكل وجوهها هي مصير الإنسان، أما الأخلاق فخياره! لأن معنى الأخلاق شامل، فهو المساحة الإنسانية التي يتحرك في فضائها، ففيها قد ينال احترام الآخرين ويحظى بتقديرهم حتى لو لم تحقق له الحياة كل ما يتمناه. وفيها قد يفقد الإنسان كل احترام وتقدير حتى لو حقق كل ما تمناه. ونحن في هذه الحياة التي تشبه الأحجية نحيا بين الناس ومعهم… يؤثرون بنا ونؤثر بهم. فمنهم من يدخل حياتنا ليُكمل ما نَقص فيها، فيُضفي عليها نفحات من جمال ونسائم من بهجة. ومنهم من يدخل إليها كي يعلمنا العبر والدروس التي تُعلِّم فينا كالوشم، خصوصاً أولئك الذين فتحنا لهم قلوبنا ومنحناهم ثقتنا ومحبتنا، فخذلونا؟! وللحظات من صدمة، وبعض من ألم، وخيالات ذكرى من هنا وهناك – نحزن – حين نظن أن خسارتهم هي خسارة فعلية، ولكن ومع مرور الوقت ينقشع ضباب العقل، وتنزاح غيوم العيون، لنكتشف أن خسارتهم ليست خسارة، بل هي هبة من الله، وربح كبير، وخير كثير.

إن المواقف الطارئة هي التي تكشف معادن البشر، فهناك مَنْ معدنه مِن ذهب، وهو الذي يتصرف بمسؤولية دون أن يؤذي أو يجرح أحداً سواء أكانت تلك المواقف الطارئة سلبية أو إيجابية، ويعرف كيف يواجه وماذا يقول وكيف يبرر تصرفاته… هذا النوع من البشر يحافظ على بريقه ويفرض احترامه على من اتفق معه وعلى من خالفه وتخالف معه وتصعب خسارته. وهناك مَنْ معدنه مِن تنك ما يلبث أن يصيبه الصدأ من أول موقف يتعرض له، فيهرب من المواجهة لأنه أناني لا يفكر إلا بنفسه، وانتهازي يستغني عن مَنْ وقف إلى جانبه وساعده حين لم يعد له حاجة به، وهذا النوع من البشر يفقد احترامه وتهتز ثقة كل من حوله به، وخسارته هي الربح الحقيقي في زمن الخسارات.

علينا أن نتوقف قليلاً ونفكر كثيراً عند بعض الخسارات، التي لو لم نخسرها في وقتها وأوانها لعرفنا معنى الخسارات الحقيقية!

 

د. منى الشرافي تيّم

نُشِرت في عام | أضف تعليق

اللغة … عربية أم عربيزية

http://alhadeel.net/%D8%A8%D8%B1%D9%86%D8%A7%D9%85%D8%AC-%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%BA%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%A3%D8%AF%D8%A7%D8%A8%D9%87%D8%A7-%D9%8A%D9%82%D9%8A%D9%85-%D9%85%D8%AD%D8%A7/

نُشِرت في عام | أضف تعليق

اللغة… عربية أم عربيزية محاضرة للدكتورة منى الشرافي تيم

نُشِرت في عام | أضف تعليق

الكذب… قناع هَشّ … ووشم الكذب على جبين الكاذب نَقْش

 

الكذب أسلوب ملتوٍ يتّبعه عدد كبير من البشر، من أجل الحصول على مآربهم على اختلافها، وتحقيق أهدافهم على تنوعها بوقت قصير، وذلك لأن ذواتهم تنقصها الثقة، ونظرتهم إلى الأمور مبتورة، وانعكاس صورهم الحقيقية في المرآة قبيح، فيرتدون أقنعة الكذب الرقيقة الهشّة، التي يظنون أنهم من خلالها قادرون على تمثيل الأدوار الخادعة التي تفرضها عليهم المناسبة أو الحالة الوقتية وإقناع من حولهم بها، إلى درجة تجعلهم في معظم الأحيان يصدقون أكاذيبهم، ويستغربون حين يصدّهم الآخرون ولا يصدقون أقوالهم.

لماذا يكذبون…؟  أرغبة منهم في الكذب لأنهم تعودوه؟ أم اختلال ثقتهم بأنفسهم؟ أم لإخفاء ما يُخجلهم؟ أم تجميل لواقع قبيح؟ أم تشويه لأمر جميل؟ أم يكذبون كيداً وحسداً وأذىً وانتقاما؟

يقولون لا تعاشر ثلاثاً: كاذباً… وبخيلاً… ومدمناً على المخدرات والكحول… وأولئك على اختلاف عاهاتهم الإنسانية والأخلاقية، يظنون أنهم قادرون على إخفاء حقيقتهم، ولكنهم يجهلون أن آثار آفاتهم الاجتماعية العميقة تسبقهم وتكشفهم، وهم بين الناس كالنعامة يغرسون رؤوسهم في التراب والكل يراهم.

قد يربح الكاذب جولة أو جولتين أو ربما أكثر، فيفرح بمنجزاته، ولكنه لا يعلم أن جولة الكذب التي قد يخسرها لمرة واحدة جرّاء حبكة غير متقنة أو عقدة مبالَغ فيها، سوف يكون ثمنها كشف كل أكاذيبه السابقة، وبالتالي التشكيك بكل أقواله وأفعاله، والإطاحة به، وسيصبح من الصعب عليه تمرير أكاذيب جديدة، وذلك بسبب فقدان الثقة في شخصه. وإن حصل وقرر الكاذب في يوم من الأيام ترك نهج الكذب، والعودة إلى سُبل الصدق، فالحذر منه سيحكم العلاقة به، والتعامل معه سيكون صعباً.

للأسف نحن نحيا في عالم كاذب مخادع مراوغ، ونغض الطرف عن الكاذبين، ولا نواجههم بكذبهم في معظم الأحيان، وذلك رغبة منا في المحافظة على ودهم، أو بذريعة أننا لا نريد أن نُحرجهم أو نجرحهم، أو أن أمرهم لا يهمنا. وصمتنا هذا يجعلهم يظنون أنهم نجوا ونجحوا في تمرير أكاذيبهم، وأننا صدقناهم، خصوصا إن كان كذبهم في ذلك الوقت لا يضرنا بشيء. ولكننا لا ندري أننا لو جرحناهم مرة أو أحرجناهم مرتين سوف يتم ردعهم وتراجعهم، فربما يأتي علينا الدور وتطالنا أكاذيبهم فيصينا منهم الأذى.

يقال أن هناك درجات لونية للكذب، ولكن كيف يمكن تصنيفها ورؤيتها؟ فالكذب كذب بكل درجاته الفاتحة منها والقاتمة، والكذبة الصغيرة إن تمّ تصديقها ستنمو وتكبر وتترعرع في كل مرة.

كثيرون يظنون بأنهم على مستوى عالٍ من الذكاء والحنكة، خصوصاً اؤلئك الذين ينوّعون في الأكاذيب التي ترتدي مظهر الصدق، فيرسمون الحدث في رؤوسهم ويحبكون قصتهم ببراعة، ثم يضحكون ملء قلوبهم حين يصدّقهم من حولهم. وهذا النوع من الكاذبين لديهم أسلوبهم الخاص في الدفاع عن أنفسهم، فحين يتم اكتشافهم يستميتون كي يثبتوا صدقهم، وهو الأسلوب المعاكس أو المضاد الذي يستخدمونه لحماية الأكاذيب من خلال عملية التشكيك التي قد يثيرها إصرارهم.

أما النوع الآخر من الكاذبين الذين يثيرون الاشمئزاز هم اؤلئك الحمقى الذين حين تتم مواجهتهم بكذبهم، فينهالون على مُكتشفي الكذب بالشتائم والاتهامات والاستهجان والتكبر، ويشتعلون حنقاً، ويستشيطون غضباً على الرغم من أنهم يعلمون أن من يواجههم على يقين تام بكذبهم ولا مجال للشك لديهم، فتكون ردة أفعالهم كأصحاب الحق المنتهك، وكأن الذين أماطوا القناع عن وجوههم، وكشفوا أكاذيبهم قد ارتكبوا إثماً عظيماً بحقهم، فكان أجدر بهم أن يصمتوا ويحترموا خصوصيتهم وحقهم الشخصي في إنجاح كذبهم.

إن طرق الكذب قصيرة مهما طالت، ومتقطعة مهما كانت ملتوية، وأنفاقها مظلمة ونهاياتها مغلقة. وسالك سُبل الكذب كاذب في نظر الآخرين حتى لو صدق… وكلما كبرت الكذبة صَعب تصديقها… وكلما حاول الكاذب تقوية حجج أكاذيبه بمزيد من الأكاذيب جعل نفسه عُرضة للسخرية!

 

د. منى الشرافي تيّم

نُشِرت في عام | أضف تعليق

الروائية والشاعرة منى الشرافي تيمّ: لا جواب يشفي في تعريف الحب

http://www.lahamag.com/article/98007-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A7%D8%B9%D8%B1%D8%A9-%D9%85%D9%86%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D8%A7%D9%81%D9%8A-%D8%AA%D9%8A%D9%85-%D8%AA%D8%B1%D9%88%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%B1%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%88%D9%87-%D9%84%D8%A7-%D8%AC%D9%88%D8%A7%D8%A8-%D9%8A%D8%B4%D9%81%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%AA%D8%B9%D8%B1%D9%8A%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%A8

نُشِرت في عام | تعليق واحد