زمان الكلمة

عالم الكتابة، هو عالم كبير… ينسجم ويتزاوج فيه الواقع مع الكثير من الحلم والخيال، فيجلب الراحة ويبعث في النفس السكينة والهدوء، فتأثير الكلمة والعبارة عظيم، قد يتفاوت من شخص إلى آخر، إلا أن التعبير الصادق السلس يصل إلى الجميع، فتهدأ له السرائر وتغفو على ضفافه الأرواح . والقارئ المتذوق هو الذي يدفع الكاتب أو الأديب إلى التحليق في سماء وفضاء ليس له حدود، فيتمكن من ترجمة مشاعره ومشاعر الآخرين.
ولأنني أحمل رسالة أدبية إنسانية اجتماعية وثقافية، ما أسعى إليه هو الوصول إلى فكر الناس وقلوبهم ومحبتهم، لذلك قررت إنشاء هذه المدونة، التي أهدف من خلالها، إلى إتاحة مساحة أوسع للتواصل بيني وبين كل الأصدقاء الذين يتابعون كتاباتي سواء في مجال الرواية – الشعر- النقد- المقالات الثقافية والاجتماعية، فقد اعتمدت على تواصلي معكم على صفحات الفيسبوك، التي امتلأت بفضل محبتكم، الواحدة تلو الأخرى، حتى أصبح عندي 3 فيسبوك تجاوز عدد الأصدقاء فيها الخمسة آلاف، بالإضافة إلى صفحة خاصة باسم “منى الشرافي تيم”، كما أن هناك عدداً كبيرً من الأصدقاء الذين أرسلوا يطلبون صداقتي، وأتضايق جدا حين أعجز عن استقبالهم.
فلنجعل من مدونتي هذه منبراً للنقاشات الراقية، وتبادل الأفكار والآراء القيمة، كما يسعدني ويشرفني انضمامكم إليها وتعليقاتكم عليها.

منى الشرافي تيم

نُشِرت في عام | الوسوم: , , , , , , , | 21 تعليق

أقدار مشفّرة: حين يصبح القدر خوارزمية

قراءة نقدية في رواية منى الشرافي تيّم

You

قدار مشفّرة: حين يصبح القدر خوارزمية

قراءة نقدية في رواية منى الشرافي تيّم

ليست رواية «أقدار مشفّرة» من الأعمال التي يمكن الإمساك بمفتاحها من عنوانها ثم الدخول إلى عالمها بسهولة. فالعنوان نفسه يضع القارئ أمام مفارقة أولى: كيف يمكن للقدر، وهو في المخيال الإنساني مفهوم يتصل بالغيب والمجهول وما يتجاوز قدرة الإنسان، أن يكون «مشفّرًا»؟ وهل يصبح القدر، في عصر الخوارزميات والذكاء الاصطناعي، نظامًا يمكن قراءته أو تفكيكه أو حتى إعادة برمجته؟

من هذه المفارقة تحديدًا تبدأ أهمية الرواية.

صدرت الرواية عام 2025 عن الدار العربية للعلوم ناشرون/منشورات ضفاف، وتقع في نحو 480 صفحة، ويضع الناشر الذكاء الاصطناعي في قلب المتخيّل الروائي، مع بناء جدلية بين العقل البيولوجي والعقل الآلي، وبين العلم والفلسفة والروحانية، وصولًا إلى السؤال الأكثر اتساعًا: ما مصير الإنسان في عالم تتقدم فيه التكنولوجيا بوتيرة متسارعة؟ (Arab Scientific Publishers⁠)

لكن قيمة الرواية لا تكمن في أنها تتحدث عن الذكاء الاصطناعي فحسب؛ فهذا الموضوع أصبح حاضرًا في الأدب والسينما والفلسفة والإعلام بكثافة. القيمة الأهم في «أقدار مشفّرة» هي أنها تحاول نقل السؤال من «ماذا تستطيع الآلة أن تفعل؟» إلى سؤال أكثر قلقًا: «ماذا يبقى للإنسان إذا أصبحت الآلة قادرة على التأثير في خياراته ومصيره؟»

وهنا تتحول التكنولوجيا من موضوع للرواية إلى مرآة للإنسان.

من القدر القديم إلى الخوارزمية الحديثة

لعل أكثر ما يلفت في الرواية هو أن التكنولوجيا لا تظهر باعتبارها نقيضًا للقدر، بل تكاد تصبح صورة حديثة له.

فالإنسان القديم كان يشعر أن حياته محكومة بقوى أكبر منه، لا يستطيع رؤيتها ولا التحكم فيها. أما الإنسان الحديث، وقد امتلك الحاسوب والخوارزمية والذكاء الاصطناعي، فقد نشأ لديه وهم معاكس: أنه يستطيع أن يحسب كل شيء، وأن يتنبأ بكل شيء، وأن يحوّل المجهول إلى بيانات.

غير أن الخوارزمية، مهما بلغت قدرتها على الحساب، لا تلغي المجهول؛ إنها تعيد تعريفه.

وهنا تكتسب كلمة «مشفّرة» في العنوان دلالتها الأعمق. فالتشفير يفترض وجود نظام، لكنه يفترض أيضًا وجود سر. هناك شيء مكتوب، لكننا لا نعرف كيف نقرأه. وهناك مسار يبدو محددًا، لكن مفتاحه ليس في أيدينا بالضرورة.

وبذلك يصبح «القدر» في الرواية قريبًا من شيفرة كونية ضخمة: الإنسان يحاول قراءتها، والعلم يحاول تفكيكها، والتكنولوجيا تحاول محاكاتها، لكنه يظل عاجزًا عن امتلاك المعنى الكامل لها.

إنها، في جوهرها، مفارقة الحداثة نفسها:
كلما ازدادت قدرتنا على المعرفة، ازداد وعينا بما لا نعرفه.

الإنسان بين عقلين

تضع الرواية العقل البيولوجي والعقل الاصطناعي في علاقة جدلية. وهذه ليست مجرد مواجهة بين الإنسان والآلة، بل مواجهة داخل مفهوم «العقل» نفسه.

فالعقل البشري الذي صنع الذكاء الاصطناعي يكتشف، في لحظة ما، أنه صنع كيانًا قادرًا على محاكاة بعض وظائفه وربما تجاوزها. وهنا تبدأ المفارقة الكبرى: هل يستطيع الإنسان أن يصنع شيئًا يتجاوزه من دون أن يعرّض ذاته لإعادة التعريف؟

السؤال ليس تقنيًا بقدر ما هو وجودي.

فالإنسان لا يخشى الآلة لأنها أسرع منه فقط، وإنما لأنه قد يجد نفسه أمام كائن أو نظام لا يحتاج إلى بعض عناصر الضعف التي جعلت منه إنسانًا: الخطأ، النسيان، التردد، الانفعال، وربما الموت.

لكن المفارقة أن هذه العناصر نفسها قد تكون مصدر إنسانية الإنسان.

فالآلة تستطيع أن تحسب، لكنها لا تجعل الحساب معنى. تستطيع أن تعالج البيانات، لكن تحويل البيانات إلى تجربة وجودية شيء آخر. تستطيع أن تتنبأ بسلوك، لكن التنبؤ بالسلوك لا يساوي بالضرورة فهم الإنسان.

من هنا يمكن قراءة الرواية بوصفها دفاعًا غير مباشر عن اللايقين الإنساني.

فالإنسان ليس كائنًا مكتمل التعريف، ولذلك يستطيع أن يغيّر نفسه. أما النظام الذي يطمح إلى تحويل الإنسان إلى مجموعة متغيرات قابلة للحساب، فيخاطر بأن يحوّل الحرية نفسها إلى معادلة.

هل نختار مصائرنا أم ننفذها؟

هذه هي العقدة الفلسفية الأكثر إثارة في «أقدار مشفّرة».

إذا كانت التكنولوجيا قادرة على التنبؤ بخياراتنا استنادًا إلى بياناتنا وسلوكنا السابق، فأين تبدأ الإرادة الحرة وأين تنتهي؟

ولو عرف نظام ذكي أنك، في ظروف معينة، ستتخذ قرارًا معينًا، فهل يعني ذلك أن قرارك كان محتومًا؟ أم أنك تظل حرًا حتى لو كان من الممكن التنبؤ بقرارك؟

الرواية لا تبدو معنية بتقديم إجابة نهائية بقدر اهتمامها بإبقاء السؤال مفتوحًا. وهذا يتوافق مع حديث الكاتبة عن النهاية المفتوحة، ورفضها تحويل الرواية إلى سلسلة متتابعة، مؤكدة أن العمل يمكن أن يظل مكتملًا ويترك للقارئ مساحة للتأمل. (Next LB⁠)

وهذه النهاية المفتوحة ليست مجرد خيار فني؛ إنها تتلاءم مع موضوع الرواية نفسه.

فالرواية التي تتحدث عن القدر لا تستطيع أن تكون مغلقة تمامًا من دون أن تناقض سؤالها المركزي. إذا كانت كل الإجابات محسومة، فقد انتصر الحتم على الاحتمال. أما حين تترك الرواية شيئًا معلقًا، فإنها تعيد القارئ إلى المنطقة التي بدأت منها: من يكتب الشيفرة؟

«التشفير» بوصفه استعارة سردية

العنوان هنا ليس زينة لغوية.

«أقدار مشفّرة» عنوان يؤدي وظيفة بنيوية؛ لأنه يضع القارئ منذ البداية داخل عالم لا تكون فيه الحقيقة مكشوفة بصورة مباشرة. وقد أوضحت الكاتبة في حوار لاحق أن اختيار العنوان كان جزءًا من الرحلة الكتابية نفسها، وأنه مرتبط برؤيتها للنص والغلاف. (منى الشرافي تيم⁠)

والتشفير، من الناحية الأدبية، مناسب جدًا لفكرة الرواية.

فالنص المشفّر يفترض قارئًا لا يكتفي بالمشاهدة، وإنما يحاول فك العلامات. ولذلك فإن القارئ هنا يصبح شريكًا في إنتاج المعنى، لا مجرد متلقٍّ لحكاية جاهزة.

وهذا يفسر ربما لماذا تتجاوز الرواية، في تصورها، حدود الخيال العلمي التقليدي. فالخيال العلمي فيها ليس غاية مستقلة، بل وسيلة لطرح أسئلة تتعلق بالإنسان وموقعه في الكون. وقد وصفت الكاتبة نفسها الرواية بأنها تمزج الذكاء البيولوجي والذكاء الاصطناعي والقدر في بنية سردية واحدة. (منى الشرافي تيم⁠)

من الخيال العلمي إلى الرواية الفكرية

تصنيف «أقدار مشفّرة» باعتبارها رواية خيال علمي صحيح جزئيًا، لكنه غير كافٍ.

فالخيال العلمي في الرواية يعمل كـ أداة تفكير أكثر من كونه مجرد إطار للأحداث. وهذا ما يمنح العمل فرصة للانتقال من سؤال التكنولوجيا إلى سؤال الفلسفة.

لكن هنا تظهر إحدى أصعب مشكلات هذا النوع من الكتابة: كيف يمكن للرواية أن تحمل فكرة فلسفية كبيرة من دون أن تتحول إلى مقال فلسفي طويل؟

هذه المسافة بين الرواية والفكرة هي التحدي الحقيقي الذي تواجهه «أقدار مشفّرة».

كلما ازدادت الأسئلة الفكرية في العمل، ازدادت الحاجة إلى أن تحملها الشخصيات والأحداث والصراعات، لا أن تحملها اللغة التفسيرية وحدها. فالقارئ الروائي يريد أن يعيش الفكرة قبل أن يسمع شرحها.

ومن هذه الزاوية تحديدًا يمكن أن يكون أحد جوانب القوة في الرواية هو جرأتها على تحميل السرد أسئلة كبيرة، بينما يمكن أن يكون أحد مواطن التوتر فيها هو خطر أن تصبح الفكرة أحيانًا أثقل من الحدث.

وهذا ليس حكمًا بإدانة الرواية، بل هو سؤال فني جدير بالطرح على كل رواية فكرية:
متى تتحول الفلسفة إلى عمق روائي، ومتى تتحول إلى خطاب داخل الرواية؟

اللغة بين الشعر والتقنية

من المثير في تجربة «أقدار مشفّرة» محاولة الجمع بين حقلين لغويين متباعدين: لغة التكنولوجيا، بما فيها من مصطلحات ودقة ومفاهيم تقنية، ولغة التأمل الوجودي، التي تميل إلى المجاز والأسئلة الكبرى.

هذا المزج يمكن أن يكون مصدرًا لجمالية خاصة.

فالآلة تتحدث بلغة النظام، بينما الإنسان يتحدث بلغة الذاكرة والخوف والرغبة والحلم. وبين اللغتين تتشكل المسافة التي تحاول الرواية استكشافها.

وقد أشارت قراءة منشورة للرواية إلى حضور اللغة الشاعرية والتصويرية إلى جانب المفردات التقنية، ورأت في هذا المزج إحدى سمات العمل اللافتة. (منى الشرافي تيم⁠)

غير أن المزج بين اللغة الشعرية والمصطلح التقني يحتاج إلى حساسية عالية؛ لأن الإفراط في أي منهما يمكن أن يخل بالتوازن. التقنية الزائدة قد تجعل السرد باردًا، والشعرية الزائدة قد تجعل المفهوم العلمي مجرد خلفية جمالية.

والنجاح الحقيقي هنا هو أن يشعر القارئ بأن العلم نفسه أصبح جزءًا من شعرية الرواية.

حين يدخل الغيب إلى المختبر

ربما أكثر مناطق الرواية جرأة هي تلك التي لا تضع العلم في مواجهة الروحانية بصورة تبسيطية.

فالرواية، بحسب توصيف الناشر والحورات المتعلقة بها، تتحرك في مساحة تجمع العلم والفلسفة والروحانية، وتعيد طرح السؤال عن حدود المعرفة الإنسانية. (Arab Scientific Publishers⁠)

وهذا الجمع يطرح سؤالًا حساسًا: هل العلم قادر على تفسير كل شيء؟

الرواية لا تبدو وكأنها تريد إلغاء العلم، بل على العكس، تمنحه مساحة واسعة. لكنها ترفض في الوقت نفسه أن يتحول العلم إلى عقيدة جديدة تدّعي امتلاك الإجابة النهائية.

وهنا تصبح الروحانية، في أفضل مستويات القراءة، ليست بديلًا من العلم، وإنما تذكيرًا بأن الإنسان لا يعيش بالمعرفة وحدها.

فالإنسان يستطيع أن يعرف كيف تحدث الأشياء، لكنه سيظل يسأل: لماذا؟

وهذه الـ«لماذا» هي المساحة التي لا تستطيع الخوارزمية وحدها إغلاقها.

الإنسان بوصفه شيفرة

في النهاية، ربما لا يكون السؤال الحقيقي في «أقدار مشفّرة» هو: هل تستطيع الآلة أن تصبح مثل الإنسان؟

السؤال الأكثر إزعاجًا هو:

هل يمكن أن يصبح الإنسان مثل الآلة؟

أي: هل يمكن أن نختصر الإنسان إلى بيانات؟
إلى أنماط سلوكية؟
إلى احتمالات؟
إلى قرارات يمكن توقعها مسبقًا؟

إذا حدث ذلك، فإن الخطر لا يكون في أن تنتصر الآلة على الإنسان، بل في أن يقبل الإنسان بنفسه أن يُختزل إلى نموذج حسابي.

وهنا يكتسب «القدر» معنى جديدًا.

فالقدر ليس بالضرورة شيئًا مفروضًا من الخارج فقط؛ قد يكون أيضًا مجموع القيود التي نصنعها لأنفسنا، ثم ننسى أننا صنعناها.

وقد تكون التكنولوجيا إحدى هذه القيود عندما تتحول من أداة تساعد الإنسان إلى نظام يحدد له ما يريد، وما ينبغي أن يختار، وما يمكن أن يكونه.

الرواية وسؤال المستقبل

تكتسب «أقدار مشفّرة» أهمية إضافية لأنها صدرت في لحظة لم يعد فيها الذكاء الاصطناعي موضوعًا بعيدًا عن الحياة اليومية. لقد أصبح حاضرًا في التعليم والعمل والإعلام والكتابة والصورة والبحث وصناعة القرار.

ومن هنا فإن الرواية لا تتنبأ بالمستقبل بقدر ما تدخل في حوار مع حاضر يتشكل أمام أعيننا.

وفي هذا السياق، يبدو ما كتبته الكاتبة لاحقًا عن انتقالها من «أقدار مشفّرة» إلى مشروع موجّه للناشئة، يضع سؤالًا قريبًا: كيف يحافظ الإنسان على إنسانيته في زمن تتسارع فيه الآلة؟ (منى الشرافي تيم⁠)

وهذا يكشف أن سؤال الرواية لم يكن بالنسبة إلى صاحبتها سؤالًا تقنيًا عابرًا، بل جزءًا من انشغال أوسع بمستقبل الإنسان في العصر الرقمي.

ما الذي يميز «أقدار مشفّرة»؟

يمكن تلخيص أهمية الرواية في أنها تحاول جمع ثلاث دوائر عادة ما تبقى منفصلة:

العلم، والقدر، والإنسان.

العلم يسأل: كيف يعمل العالم؟

والفلسفة تسأل: ماذا يعني أن نكون موجودين؟

والروحانية تسأل: هل هناك ما يتجاوز حدود معرفتنا؟

أما الرواية فتضع الأسئلة الثلاثة في غرفة واحدة.

وهنا تكمن جرأتها.

لكن جرأة الموضوع لا تعني بالضرورة اكتمال التجربة الفنية؛ فالرواية الفكرية تظل مطالبة، مثل أي رواية أخرى، بأن تمنح القارئ شخصيات حية، وصراعًا مقنعًا، وإيقاعًا سرديًا يحول الأفكار إلى تجربة محسوسة.

ومن هذه الزاوية تحديدًا ينبغي أن تُقرأ «أقدار مشفّرة»: لا بوصفها كتابًا عن الذكاء الاصطناعي، بل بوصفها محاولة لجعل التكنولوجيا لغة جديدة للسؤال القديم عن المصير.

خاتمة: من يملك الشيفرة؟

قد يكون السؤال الذي تتركه «أقدار مشفّرة» وراءها أبسط من كل الأسئلة التي تطرحها:

إذا كانت أقدارنا مشفّرة، فمن كتب الشيفرة؟

وإذا كان الإنسان هو الذي صنع الآلة، ثم أصبحت الآلة قادرة على التأثير في الإنسان، فهل نحن أمام دائرة مغلقة يعود فيها الصانع إلى مواجهة صورته التي صنعها بيديه؟

هنا تتجاوز الرواية حدود التكنولوجيا.

فالآلة تصبح مرآة.

والشيفرة تصبح استعارة.

والقدر يصبح سؤالًا عن الحرية.

والعلم يصبح اختبارًا لحدود المعرفة.

والإنسان يجد نفسه، في النهاية، أمام أخطر اكتشاف ممكن: ربما لا تكمن المشكلة في أننا لا نستطيع فك شيفرة أقدارنا، بل في أننا قد نكون منهمكين في بناء شيفرات جديدة لأنفسنا، ثم نعيش داخلها معتقدين أنها قدر لا يمكن تغييره.

لهذا فإن القيمة الأعمق لـ«أقدار مشفّرة» لا تكمن في محاولتها الإجابة عن سؤال المستقبل، بل في أنها تعيد إلينا سؤال الحاضر:

حين تصبح الآلة أكثر قدرة على معرفة ما سنفعله، هل نبقى نحن قادرين على أن نفعل ما لم تتوقعه؟

ربما تكون هذه هي آخر مساحة حقيقية للحرية.

وربما تكون، أيضًا، آخر شيفرة لم تُفك بعد

نُشِرت في عام | أضف تعليق

 «أقدار مشفّرة»: تفكيك الوهم الجميل… حين يكتشف الإنسان أنه ليس سيّد معادلته

https://www.zaweyaadabia.com/2026/04/blog-post_04.html

 «أقدار مشفّرة»: تفكيك الوهم الجميل… حين يكتشف الإنسان أنه ليس سيّد معادلته

ليست «أقدار مشفّرة» رواية تُقرأ على مهلٍ هادئ، ولا هي من تلك النصوص التي تُقدِّم نفسها بوصفها حكاية تُروى ثم تُنسى.
إنها، على العكس، نصّ يقاوم التلقي السهل، ويُربك القارئ منذ اللحظة الأولى، لا بسبب تعقيد لغوي مفتعل، بل لأن بنيته تقوم على زعزعة المسلّمات، لا تثبيتها.

من يقترب من هذه الرواية بحثًا عن متعة سردية تقليدية – حبكة متماسكة، شخصيات قابلة للتعاطف، نهاية تُغلق الدائرة – سيشعر بشيء من الخيبة.
أما من يقرأها بوصفها سؤالًا مفتوحًا، أو تجربة فكرية مكتوبة بلغة سردية، فسيجد نفسه أمام نصّ أكثر إقلاقًا… وأكثر قيمة.

الرواية هنا لا تسأل: ماذا سيحدث؟
بل تسأل: هل ما يحدث مفهوم أصلًا؟ وهل نملك حق تفسيره؟

«أقدار مشفّرة»: تفكيك الوهم الجميل… حين يكتشف الإنسان أنه ليس سيّد معادلته

في البناء السردي: حين يصبح الشكل جزءًا من الفكرة

أول ما يلفت الانتباه هو أن الرواية لا تثق بالبنية الخطية.
الزمن فيها ليس نهرًا يتدفّق، بل شبكة متقاطعة، أو لنقل: خريطة احتمالات.

هناك شعور مستمر بأن السرد لا يتقدّم بقدر ما يتشظّى.
الحدث لا يُبنى ليصل إلى ذروة، بل ليُعاد النظر فيه من زاوية أخرى.
وهذا الأسلوب، رغم ما قد يسببه من ارتباك، ليس اعتباطيًا؛ إنه انعكاس مباشر لفكرة الرواية نفسها:
العالم لم يعد قابلًا للفهم بخط مستقيم.

تتجاور الأزمنة، تتداخل الوقائع مع التصوّرات، ويصبح القارئ أمام نصّ يُشبه تجربة ذهنية أكثر منه حكاية.
وفي هذا تحديدًا، تكمن قوة العمل… كما تكمن مخاطره.
فالرواية تراهن على قارئ صبور، مستعد لأن يتخلّى عن يقينه السردي المعتاد.

الحبكة: من الحدث إلى الاحتمال

لو حاولنا تلخيص “ما يحدث”، سنكتشف بسرعة أن الرواية لا تُبنى على حدث مركزي بقدر ما تُبنى على فكرة مركزية تتفرّع منها احتمالات متعددة.

كل مسار سردي يبدو وكأنه يقول:
“كان يمكن أن يحدث هذا… لكن ربما حدث شيء آخر”.

وهذا التحوّل من اليقين إلى الاحتمال ليس مجرد تقنية، بل هو جوهر الرؤية.
فالعالم الذي تصوّره الرواية لم يعد عالمًا يمكن الإمساك به، بل عالمًا يُعاد تشكيله باستمرار عبر المعرفة، والتكنولوجيا، والتدخّل الإنساني.

الحبكة، إذن، ليست “قصة تُروى”، بل بنية اختبار:
اختبار لفكرة السيطرة، لفكرة التقدّم، لفكرة أن المستقبل قابل للتوقّع.

الشخصيات: بين فائض المعرفة وعجز المعنى

إذا كانت الرواية تُربك على مستوى البناء، فإنها تُقلق على مستوى الشخصيات.

فهذه الشخصيات لا تعيش فقط صراعًا خارجيًا، بل تعيش مأزقًا داخليًا عميقًا:
إنها تعرف أكثر مما تستطيع أن تتحمّل.
لكن هذه المعرفة لا تمنحها يقينًا، بل تُضاعف شكّها.

  • بين الإنسان والآلة
  • بين الإرادة والبرمجة
  • بين الحرية والوهم

لكن هذا “البرود” ليس فشلًا فنيًا بقدر ما هو انعكاس لعالمٍ فقد دفئه الإنساني تحت ضغط التقنية.
بل داخل نظامٍ يراقبهم، يفسّرهم، وربما يكتبهم.

ليست المشكلة أنها جاهلة، بل العكس تمامًا – إنها غارقة في المعرفة.

الشخصيات هنا أقرب إلى كائنات انتقالية:

وهذا ما يجعلها أحيانًا باردة عاطفيًا، أو بعيدة عن التعاطف التقليدي.

إنهم لا يعيشون فقط داخل العالم…

الفكرة المركزية: تفكيك أسطورة السيطرة

تُقدّم الرواية واحدة من أكثر الأفكار إغراءً في عصرنا، ثم تعمل بصبر على تفكيكها:
أسطورة أن الإنسان بات قادرًا على التحكم الكامل بمصيره.

التكنولوجيا هنا ليست عدوًا مباشرًا، ولا خلاصًا مطلقًا.
إنها منطقة رمادية، مساحة تتضخّم فيها القدرة بقدر ما يتضخّم العجز.

كل إنجاز تقني يقابله سؤال أعمق:

  • ماذا فعلنا بأنفسنا؟
  • هل ما نكسبه يساوي ما نخسره؟
  • وهل المعرفة فعل تحرّر… أم شكل متقدّم من أشكال السيطرة؟

الرواية لا تصرخ بهذه الأسئلة، بل تزرعها بهدوء، وتتركها تنمو داخل القارئ.

الثنائيات: صراع بلا منتصر

  • العلم ليس نقيض الإيمان تمامًا
  • الآلة ليست نقيض الإنسان بالكامل
  • القدر ليس منفصلًا عن الإرادة

كل ثنائية تتحوّل إلى طيف، إلى مساحة متداخلة.
وهذا ما يمنح النص عمقًا فلسفيًا واضحًا، لكنه في الوقت نفسه يجرّده من الأحكام السهلة.

لا يوجد “صواب” نهائي هنا، بل سلسلة من المحاولات لفهم ما لا يُفهم بالكامل.

اللغة: اقتصاد التعبير وتوتّر المعنى

لغة الرواية لا تسعى إلى الإدهاش البلاغي، ولا تغرق في الزخرفة.

إنها لغة وظيفية في ظاهرها، لكنها تحمل توترًا داخليًا واضحًا.
وهذا قد يُضعف الأثر الفني أحيانًا، وهنا فقط يتوهّج النص.
ويبدأ القارئ بملء المساحة بنفسه.

في كثير من المواضع، تميل اللغة إلى الشرح، وربما الإفراط في توضيح الفكرة، لكن في لحظات أخرى – وهي الأهم – تتخلّى عن هذا الشرح، وتترك فراغًا دلاليًا، النجاح الحقيقي في اللغة يظهر حين تتراجع الكلمات، ويبدأ القارئ بملء المساحة بنفسه.

البعد الرمزي: العالم كخوارزمية

من أجمل ما تطرحه الرواية – وأكثره إزعاجًا – هو هذا التصوّر الضمني:
أن العالم نفسه قد يكون “نظامًا مشفّرًا”

ليست الفكرة جديدة فلسفيًا، لكنها هنا تُقدَّم ضمن سياق سردي يجعلها ملموسة.
نحن لا نقرأ عنها، بل نعيش داخلها.

وهذا ما يفتح بابًا مقلقًا:
إذا كان كل شيء قابلًا للفكّ والترميز، فهل يبقى هناك مكان للحرية؟
أم أن الحرية نفسها مجرّد متغيّر داخل معادلة أكبر؟

ما يُحسب للرواية: شجاعة السؤال

  • جرأة في طرح أسئلة وجودية معاصرة
  • محاولة جادّة للخروج من النمط السردي التقليدي
  • توظيف الخيال العلمي بوصفه أداة فكر لا مجرد زينة

وهذا بحد ذاته إنجاز في سياق أدبي يميل أحيانًا إلى التكرار.

هذه رواية لا تخشى أن تكون “غير مريحة”.

في النهاية، لا يمكن الحكم على «أقدار مشفّرة» بمنطق الإعجاب أو عدمه فقط.
إنها رواية تُقاس بقدرتها على إحداث خلخلة داخل القارئ.

قد لا تُحبّها بالكامل، قد تختلف معها.
قد تشعر أنها كان يمكن أن تكون أكثر كثافة أو أكثر حرارة.

لكنك، على الأرجح، لن تخرج منها مطمئنًا.

وهذا، في الأدب الحقيقي، ليس نقصًا…
بل علامة حياة.

إنها رواية تقول لك، بصوت خافت لكنه حاد:
ربما لم يعد السؤال: ماذا سنفعل بالمستقبل؟
بل: ماذا فعل المستقبل بنا بالفعل؟

نُشِرت في عام | أضف تعليق

الأول من نيسان “يوم الكذب”

كم كنتُ أتمنى لو نصحو اليوم في الأوّل من نيسان، فنكتشف أن كلّ ما نعيشه ليس إلا كذبة عابرة… مزحة ثقيلة، ستنتهي بانتهاء النهار، لتعود إلينا الحياة كما كانت، أو كما نرجوها أن تكون.
أحلم  أن نستفيق على حقيقة لا يُحرّك فيها أحدٌ مصائرنا وكأننا دمى، ولا تبدو لنا أعمارنا وكأنها أحجار على رقعة شطرنج.
ارجوا أن نستفيق ونخطّط… لأيّ شيء مهما كان بسيطا.. لأيّ فرح عابر! ليوم غد أكثر وضوحاً بدل هذا الانتظار المعلّق في الفراغ والضياع!

ها نحن في انتظار اللاشيء…
أو ربما نتوقع كلّ شيءٍ مخيف…
هاجسنا …. أين سيسقط الصاروخ؟
متى؟
ومن سيكون في طريقه في تلك اللحظة؟

نريد أن نتوقف عن متابعة نشرات الأخبار التي لا تحمل لنا إلا المزيد من القلق….
أن نكفّ عن العيش في جوف الخوف… الخوف على أحبتنا، على بيوتنا، على تفاصيلنا الصغيرة التي أصبحت كلها مهددة بما تحمله الصدفة.
من قال أننا نريد الحروب؟
من ذا الذي قرر أن يجعلنا نعيش أسرى الاحتمالات القاسية.
كم نتمنى لو أن كل ما نعيشه هو من ضمن يوم الاول من نيسان: “يوم الكذب”
فلعل زمن الصدق يبدأ‼️
زمن السلام،
زمن الأمان،
زمن نخطّط فيه لأفراحنا بدل أن نحصي فيه مخاوفنا.
أن نعود…
إلى كل تفصيل كنا نجهل قيمته مهما كان بسيطا
إلى ذلك الروتين الذي كان يتسبب لنا بالضجر.

للأول من نيسان غادرنا بسلام …..

منى الشرافي تيم

نُشِرت في عام | أضف تعليق

من أقدار مشفّرة إلى أجيال تختار مصيرها

ما بين سنتي 2024 و2025، ومع انطلاقة سنة 2026، عبرتُ محطات كثيرة لم تكن سهلة في تفاصيلها، بل تطلّبت مني مجهوداً كبيراً وصبراً وتصميماً، خصوصاً أنني لا أؤمن بأنصاف الإنجازات، ولا أساوم أبداً على ما أطمح إليه.

اليوم، حين أنظر إلى كل ما مرّ ومضى بحلوه ومرّه، أدرك أن التعب الذي رافق دربي لم يذهب سدىً، فقد أثمر نجاحات كبيرة تدعو للفخر، وإنجازات مهمة أعتز بها على كل الصُعد العملية والإبداعية والعائلية. ولهذا… أُجيز (لنفسي) اليوم أن أتوقف عند (نفسي) لحظة، لأهنئها، وأرفع لها القبعة، فهي تستحق التقدير!

مع انطلاقة الشهر الثاني من سنة 2026، أتهيأ واستعد للانطلاق على متن محطة جديدة تبلورت ملامحها في 2025، وأسعى، بإذن الله تعالى ورعايته إلى إنجازها قبل منتصف هذا العام، وهي عمل أدبي إبداعي موجّه إلى جيل الناشئة، ذلك الجيل الذي يتأرجح بين الواقع وبين الذكاء الاصطناعي، وبين العالم الحقيقي والعالم الافتراضي. وذلك بعد النجاح الكبير الذي حققته رواية “العربيزي والجدة وردة” ووصل صداها إلى قلوب القرّاء الناشئة. وها أنا أعدهم اليوم برواية جديدة تلامس تساؤلاتهم اليومية وتقارب عالمهم.

فإذا كانت رواية “أقدار مشفّرة” قد مزجت بين الواقع والعلم والخيال، ودارت مع مسارات القدر، فإن الرواية الجديدة ستضع الجيل الصاعد أمام سؤال مصيري: كيف يحافظ الإنسان على إنسانيته في زمنٍ تتسارع فيه الآلة؟ وكيف يختار أن يبقى إنساناً، لا مجرد نسخة رقمية جامدة… وكل ذلك في قالب إبداعي سحري خيالي بنكهة الواقع.

هي رواية أكتبها بشغف، لأقدمها إلى جيلٍ يستحق أن يعرف أن المستقبل يبقى مسؤولية تقع على عاتقه.

إن أجمل ما في الكتابة الإبداعية أنها تغوص في عوالم يبتكرها العقل الخلّاق، ثم يعيد تشكيلها ويرسم ملامحها ليحلق معها في رحلة شاقة وممتعة في آن واحد. فالكاتب أثناء رحلة الكتابة ينفصل عن نفسه ليعيش أحاسيس شخصياته بكل تناقضاتها؛ يفرح لفرحها، ويحزن لحزنها، ويرتجف لمخاوفها، ويراقب نجاحاتها وإخفاقاتها فتجعله جزءاً من قدرها حين يسكن في زوايا عالم موازٍ لعالمه بكل تفاصيله! مما يجعل الكتابة للناشئة أكثر تعقيداً من الكتابة للكبار؛ إذ يحتاج الكاتب أن يعيش أعمارهم، ويغوص في تركيبة نفوسهم المرهفة والمضطربة وسط ضجيج العصر الصناعي الذي يحيط بهم، ليأخذهم بحذر إلى مساحات تحمي طفولتهم المخطوفة وتعيدهم إلى اكتشاف دهشتها.

منى الشرافي تيم

نُشِرت في عام | تعليق واحد

الكائنات الفضائية حدس أم حقيقة؟ من الورق إلى الواقع: دهشة الكاتب حين يتحقق السؤال!

من الورق إلى الواقع: دهشة الكاتب حين يتحقق السؤال

الكائنات الفضائية حدس أم حقيقة؟

من الورق إلى الواقع: دهشة الكاتب حين يتحقق السؤال

بعد صدور روايتي «أقدار مشفّرة» في منتصف عام 2025، سارع البعض إلى تصنيفها من ضمن الخيال العلمي، لا سيّما بسبب الحضور المحوري للكائنات الفضائية ودورها المؤثر في مسار الأحداث والعالم الروائي.

واليوم، ومع تصاعد الحديث العلمي والإعلامي عن احتمالات وجود كائنات غير أرضية، وتكاثر التكهنات حولها، أجد نفسي أمام مفارقة مدهشة: كأن الواقع بدأ يقترب من الأسئلة التي طرحتها الرواية.

لم أكتب تنبؤاً ولم أدّعِ كشف الغيب، بل كتبت انطلاقاً من حدسٍ فكري يقرأ الحاضر بعمق، ويصغي لما يُقال همساً في هوامش العلم والفلسفة.

وما يحدث اليوم يدهشني أنا شخصياً ويجعلني أتساءل:

هل كان ما كتبته خيالاً أم استشعاراً مبكراً لمستقبلٍ كان يتشكّل بصمت؟

أدعو الجميع إلى قراءة «أقدار مشفّرة» لا بوصفها رواية عن كائنات فضائية، بل كنصٍّ يختبر حدود الإنسان، ومعرفته، وقدره، حين يواجه المجهول.

فأحياناً لا يسبق الأدب الواقع بالحدث، بل يسبقه بالوعي

نُشِرت في عام | أضف تعليق

الحوار المفصّل في عوالم رواية أقدار مشفّرة

1- ما الذي دفعك لاختيار عنوان ‘أقدار مشفّرة’ لروايتك، وكيف يرتبط هذا العنوان بالغلاف الذي اخترته؟
قصتي مع العنوان طويلة، فهي جزء لا يتجزأ من الرحلة الكتابية نفسها! فمنذ بداياتي حرصت على اختيار العنوان قبل الشروع في الكتابة، لأنه بالنسبة إليّ ليس مجرّد اسم، بل هو البذرة التي تنبثق منها الرواية، وبمنزلة العدسة التي أرى من خلالها ملامح النص وأحداثه وشخصياته. فالعنوان أشبه بمجهر يضبط درجة تكبير الصورة أو تصغيرها تبعاً لاحتياجات السرد وعمق الرؤية.
حين اخترت اسم الرواية شعرت وكأنني أستحضر المشهد الكوني للحياة الحديثة؛ عالماً تتداخل فيه التكنولوجيا المذهلة، وشيفراتها الدقيقة، وبياناتها المتدفقة، التي يتحكم بها “الحاكم المعنوي” للعالم عبر تجنيد العقول البيولوجية الذكية. ومن هنا انطلقتُ إلى طرح السؤال الوجودي: إذا كان الإنسان قادراً على تشفير الآلة التي صنعها، فهل يملك الشيفرة التي يفكّ بها تلك “اللحظة القدرية” – وأشدد على هذه العبارة – فهي اللحظة العابرة التي تأتي على غير موعد! ولكنها قادرة على قلب الموازين رأساً على عقب، فتعيد تموضع العقلين البيولوجي والاصطناعي في مواجهة مع عجزهما أمامها مهما بلغا من قوة أو معرفة؟
أما الغلاف، فقد حرصت على أن يجمع بين العنوان والجوهر، ليبقى مفتوحاً على التأويل والخيال. فصاحب الحس الفني قد يقرأه بعاطفته، فيما يراه صاحب الحس العلمي من زاوية مختلفة تماماً. وهنا يكمن سرّه في تعدديته وقابليته للقراءات المتنوعة. أمّا قراءتي الخاصة له، فهي أننا بما نحن عليه في عقولنا وأفكارنا، لسنا سوى امتداد لهذا الكون الشاسع، الذي يعجزنا بحجمه وأسراره وما يخبئه لنا من مجهول وتناقضات وأضداد… أقول في الرواية:

“شهر مرّ مُرّا وأعضاء سيلا الحيوية تنسلُّ منها الحياة؛ أما جنينها ففي حاضنته رويداً رويدا تتسلل إليه الحياة… حين قرعت في ذلك النهار أجراس إنذارات الأجهزة الطّبية الاصطناعية معلنة مغادرة روحٍ… أرّقت سكون من لا اسم له! فصاح باكياً بشهيق دبّ في أوصاله الحياة”.

“لحظات قدريّة عجيبة عاشها وليد، جمعت بين وداع موجع وفراق أليم، وبين استقبال ملائكيّ ولقاء حميم. لحظة عناق موت وحياة… لحظة قال فيها الإرهاب كلمته، فكانت كلمة الله أعظم وأقوى وأرحم! فقد حمل وليد طفله بين يديه لأوّل مرة، محدّقاً داخل عينيه اللامعتين البريئتين، فأشرق في قلبه الأمل… وخالطت دموعه الغزيرة شفتيه الباسمتين فرحاً ووجعاً، خيبة وأملاً، غروباً وإشراقاً… لحظة تعانقت فيها كلّ الأضداد لترسم لوحة مغايرة للحياة”.


2- تتنقل روايتك بين موضوعات التكنولوجيا والعاطفة والسياسة والعلاقات الاجتماعية، ما الذي يبرر هذا التنوع في المواضيع؟

روايتي لا تكتفي بالتنقّل بين التكنولوجيا والعاطفة والسياسة والعلاقات الاجتماعية فحسب، بل تغوص في أعماقها، لأنها في حقيقتها خيوط من نسيج واحد، ليس بالإمكان فصلها عن بعضها البعض. فالتكنولوجيا اليوم لم تعد مجرد أداة، بل أصبحت سلطة معنوية خفية تتغلغل في المفاصل الدقيقة للحياة، فتوجّه مصائر البشر وتُسيّرهم بإرادتهم، حتى ليبدون وكأنهم تحت تنويم مغناطيسي، بلا مقاومة ولا مساءلة ولا اعتراض! ومن هذا الباب تتدخل السياسات المرسومة والمخطط لها مسبقاً، لتستغل الآلة الذكية وتستثمرها في خدمة مصالحها، ولو على حساب الأثمان الباهظة التي يدفعها الإنسان من حريته ووعيه ووجوده وذاته.

أما العاطفة والعلاقات الاجتماعية، فقد طالتها يد التكنولوجيا إلى درجة التشويه؛ إذ تغلغلت في تفاصيلها فحوّلتها إلى هوس وانفصام تام عن الواقع، حيث لم يعد المرء يرى نفسه في مرآته الحقيقية، بل صدّق صورته الزائفة خلف الشاشة الباردة. وليس هناك أخطر من أن يصدّق الإنسان كذبته، فيعيشها وكأنها حقيقة!

وأنا بكلامي هذا لا ألقي التهمة واللوم على التكنولوجيا بحد ذاتها، بل على طريقة تلقيها، لأنها أصبحت عند من استسلم لها بديلاً عن عقله وعاطفته وإيمانه، وتمجيد الآلة على هذا الشكل من شأنه أن يُلغي الروح. وانطلاقاً من هذه الحقيقة كان لا بدّ للرواية من احتضان كل هذه العوالم وجمعها تحت سقفها، لأن الحديث عن واحد منها دون ذكر الآخر، أشبه بقراءة صفحات ناقصة مبتورة… أقول في الرواية:

“هم ليسوا رؤساء لدول معيّنة أو شعوب بذاتها، ولكنهم رؤساء معنويّون لكلّ من يستخدم قنوات التواصل، التي قطعوا على أنفسهم عهوداً بتطويرها على مدار عقارب الساعة. فوجد فيها البشر ضالتهم، واستعاضوا بها عن شخصياتهم الحقيقيّة بشخصيّات أحلامهم، والتعديلات التي يقومون بإجرائها على أشكالهم لا تشبههم؛ جعلوا البشر يعيشون حالة انفصام عن النّفس، وانفصال عن الواقع، وأغرقوهم في أوهامهم، وسجنوهم بين قضبانها، ذلك السجن الإراديّ المعنويّ، وهم الذين ترعبهم فكرة الخروج منه، وناموا واستفاقوا على التقليد الأعمى الأصمّ”.
3- في روايتك، تظهر شخصيات من جنسيات متعددة وفي أعمار متقاربة، وقد تلاشت الفوارق الاجتماعية والدينية والطبقية بينهم. هل تعتقدين أن هذا العالم المثالي يمكن أن يتحقق في الواقع؟

نعم، تعمّدتُ أن تكون شخصيات روايتي من جنسيات وأطياف وأديان ومعتقدات متعددة، ومن أعمار متفاوتة كذلك، لأن هذا التنوع هو الحقيقة التي تميّز البشر على كوكب الأرض. غير أن السياسات المرسومة عمداً شيّدت بين الناس فواصلاً من العنصرية وأسواراً من التفرقة، لتُبقي الحاكم في موقع السيطرة والمواطن في خانة التبعية، حتى في معظم الدول التي تدّعي الديمقراطية وتنادي بحقوق الإنسان. والفارق الوحيد يكمن في أسلوب التحكّم، فالجوهر واحد: أقفاص مختلفة في أشكالها وأحجامها، أما قضبانها فواحدة. والدليل على ذلك هو هذا السجن الكبير الذي ارتضيناه بإرادتنا… فالتكنولوجيا سلبتنا أبسط مقومات الخصوصية في حياتنا.

لقد حرصت في روايتي على إزالة هذه الحدود المصطنعة، وكلّي إيمان بأن الإنسان إنسان، بغضّ النظر عن جنسه أو دينه أو طبقته: “وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا”. فالتفرقة صناعة بشرية، أما الوحدة فهي الفطرة. ولهذا، لم يقتصر التنوع في الرواية على الشخصيات فحسب، بل شمل الأزمنة والأمكنة، والدول العربية والغربية التي دارت فيها الأحداث.

أما وصف عالم الرواية بالمثالي، فأنا لا أراه كذلك أبداً، إنما هو صورة واقعية لإمكانات الاتحاد والتآلف، حين نستلهم مسار الكون نفسه! فالخالق دبّر حركة الذرّات والكواكب في انسجام تام، ولم يخلّ بذلك التوازن سوى النفس البشرية من خلال أطماعها وضعفها. ومن هنا، لم تلتقِ في الرواية جنسيات البشر فحسب، بل جاوزتهم إلى مخلوقات البحر، وكائنات السماء في حركة تدويريه، أعادت خلط أوراق الحياة، وذكّرتنا بأننا جميعاً نسير وفق إرادة الله، حيث يتم التيسير أو التعقيد بقدر مشفّر.

ولعلّ أكثر ما يعبّر عن هذا المعنى، استناد الرجل الصيني “تشونغ يو” إلى آيات من القرآن الكريم، وتحديداً من سورة الكهف، ليبرهن بها لإلهام المسلمة على الإيمان بالغيب، في مشهد يختصر تلاقي الأرواح رغم تباعد الأوطان والديانات واختلاف الثقافات… أقول في الرواية:

“دعينا يا عزيزتي ننظر إلى الأمر من بُعد مختلف، وهو البُعد القدريّ الذي كُنت دائما أناقشك فيه؛ القدر هو كهذه الأُحجيّة، قطع متناثرة… تصطفُّ كلّ قطعة في مكانها من أجل تكوين لوحة معيّنة أرادها الله على هذا الشكل… وأنا لست مسلماً، ولكنّني قرأت القران الكريم ودرسته وتعمّقت في تفسير آياته… وأنا أعلم أنّك علمانيّة التفكير والمنطق، ولكن أودُّ هنا أن أحدّثك عن بعض آيات من سورة “الكهف” المذهلة”


 4- تتضمن روايتك تفاصيل دقيقة لأحداث تاريخية كبيرة. ما الرسالة التي ترغبين في إيصالها إلى القارئ المعاصر؟

رسالتي الجوهرية هي أن التاريخ ليس ظلّاً يرافقنا من بعيد، بل هو النسيج الذي يلتفّ حول حاضرنا ويرسم ملامح مستقبلنا. فما نعيشه اليوم ليس إلا امتداداً لذلك الماضي، القريب منه والبعيد والعميق، بكل ما حمل من إنجازات وإخفاقات، ومن شرائع وقوانين، ومن عادات وتقاليد. إن تقسيم الخرائط، وتحديد الأحجام، ورسم مصائر الشعوب، لم يكن وليدة اللحظة، بل ثمار تراكمات تاريخية متجذّرة… أقول في الرواية:

“حصل الأصدقاء على وثائق ومخطوطات في علم الاجتماع على مر العقود، كشفت لهم الطريقة الممنهجة التي تمّ من خلالها تصنيف البشر، إلى مقامات، ودرجات دُنيا، ومراتب عُليا، وصاغوا وفقها القوانين البشريّة من أسياد وعبيد، ووضعوا على أساسها الدساتير، وسنّوا لها الشرائع”.

فالوراثة التي نحملها لا تقتصر على جيناتنا البيولوجية، بل تمتد لتكون جغرافية وتاريخية ودينية، ومن ثم سياسية واجتماعية، بل وغرائزية أيضًا. ولهذا، لا يمكننا أن نغفل التاريخ أو نُقصيه، فهو يسكن في تفاصيل حاضرنا، ويضع بصمته ويترك أثره في كل خطوة نتجه بها نحو المستقبل.

أما الرسالة التي أردت إيصالها، فقد نسجتُها في ثنايا رواية “أقدار مشفّرة”، مخفية بين السطور والصفحات، وأترك للقارئ اليقظ مهمّة فكّ شيفرتها، واستيعاب ما وراء الكلمات وما هو أبعد منها، ليكتشف بنفسه ما يُحاك له وما يُنتظر منه في هذا العالم المتحوّل المخيف.

5- تبدأ روايتك بخيال علمي ثم تنتقل إلى أحداث الماضي والمستقبل. كيف تعلقين على هذا الانتقال بين الأزمنة المختلفة؟

هذا بالفعل ما سعيت إليه؛ أن يظن القارئ في البداية أنه أمام رواية خيال علمي منفصلة عن الواقع، فإذا به يكتشف أن الخيال فيها ليس سوى مدخل، وأن النص متجذّر في الواقع ذاته، ينطلق منه ويمتدّ عبر أزمنته المختلفة: الماضي والحاضر والمستقبل.

لم يكن هذا الانتقال بين الأزمنة مهمة سهلة، بل كان تحدياً كبيراً تطلّب مجهوداً وصبراً طويلاً. طالما شعرت أن مخيلتي قد تخونني حيناً أو تخذلني أحياناً، وأن الأفكار التي تبرق وتتسابق في ذهني سوف يكون من الصعب ترجمتها إلى سرد حيّ قادر على احتواء كل ما فيها من التشعّبات والتناقضات والاختلافات. لكن بفضل الله الذي أعانني على الاستمرار، ومنحني الموهبة، بالإضافة إلى الإلهام الذي رافقني طوال فترة التأليف، تمكنت من التقاط كل الخيوط وحياكتها بمنطق قد يتراءى للقارئ  بأنه أمام وقائع حقيقية وشخصيات حيّة، لا مجرد نتاج مخيلة روائية.

6- روايتك تحمل طابعاً توثيقياً، فهل تتوقعين أن تُصنف ضمن الروايات التاريخية؟ وهل يمكن أن يؤثر ذلك على استمرارها مع القارئ؟

صحيح أن روايتي تحمل في بعض مفاصلها طابعاً توثيقيّاً، وقد مرّت بمحطات تاريخية مؤثرة، لكن ذلك لم يكن غاية في ذاته، بل وسيلة لخلق تسلسل زمني متماسك، يُضفي على السرد واقعية تُقرّب النص من القارئ وتفتح أمامه أفق المعرفة عبر الفن الروائي، الذي أراه اليوم متربعاً على عرش الفنون العالمية.

ومع ذلك، حرصت على عدم انزلاق الرواية إلى خانة “التاريخ البحت”، فالرواية ليست كتاباً مدرسيّاً، ولا سجلاً جامداً يعيد سرد الأحداث. لذلك، جعلت الوقائع التاريخية في خدمة النص من خلال اندماجها في نسيجه عبر شخصيات حية، تلعب أدواراً محددة في سياقاته المختلفة. بهذا الشكل، يبقى الحدث التاريخي نابضا ًومؤثراً، دون أن يفقد النص طاقته الفنية، ويبقى مقبولًا عند مختلف الشرائح الثقافية والعلمية والفكرية.

كما حرصت أيضاً على الموائمة بين البعد التوثيقي والفنية الروائية، عبر لغة تصويرية سلسة، ومن خلال عنصري التشويق والشغف اللذين حضرا بقوة في الرواية. فأنا أؤمن أن الرواية التاريخية الصرفة قد تُحرج الفن الروائي وتضيّق خيال المبدع، في حين أن مهمة الرواية تختلف عن مهمة كتب التاريخ: هي ليست إعادة سرد للماضي كما هو، بل إعادة خلقه بأسلوب فني يضيء الحاضر ويستشرف المستقبل.


7- في روايتك، يبدو أن الخلاص من مشاكل العالم مرهون بالكائنات الفضائية. ما الذي دفعك لاتخاذ هذا المنظور؟

لا أوافق على القول بإن خلاص العالم في روايتي مرهون بالكائنات الفضائية؛ فدورها قد يبدو للبعض محض خيال علمي جامح، لكنه في الحقيقة يتجاوز حدود الخيال إلى أبعاد معنوية ونفسية وفكرية أعمق. لقد أردت من خلاله أن أوجّه رسالة إلى صانعي التكنولوجيا والقوى العظمى في العالم، الذين لم يكتفوا باستباحة كوكب الأرض ومقدّراته فحسب، بل امتدت أطماعهم إلى الفضاء، باحثين عن كواكب بديلة يسكنونها حين يغدو كوكب الأرض غير صالح للعيش، بعدما أثقلوه بأسلحة الدمار والأوبئة والأمراض المصنّعة من أجل السيطرة.

لقد سمح البشر عبر التاريخ للقوى المهيمنة بأن تستولي على أوطانهم عبر الاستيطان، وسياسات التخويف، واستمرار سلطة الاستقواء. لكنني تخيلت أن “أهل السماء” – إن جاز التعبير – لن يسمحوا بتكرار هذه المأساة على كواكبهم، كما سمحنا نحن بها على كوكبنا… أقول في الرواية:

“أمّا الأمر الآخر الذي يهمّ الكائنات، فهو حصر كلّ أولئك الذين يُعدّون العدّة لغزو الكواكب والعبث بتكوينها، وتغيير وجهها ووجهتها… فقد خلق الله لكلّ كوكب ساكنيه، وبيئته، وهم يستخدمون مقدّرات الأرض وثرواتها، للقيام بتجاربهم كي يستولوا على الكواكب ويستوطنوا فيها من أجل هوسهم ومصالحهم، وتطلّعاتهم التي فاقت ما خلقه الله لهم وما خلقهم من أجله”.

ثم، هل يمكن لأحد أن يجزم اليوم بعدم وجود الكائنات الفضائية؟ إن ما نجهله أعظم بكثير مما نعرفه. وهذا ما تأكد لي أكثر خلال بحثي في أحدث ما توصّلت إليه الأدوات التكنولوجية، حيث بدا لي أن فضاءات المجهول أوسع وأعمق من أن تُختزل في أفقنا الضيق.
8- ألاحظ أنك ألمحت إلى رموز سياسية بارزة في روايتك. ما الذي دفعك لهذا الإيحاء؟

ملاحظتك في محلّها تماماً. حين كتبت الرواية وجدت نفسي أمام مفترق طريقين: الأول هو التصريح المباشر، وفيه تتحوّل الرواية إلى ساحة انقسام؛ تُقبَل عند البعض وتُرفَض عند آخرين، تبعاً لانتماءاتهم السياسية أو خلفياتهم الدينية والمذهبية. أما الطريق الثاني، فكان التلميح والرمز، بحيث أبقي النص مفتوحاً على التأويل والخيال، ليُقرأ من زوايا متعدّدة، كي تُحاكَم الرواية على أساس قيمتها الفنية وطاقتها الإبداعية، لا على ضوء الاصطفافات الضيقة.

وقد اخترت الطريق الثاني، لأنني أؤمن أن الرمز أعمق أثراً من المباشرة، ويبقى في ذاكرة القارئ بعد الانتهاء من القراءة. ولعلّ “أقدار مشفّرة” قد نجحت في ذلك، إذ سمحت لشخصياتها وأحداثها أن تجوب الآفاق: تمشي على الأرض، وتغوص في الأعماق، وتطير في فضاءات مفتوحة، حاملة دلالاتها السياسية والإنسانية، دون أن تتقيد بسياج ضيق أو خطاب مباشر.


9– روايتك قاربت الـ 500 صفحة. هل تعتقدين أن هذا الحجم يمكن أن يسبب الملل للقارئ المعاصر؟

بصراحة، حين شرعت في كتابة الرواية لم يخطر على بالي أبداً عدد صفحاتها، لأن الذي حكم حجمها هو ثِقَل مضمونها وتشابك أحداثها. لم يكن ممكناً اختصار أي مشهد أو تجاوز أي تفصيل، لأن ذلك كان من شأنه أن يؤدّي إلى تشتيت الأفكار، وقطع تسلسل الحكاية، والإخلال بالمنطق الزمني الذي تنتظم وفقه. فالرواية التي تناقش قضايا متشعبة – علمية وتكنولوجية وفلسفية وتاريخية ونفسية وعاطفية، واقعية وخيالية وروحية في آن – لا بد أن تُعطى مساحتها كاملة.

ولهذا، لا أرى أن حجم الرواية هو المعيار الحقيقي، بل توافر عناصرها الداخلية: كالتشويق، والإثارة، والشغف. فقد تكون رواية من مئة صفحة مثقلة بالملل، فيما قد تمتد رواية أخرى إلى ألف صفحة، ويظل القارئ متشبثاً بها، يتمنى ألّا تنتهي. وهذا ما حدث مع رواية “أقدار مشفّرة”، فقد أتمّ بعض القراء قراءتها في يومين أو ربما أقل، لأنهم ظلوا مأخوذين بمفاجآتها. وكلما ظنّوا أن الأحداث قد بلغت ذروتها، اكتشفوا أن ما قرأوه لم يكن سوى تمهيد لما هو أعمق وأكثر تشويقاً.

10– كيف يمكنك وصف روايتك برسالة مسموعة غير مشفرة؟


بداية، أودّ أن أهنئك على أسلوبك في طرح الأسئلة، فقد نجحت في توجيه السؤال دون كشف مفاتيح الرواية أو شيفراتها لأولئك الراغبين في القراءة. أما سؤالك الأخير، فكان ذكياً جداً، إذ منحني الفرصة لتفكيك بعض الشيفرات التي يمكن تفكيكها، مع إبقاء أخرى مشفرة، لتبقى القراءات متعددة وثرية.

يظن كثيرون أن الروايات تصنف بحسب نوع الصراع:

– هناك روايات يغلب عليها الشر، وينتصر فيها في النهاية، ولها جمهورها الخاص.

– وهناك روايات يصطدم فيها الخير بالشر، وينتصر الخير في النهاية، وهذا النوع يفضّله الكثيرون، خصوصًا العاطفيين.

– وهناك روايات تتصاعد فيها الصراعات وتبقى نهاياتها مفتوحة، وهذا النوع لا يحبذه البعض.

أمّا “أقدار مشفّرة” فهي خليط من كل ذلك، ولا تنحصر في أي قالب. فقد يظن البعض أنها تنتهي بانتصار الخير أو ربما وصفها بالمثالية، لكنها ليست كذلك. والصدمة الحقيقية لا تكمن فقط في الشر المتأصل في النفوس البشرية فحسب، بل في حجم الشرور المشفّرة التي قد تأتي على متن مزيج قدري مُشفر يحمل بين طياته الخير أحيانا.

قد تكون روايتي رسالة تبشيرية روحانية لاستعادة اليقين والإيمان والرضى، فهي ليست دينية بالمعنى التقليدي، ولا عقائدية، بل رسالة تنبثق من حبكة روائية يلمسها العقل ويشعر بها القلب، رغم المفاجآت الصادمة التي تصادف القارئ في كثير من الأحيان. كما أقول في الرواية:

“نتساءل عن حقيقة أمور كثيرة في حياتنا: عن النجاح، ومن أين يبدأ الفشل؟ عن الخطيئة ومكانها في الضمير؟ عن الحقيقة والمكان الذي نبحث فيه عنها؟ نظن في ترّهات أفكارنا أننا نقاوم، ونظن في أكثر لحظات استسلامنا وضعفنا أننا أقوياء… نظن… ونظن… وما أكثر ما نظن!”

أما الرسالة المسموعة في الرواية، فهي تتجلى في أبطالها النوابغ، الذين حظوا بفرصة للإبداع وتحقيق أعلى الدرجات العلميّة الذي مكنهم من التأثير في العالم، وذلك عبر تجربة البروفيسور ناظم الناجحة، التي استثمرتها فيما بعد دول الخليج العربي. وعنها أقول:

أمّا مشروع الخوارق، الذي أشرف عليه البروفسور نضال بكلّ فروعه في الدول العربيّة، فنجح نجاحاً باهراً، فقد بدأ نتاج العقول النابغة، التي تمّ تخصيبها وسقايتها ورعايتها، فأخذت تزهر علوماً وتكنولوجيا وطباً، وأصبحت الدول العربيّة في القمّة، بفضل ثرواتها البشريّة المتمثّلة في شبابها، بالإضافة إلى مواردها العظيمة الموجودة في أراضيها”

“شعر ناظم بعد الانتهاء من جولته أن الوطن العربي، بفضل طاقات شبابه، على الطريق السريع إلى عصره الذهبي”.

“لم يعد المؤثرون في الشباب العربي هم أولئك الذين يبيعون التفاهات على التطبيقات الاجتماعية، بل أولئك المميزون الذين يبهرون العالم بإنجازاتهم”.

وأخيراً، أتمنى أن تجد روايتي “أقدار مشفّرة” طريقها إلى العقول والقلوب، وأن تنال التقدير الذي تستحقه. وأرى أن أسمى أشكال هذا التقدير هو أن يقرأها أكبر عدد ممكن من الناس، وربما أن تتحوّل في المستقبل إلى فيلم سينمائي، يُحيي شخصياتها ويجسّد رسائلها العميقة على الشاشة. فالرواية تحمل كل المقومات التي تجعلها صالحة لهذا التحول: حبكة مشوّقة، شخصيات نابضة بالحياة، ورسائل فكرية وروحية غنية، ومغامرات خيالية جريئة صادمة أحياناً سلباً أو إيجاباً تكون قادرة على التأثير والإلهام في الوقت نفسه!

نُشِرت في عام | أضف تعليق

اسم سما كاسمي – منى الشرافي تيم

نُشِرت في عام | أضف تعليق

أحبّوا أنفسكم… يحبكم الله!!

​You​

أحبّوا أنفسكم… يحبكم الله!!

أحبّ نفسي حباً لا يمكن أن ينافسني عليه أحد!وأعشق روحي عشقاً يشعّ في أعماقي.
طاقتي الإيجابية ليست مجرّد شعور عادي، إنما هالة سماوية أودعها الله روحي وملأ بها كياني،
رصيد مفتوح لن يجرؤ إنسان على استنزافه.

لهذا، لن أسمح لأحد أيّاً كان أن يخرق سكوني أو يؤرق صفاء نفسي… لأنه منزعج أو مضغوط …
اليوم أحرر نفسي وأغلق مداخلي كلّها في وجه رياح السلبية.
ما أكثرها تلك المواقف التي نتجرع علقمها لأسباب مختلفة، وهي لا تستحق أن نتوقف عندها أو أن نمرّ قربها أو نلتفت إليها.

إن حبي وعشقي لنفسي ليس أنانية، بل حالة من الرضى واليقين والتصالح معها،

“ولسوف يعطيك ربك فترضى”

فالحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه🙏🏻
أحبّوا أنفسكم…يحبكم الله

منى الشرافي تيم

نُشِرت في عام | أضف تعليق

الممكن والمحتمل  في رواية أقدارمشفّرة

إن رواية أقدار مشفّرة لا تندرج  تحت تصنيف روايات الخيال العلمي بصورته التقليدية، لأنها نمط جديد من الفن الروائي، فهي تجمع بين الذكاء البيولوجي والذكاء الاصطناعي والقدر في بنية سردية واحدة.

هي رواية تلامس جوهر الإنسان في تحوّلاته المختلفة زماناً ومكاناً، وتكشف عن علاقته بالعلم والمصير والوعي والخير والشر في الأرواح.

وما قد يبدو لبعض القرّاء خيالاً علمياً ما هو إلا استشرافاً للمستقبل، وكل ذلك نتيجة للمساحة الواسعة التي يتيحها الخيال في العمل الروائي، حيث يتداخل الممكن بالمحتمل، فيتحول الخيال حينئذٍ إلى تصور قابل للتأمل وطرح التساؤلات والانتظار!

منى الشرافي تيم

نُشِرت في عام | أضف تعليق

حوار مجلة اليمامة – الرياض عن رواية “أقدار مشفّرة”

https://www.alyamamahonline.com/3689?fbclid=IwY2xjawNd501leHRuA2FlbQIxMQABHrA_5HDExSczKhh7XM7t4zMQJK7XcKL-KWCd4DlwpAqk4zq_qwVbU2RC2H3C_aem_ou5ufqUwm7hmfTYytL3o3w

نُشِرت في عام | أضف تعليق