٦٠ دقيقة هزت العالم

     القضية الفلسطينية هي كفاح مرير لشعب سُلبت منه أراضيه وتمّ اقتلاعه من جذوره فعاش التشرد والشتات وحلّ ضيفاً ثقيلاً على الشعوب والبلاد, وكل هذا من أجل قرار شكّل أرضية خصبة لقيام الكيان الصهيوني المغتصب على الأراضي الفلسطينية. هذا الكيان حوّل الفلسطيني من صاحب قضية وحق إلى لاجئ دفع أثمان الاحتلال والتهجير والبحث المضني عن هوية تائهة. ومن أبشع صور الانتهاكات للحقوق والكرامات الإنسانية في العالم, هي تلك التي مارسها الكيان الصهيوني على الفلسطينيين من خلال الحصار الخانق الذي فرضه على قطاع غزة. هذا الحصار ما هو إلا سجن كبير, يحيى فيه المساجين حياة الحرمان والقهر والذل…وكل هذا يحصل أمام مرأى العالم ومسامعه, هو سجن بحجم وطن لا يستطيع أحد الخروج منه أو العودة إليه. وقد تصدى لهذا الحصار وبحزم رئيس الوزراء التركي “أردوغان” حين أسمع صوته للعالم وأكّد على أهمية تفعيل الدور الدولي للضغط على إسرائيل من أجل كسر الحصار على غزة, وكل هذا وسط صمت عربي مريب؟! ولكسر هذا الحصار القهري وغير الإنساني, تحرّك أسطول الحرية في 29 أيار عام 2010 من ميناء أنطاليا التركي متوجهاً إلى غزة. وقد ضمّ الأسطول أربع سفن للشحن تحمل آلاف الأطنان من المساعدات الإنسانية والطبية والتموينية, وأربع سفن للركاب ضمّت عدداً كبيراً من الناشطين والحقوقيين وسياسيين ومتطوعين من أكثر من أربعين دولة عربية وغربية, وشخصيات من البرلمان الأوروبي… وأكبر هذه السفن هي السفينة التركية “مرمرة”.

     وقد روى الشاهد العيان الذي كان على متن السفينة التركية “مرمرة” وهي السفينة القائدة لأسطول الحرية, الدكتور والأستاذ الجامعي هاني سليمان في كتابه “60 دقيقة هزت العالم” الصادر عن الدار العربية للعلوم, قصة المجزرة التي تعرض لها أسطول الحرية السلمي حين تصدى له العدو الصهيوني فجر 31 أيار, فاستشهد أكثر من 19, منهم تسعة ناشطين أتراك وجُرح أكثر من 26. وقد شكّل هذا الهجوم البربري جريمة وفضيحة سياسية وإعلامية دولية, أدى إلى كشف صورة الصهاينة الحقيقية للعالم. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الدكتور هاني سليمان كان المنسق العام لسفينة “الأخوة اللبنانية” لكسر حصار غزة, التي انطلقت من طرابلس شمال لبنان  في الأول من شباط سنة 2009. وتمّ احتجازها في ميناء أشدود. وقد عبّر الدكتور هاني سليمان عن مشاعره تجاه رحلة أسطول الحريّه قائلاً: “على أهمية ما حملته هذه السفن من مساعدات عينية. فإن أعظم ما حملته, هو تلك العواطف الجياشة, وذلك النبل المجموع من أقاصي الأرض والمجبول بحرارة اللقاء بفلسطين وأهلها”.

     قرر الدكتور هاني كتابة هذه القصة, إيفاءً لعهد قطعه على نفسه بتوثيق الرحلة. وقد أصيب  برصاصتين اخترقت الأولى قدمه اليسرى فوق الركبة, والثانية اخترقت قدمه اليمنى فوق الركبة أيضاً, ونجا من الرصاصة الثالثة التي ثقبت برميلاً بلاستيكياً مملوءاً بالماء قربه. تمكن الدكتور هاني من تسجيل تفاصيل رحلته, ومشاعره نحو تنوع الأجناس التي استقلت أسطول الحرية “خليطاً من البشر, أجناساً وأعراقاً وأعماراً كانوا” وزينهم عدد من الناشطين اليهود المعترضين على سلوك إسرائيل, الذين كتبوا على صدورهم: “نحن يهود, ولسنا صهاينة”. ورأى أن رحلة التناصر والتعاضد بين المشاركين الغربيين والعرب أزاحت الالتباس الذي كان قائماً على معادلة: “أن كل الغرب استعمار…وكل العرب طغيان وتخلف وعبودية”. فقد تذكّر خلال رحلته حادثة مقتل الناشطة الأمريكية “راشيل كوري” التي قضت تحت الجرافة الإسرائيلية وهي تتصدى لها لمنعها من هدم بيوت الغزاويين. وكان من بين المشاركين في رحلة كسر الحصار المطران المسن هيلاريون كبوجي آتياً من روما, والذي حوّل مهمة الدكتور هاني من مجرد مشارك في الرحلة إلى مرافق للمطران لإعانته خوفا عليه من التعثر بسبب الألم والتورم في رجليه. كما أشار إلى روح السلام والمحبة, التي سادت أجواء الرحلة حين طلب المطران منه أن يقيم صلاة المغرب مع المسلمين على متن السفينة.

     وصف الدكتور هاني لحظة دخول السفينة “مرمرة” المياه الإقليمية الفلسطينية بعد الاتصال الذي أجرته البحرية الإسرائيلية بقبطان السفينة مما أنذر بقدوم الخطر, فاستعدّ الشباب الأتراك للمواجهة, فزنروا سطح الباخرة بأجسادهم من اتجاهاتها الأربعة, وفي الطوابق الأخرى كانت خراطيم المياه تعمل بكل اتجاه لمنع سفن العدو من الاقتراب, ومنع الجنود من التسلق على السفينة. ولكن البارجة الحربية التي تصدت لهم, أخرجت من بطنها عشرات الطرادات المطاطية, التي طوّقت السفينة من كل جانب, وتلا ذلك وصول الطائرات المروحية التي فتحت فوهات الجحيم من إطلاق نار وقنابل دخانية غازيّة كثيرة وكثيفة على الناس ترافق مع عمليات إنزال لجنود مزودين ببنادق وخوذات حديدية وأقنعة سود. وأكّد الدكتور هاني أنه وعلى الرغم من الهجوم البربري والهمجي الصهيوني على الآمنين العُزّل على متن السفينة لم يسمع أصواتاً أو صراخاً أو استغاثة… لم يسمع سوى كلمة “الله وأكبر”. مشيراً إلى أن إصابته المبكرة فوتت عليه تفاصيل كثيرة عن عمليات الإنزال والمواجهة. إلا أنه شاهد أجساداً اخترقها الرصاص فمنهم من قضى ومنهم من أصيب منتظراً من يسعف نزفه, كما شاهد المدافعين الأبطال من ركاب السفينة وهم يلقون ببعض الجنود إلى المياه أو وهم يلفّون السلاسل على رقابهم. ولم ينسَ الدكتور هاني أن يُسمعنا صدى الصرخة التي أطلقتها النائبة العربية في الكنيست “حنين الزعبي” التي كانت على متن السفينة إلى الجنود الصهاينة قائلة: “أوقفوا النار,معركتكم خاسرة”. مؤكداً أنه حين أدرك الصهاينة خسارتهم على الرغم من قوتهم الغاشمة “لجأوا إلى المزيد من القتل”. وروى أن ناشطاً تركياً استشهد بست رصاصات, ولم تتوقف عمليات القتل والتصفية, إلا بعد أن أطبق الجنود الصهاينة سيطرتهم وقبضتهم على السفينة بكاملها, بعد ذلك بدأوا بإحصاء “غلة اليوم” من القتلى والجرحى, كما أحب أن يطلق عليها الدكتور هاني بإشاره صريحة منه إلى همجيتهم ودمويتهم, حين قاموا بتقسيم ركاب السفينة إلى ثلاث مجموعات, الشهداء في أماكنهم, والناجين نقلوا إلى أعلى السفينة مكبلين ومعصوبي العيون, أما الجرحى وبعد مفاوضات مع حنين الزعبي والأطباء الأتراك, فقد تمّ نقلهم بالمروحية وفق درجة إصاباتهم إلى أن جاء دور الدكتور هاني, عندئذٍ وصف رحلته بالمروحية, التي شبهها بالجبانة المسيحية, نعوشها موضبة فوق بعض, كما وصف لحظة وصوله إلى مشفى مستعمرة “بتاح تكفا” وكان من بين الأطباء الذين عاينوه, طبيب عربي قام بتهنئته على العمل البطولي الذي قام به, وساعده على الاتصال بأسرته كي يطمئنها إلى سلامته. وعلى الرغم من معرفته أن قدمه اليسرى قد أصابها العطب إلا أن نجاته من الموت منحته الشعور بالحياة. كما أصرّ الدكتور هاني بعد التحقيق معه من قبل أحد الضباط الصهاينة أنه لن يتكلم إلا بوجود محام. وحين حضر المحامي فؤاد سلطان من “جمعية عدالة” في فلسطين لزيارته قال له: “مبروك لقد ربحتم الحرب…فشوارع العالم لم تهدأ منذ يومين غضباً واستنكاراً”. وعاد إلى لبنان عبر الناقورة… مع تمنياتي له بعودة ثالثة إلى فلسطين, وكم يكون الموقف عظيما لو شاركه كل العرب هذه العودة؟!

                                                         منى الشرافي تيم

الرجاء ترك تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s