النقد الأدبي في قبضة الصحافة

المعنى النقدي بحره واسع, وشروطه معقدة, وإتقانه غاية تتسع حدودها في فضاء التجربة والخبرة والكفاءة, والفكر يتجدد مع كل فجر جديد. والقلم هو ترجمان العقول والقلوب, بصيرته مواقف جديرة بالتأمّل, وقضاياه مسائل مهمة تخدم المجتمعات البشرية…إنّه يحمل أمانات الفكر والعاطفة والأمل, ويسجل المواقف والقرارات التي ستحسب علينا. ورسالة الأدب هي دعوة في سبيل تحقيق مستقبل مشرّف ومجتمع سليم؛ هي بحث عن استقرار الأوطان ونشر العدل, وبذر قيم الحقّ والجمال؛ هي حق الحريّة لكل إنسان, ولكنّها مسؤولية كبرى, فيها تحقيق للسيادة الحقيقية بعيدا عن الحقد والكراهية والفساد.
تشهد الرواية العربية اليوم انتشارا واسعاً في العالم العربي. والرواية الأكثر رواجا ومبيعاً هي تلك التي تحمل في طيات صفحاتها الرذيلة والجنس المبتذل والفضائح والشذوذ والسياسات المتطرفة. فالرواية إن لم تكن دعوة في سبيل تحقيق مستقبل مشرّف, ومجتمع سليم. يجب أن لا تكون وسيلة لتجاوز حدود المحرمات, وباباً من أبواب الرذيلة. وهنا يأتي دور الناقد الذي يحمل رسالة إصلاحية توجيهية تنير أنفاق الظلام أمام المتلقّي. في إضاءة على السلبية في سبيل الإيجابية, وإضاءة على الإيجابية لتكون حافزاً ومثالاً يقتدى به, وهذا ما نحن في مسيس الحاجة إليه – نحن العرب – في كل إقليم من بلادنا العربية, نتعرض اليوم إلى هجمات متلاحقة ظالمة شرسة, هدفها تهميشنا وتهشيمنا, والقضاء على تاريخنا, وإلغاء قيمنا الأخلاقية والاجتماعية..إنها حرب شعواء, بارودها نوويّ يذيب ويُفني, وهدفه مَحْو آخر ما تبقّى منا وجوداً وأثراً.
الحياة تحمل في طياتها الخير والشر, الجمال والقبح, وهذا ينطبق على عالم الكتابة والكتّاب, والنقد موضوع ذو إشكالية يحتاج إلى التعمق في النصوص في مناخ جدلي متناقض ما بين القوة والضعف أو تضارب الأحكام, وتداخل الغيرية والذاتية. والناقد لا يكون ناقدا إلا إذا كان ذا ثقافة واسعة, وذوقا أدبيا رفيعا, وحساً نقدياً متميّزاً. ولكن كيف يتحقق المعنى النقدي تحت رقابة الصحافة التي تفرض على الناقد لائحة من الممنوعات والمحظورات التي تكبّل العقل واللسان وتقيّد القلم. عمل الناقد هو التفسير والتأويل والكشف والتحليل والتقويم, كي يتم الكشف عن مواطن الجودة والرداءة في العمل الأدبي من أجل الحياة الأدبية وتطورها.
إن النقد فن قد يصل إلى مستوى الإبداع ويكشف أسرار الجمال والقبح, والناقد الحق أداته وفي خدمته. ولكن أن تحوّله الصحافة إلى مؤدٍّ أو ناقل أو مجرد قارئ يلخص العمل الأدبي دون أن يحق له الاعتراض أو التعبيرعن رأيه, وذلك لأسباب عديدة غير مقنعة, منها سياسة الإشراف الإعلامي والتوجه المحدد مسبقاً. الذي لا يريد أن يثير الجدل أو خلق عداوات مع الكاتب, وخصوصا إذا كان يتمتع بمكانة مرموقة في المجتمع. واعتراض الناقد على استخدام الكاتب للجنس الشائن وجعله محوراً أساسيا في الروايه لجذب القارئ واستمالته, لهو دليل على ضيق فكره, وعدم تقبّله للتطور الإبداعي وحرية التعبير, ورفضه الكشف عن خبايا المجتمعات العربية, وشواذها واضطراباتها وهذيانها. وهذا أمر غير محق وفيه ظلم يطال الناقد, فالناقد عمله أن يضيف إلى النص إبداعاً جديدا وهو يؤيد أحقية الإبداع وحرية التفكير التي تواكب الحضارة الإنسانية ويتفاعل مع الزمن الحديث والحيوية المتطورة, ويبحث في العمل الأدبي عن مكامن الإبداع والبناء الفني. ولكن إذا خلت الرواية من القيم الفنية والجمالية التي تحيي الكلمة والمعنى والبناء والعبارة, وحملت فكرأ هداماً, وخرجت عن هدفها الأصلي وأصبحت, مقصداً ترويجياً كوسيلة سريعة للشهرة, أو نقصاً في القدرة الإبداعية. فمن واجب الناقد أن يضيء هذا الجانب ويكشفه للقارئ. ومن واجب الصحافة أن تعطيه مساحة كافية للتعبير فإن حرية الكلمة هي المقدمة الأولى للديمقراطية, وبدونها تخيّم الغمائم السود على العقول فتخفي الإبداع والطموح.
فالنقد عندما يحاسب الأدب, لا يحاسبه للانتقام أو للتقليل من درجة الإبداع الأدبي. أو حظر حرية الكاتب في تناول الموضوعات التي تثير الجدل في مجتمعاتنا. على العكس تماما, فعمل الناقد هو إغناء النص الأدبي, حتى يصبح أكثر نضوجاً واكتمالاً. وأكبر دليل على ذلك ما أشار إليه أحمد الشايب في كتابه “أصول النقد الأدبي” ص 31 “والناقد الماهر يقدِّر البراعة الفنيّة في الأداء ولا يراها مصادفة طارئة, بل ثمرة الطبع الموهوب والذوق المصفّى”.

منى الشرافي تيّم

نُشِرت في عام | 2 تعليقان

مقطع مؤلم من رواية “مشاعر مهاجرة”: ثم بدأت بالكلام ولأول مرة منذ وقوع حادثة اغتصابها, التي دمّرت كيانها وحرمتها حلمها بالأمومة

شعرت ندين في تلك الهنيهة, بأنها قد حققت نصراً ساحقاً حين نفّذت لها ديانا رغبتها من دون أي اعتراض, إلا أن إحساسها بالنصر لم يدم طويلاً, وتلاشى حين طلبت ديانا من سهير أن تسمح لحسن بالدخول على الفور.
بهت لون ندين وجفلت عيناها, ثم انتصبت على قدميها وسألت بلهجة متلعثمة:
– وماذا يفعل حسن هنا يا ديانا في هذا الوقت؟
– حسن يودُّ مواجهتك, فهو يجزم أنك دمرت حياته العاطفية والزوجيّة؟
استقبلت ديانا حسن وعرّفته إلى فاضل, فتصاعد الغضب من رأس ندين, التي تمنت لو تنشقّ الأرض وتبتلع حسن وديانا إلى الأبد!
تقدّم حسن من ندين ومدّ لها يده للمصافحة, فعادت إلى الوراء واتكأت على الجدار, ثم حدجها بنظرة اشمئزاز سرت في شرايينها, فارتجف جسدها, ثم اقترب منها إلى درجة أشعرتها بأنفاسه الحارّة على وجهها, التي ينفث من خلالها سموم بغضه لها. فانسحبت, وقلبها يدق طبوله وبصوت مخنوق وخافت, فرجت فاضل أن ينفّذ رغبة ديانا بمغادرته العيادة شرط أن يعود بعد ساعة, فهي لا تريد من فاضل أن يتعرّف إلى جانب آخر من وجهها القبيح.
بعد أن رحل فاضل, عادت ندين إلى شخصيتها الوقحة, فقالت لحسن:
– ما الذي تريده مني؟ اذهب إلى زوجتك وولديك فهما بحاجة إلى رعايتك, لماذا تلاحقني؟ فقد رأت ديانا بأمّ عينيها تحرّشك بي!
ضحك حسن ضحكة اهتزّت لوقعها الساخر أرض العيادة وفضاؤها, ثم صمت فجأة, بعد أن احمرّت أذناه وتحولت عيناه إلى جمرتي نار ملتهبتين وقال:
– نعم ما رأته ديانا لا يشكّل واحداً في المائة مما تعرفه, فقد أخبرتها بالتفاصيل الدقيقة والفاضحة والمخزية التي حصلت بيننا!
كان الموقف صعباً لا يُشرح ولا يُفسّر, ولكن بهذه المواجهة قطعت ديانا مسافة شاسعة على راحلة علاجهما معاً, فوقفت ندين, والدموع تتقطّر من عينيها, وكأنها سلّمت أسلحتها وتوقفت سبل مقاومتها, فتوجّهت إلى الأريكة الحمراء وتمدّدت عليها… وديانا تراقبها عن كثب, وسط استغراب حسن الذي لم يعهد ذلك الجانب الضعيف من ندين, ثم بدأت بالكلام ولأول مرة منذ وقوع حادثة اغتصابها, التي دمّرت كيانها وحرمتها حلمها بالأمومة, فقد كانت قبل تلك الجريمة, فتاة حالمة تعشق ولادة الفجر من قلب الأفق, وتستمتع باستنشاق نسيم الصباح على الرغم من رائحة بارود الحرب الأهلية اللبنانيّة, التي كانَ لها أثرٌ تدميريٌّ في مستقبلِ أبنائِه، ولا يزالُ المجتمعُ يُعاني من جوانبها المأساويّة وويلاتِهِا إلى يومِنا هذا, فقد شَتَّتَتْ ويَتَّمَتْ وأَرْمَلَتْ, واستباحت أعراض البنات وقلبت نهارهن إلى ليل ظلامه دامس… قمره الشؤم ونجومه أشواك صدئة تنغرس في أنامل قلوبهن, فطال شتاؤهن, وخيّم على أجوائهنّ هدوء جليدي أجوف حائر ومتردد.
صمتت ندين لحظات بشقّ النَفْسِ والنَفَس, وجالت بنظرها الحزين المتألم بين عيني ديانا وبين عيني حسن, ثم قصّت عليهما كيف تناوب على استباحة جسدها البض, رجال تفوح من أفواههم روائح التبغ والكحول, وتفوح من أجسادهم روائح عفنة كريهة بطعم الموت والدمار والبارود والنار. فوصفت لهما تلك الأيام الرهيبة التي قضتها في جحر الجرذان القاتم, التي تمنّت فيها أن ينسلخ جلدها, وتفقد ذاكرتها, وتتلاشى كرماد النار بعد عاصفة هوجاء… تمنت الموت وعشقت فكرته, ولكن القدر الذي اختار لها هذا الطريق, لم يمنحها إلا البقاء في حضن الموت… في حضن القهر والغضب, خصوصاً بعد استئصال منبع الحياة من جسدها, فحوّلها إلى صحراء قاحلة, لا ينبت في داخلها إلا شجر العلقم, فماتت مشاعرها, وصمت قلبها, وتمنت الألم والتعاسة لكل من حولها, وخصوصاً أقرب الناس إليها, فرسمت في مخيلتها صور دمارهم وشقائهم وتعاستهم وأكثر من ذلك, بينما هي تقف وتتفرج عليهم وتضحك بملء حقدها وسوداوية ضميرها.
أما الرجال من حولها, فقد كانت ندين تتخيّلهم حيوانات برّية, يحركهم عقلهم الذي ينتصب بين أقدامهم عند رؤية أنثى, فيسهل عندئذٍ ترويضهم وتشكيلهم كما تشاء, وحين يدمنونها تلفظهم وتهدم عروشهم الوهمية, وكأنهم لم يكونوا, وبهذا الشكل تكون قد انتقمت منهم ومن فحولتهم, التي لا يتباهون إلا بها, ومن ثم يتحولون في نظر أنفسهم المريضة إلى ضحايا مكر حواء, متذرعين بإلقاء اللوم على المرأة اللعوب, التي أغوتهم وأوقعتهم في الخطيئة, فالزنا والعهر والانفلات الاجتماعي لا يرتبط إلا بعري المرأة وتكشّفها, الذي يجر وباله على الرجل المسكين, ويدفعه إلى ارتكاب الخطايا والمعاصي. هو يحق له الزواج مثنى وثلاث ورباع من غير مسوّغ, أو حتى الزواج من فتاة لم تتجاور العاشرة من عمرها, ويحلل لنفسه زواج المتعة والمسيار والمصطاف والعديد من المسمّيات التي تسمح له بإباحة فعل الزنا وتحليله. وكل هذا من حقه, فهو رجل مقهور!! تماماً كحال حسن الذي تحوّل إلى ضحيّة من ضحاياها, فهو مسكين بلا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم.
جفلت ديانا لسماع منطق أختها, ومأساتها مرويّة على لسانها, فهي أقسى بكثير مما تصوّرته أو سمعت به من والدها والناس, ثم شعرت بأوصالها تتقطع على أختها المسكينة, التي قلّبت صفحات ذاتها وألمها, ولم تفترِ على الزمان الشنيع, الذي لم ترَ منه إلا جانبه الوضيع المأساوي المظلم, وأيضاً لم تجد فيه من يساندها أو يقف إلى جانبها ويقوّيها, بل وقفت في مواجهة رياح المجتمع العتيّة, وتحمّلت صفعاته حين تناسوا أنها هي المجني عليها, وبدل أن يستردّوا لها حقها المهدور, ويحاسبوا الجناة على ما اقترفوه, دفنوا رؤوسهم في وُحول التقهقر والانهزاميّة والذل والعجز عن اتخاذ موقف, وتعاملوا معها على أساس أنها هي الجاني. ولاكت سمعتها ألسنة النساء اللواتي يدعين العفة وهن (…), وطمع في جسدها المفضوضة بكارته قضبان الرجال.

نُشِرت في عام | أضف تعليق

تعبت

تعبت
سمعتُها تئنُّ وتقولُ
تعبتُ… تعبتُ… تعبتُ
سألتُها: من ماذا؟
ولِمَ كلُّ هذا الألمِ
رمقتني بازدراءٍ وقالت:
أمرُكِ غريبٌ!
أنتِ أنثى في زمنِ الذّكورِ
وتسألين؟!
سخرتْ مني!
فطلبتُ منها المزيدَ
قالت:
لا تقولي تحرّرتُ
ولا تغرقي في أوهامِ المساواةِ
فأنتِ كيانٌ ناقصٌ
لهث على عتباتِ
إثباتِ الذاتِ
نعم…!
تعبتُ… تعبتُ…!
من أنانيةِ الزوجِ وتملّكُهُ
من حسدِ زميلٍ
استكثَرَ عليَّ رفعةَ المكانةِ واللقبِ
فَهْوَ يراني عدواً…
سلْبُتُه ما لا يستحقُّ
فأنا من سَهِرَ الليالي
حينَ كانَ في غِيِّهِ غافي
تعبتُ… تعبتُ… تعبتُ
من تحرُّشِ ربِّ العملِ وشَهْوتِهِ
فأنا لستُ جسدْ
أنا الروحُ والفكرُ والوَجْدُ
أنا المستقبلُ والأملُ
تعبتُ… تعبتُ!!
من رجلٍ يتباهى
بنقصِ عقلي وديني
وأنا أحقُّ والله بالتباهي
فهوَ يدري أنهُ منّي…
ومن رَحِمي خرج
اللَّهُ أوجَدني
وأنا أوجدتُ الرجلَ
وعيسى ابن مَريمَ
وهلْ هناكَ أعظمُ منْ هذا المثلِ؟!

نُشِرت في عام | 5 تعليقات

فلسفتي… غريبة في هذا الزمان!!

فلسفتي المختلفة تشبه ملامح رسمت خطوطها مشاعري ولوّنتها أحاسيسي، على الرغم من غرابتها في هذا الزمان.
فلسفتي هي ذلك الطور من “الحب” لا تهبُّ علينا رياحه إلا مرة هي من حساب العمر واحدة… نسيمها عليل لم نعرفه من قبل… فالحب حدث الهي قدري، يشبه وجودنا… يبدأ نطفة ثم يتحول إلى جنين… باكتماله، قد يخرج إلى الوجود… ثم ينمو ويكبر ويستمر… أو قد يتعرض إلى إجهاض قسري نتيجة علة أو إهمال… أو خوف وهروب…
فلسفتي تقول أن للحب قشور تحفظ اللب… جوفهما يحضن نواة، تبثّ وتبعث… حياة…
فلسفتي صوتها مبحوح… لا يسمعها إلا من يرنو إلى همس النبض والحس والشعور…
فلسفتي نظرتها ثاقبة ترى ما لا يُرى… ومن يسمعني أصفها… قد ينعتني بالسفه والجنون…
فلسفتي في الحب… فضاء لا تحكمه الأوقات ولا المسافات ويتعالى على المحسوسات…
فلسفتي في الحب… صعبة وقد تبدو للبعض مستحيلة… – نعم أعلم -… ولكنها تفوق الجمال…وتجسد الخيال… وتولّد الأحلام
فلسفتي في الحب أرض خصبة، أنبتت روحاً… احتوت في جوفها أريج جنين فاح حين أسْمَع نبضه… استعجلوا قطاف مغانمه، فأجهضوه…!!

نُشِرت في عام | 5 تعليقات

النجم الشارد

نظرت حولي فأرهبتني
الرؤيا
كوكبي نقطة ملتهبة
من ألمٍ وشجن
أقفلت جفوني
وركبتُ عنان مخيلتي
فمنحتني الريح من عصفها
أجنحة
وحلّقتُ بها ومعها
إلى حيث الكواكب
متناثرة
ورقصت حولها رقصة
مبتهلٍ
وشعري المتطاير بجنون
يحمل جسدي بانسجام
فسطع نور نجم متصاعد
مثلي
من عالمه شارد
بلمح البصر احتواني

نُشِرت في عام | 6 تعليقات

الحرف الحائر

الحرف الحائر
هي على الورق
كلمة…!
حدّها رأس سهم
يلتمع
يصوّبه معصم مزدان
بسوار لازردي
خيطها حريري يفصل
ما بين الحقيقة
وبين الوهم
عواصفها تصرخ لبروق الغيب
واستهتار الوعود
فهي رحلة لكلمة
تروي الحكاية
حرفها الأول
كالشهب يخطف الأبصار
حرفها الثاني
أصابه الذبول
وثالثها كان حائراً
فرسم نهاية لما يشبه
البدايات

نُشِرت في عام | أضف تعليق

ما أكثرها وما أقساها ذكريات الفلسطيني على أراضيه وفي شتاته!!

ما أكثرها وما أقساها ذكريات الفلسطيني على أراضيه وفي شتاته… من نكبة، إلى نكسة، ثم انتفاضة، ويوم أرض. كلها ذكريات مع التهجير والهدم والعزل والحصار والاعتقال والكثير الكثير من المجازر وسفك الدماء.

نُشِرت في عام | تعليق واحد

مسرح الذكريات

التقيْتُكَ على مَسْرحِ الذكرياتِ
صُدْفَةً
تَقَمْصّتُكَ ملِكاً زها بِطَلعَتِه
فَرَمَقْتَنِي بشهبِ عينيكَ سِحْراَ
دَغْدَغَ ذاتي
هامتْ بكَ روحي وَحَلّقَتْ
فَوَصَلْتُكَ على بِساطِ الأثيرِ
وعلى أهدابِ قَلْبِكَ توّجْتَنِي
فَعَزَفَتْنِي قيثارَتُكَ
لحنَ الأنوثةِ
وأسمعْتَنِي قصيدةَ حورِ العِيْنِ
فارتديتُ لك الّشفَقَ مُطَرّزاً بالنجومِ
والدُّرَرِ حِلىً لِجِيْدي ومِعْصَمِي
تلاشَتْ الحروفُ والمعاني
حينَ صوّرتُكَ في ذاكِرَتي
نبياً غيْرَ البشرِ
أسطورةٌ تَتَغَنّى بِهَا النساءُ حُلماً بَعيدَ المنالِ
نِداءاتٌ غامِضَةٌ فتيّةٌ مِنْ ظِلالِ الخيالِ
لا يُخْضِعُهَا سُلطانُ
يَنْسَدِلُ سِتَارُ المَسْرَحِ
وتَبْقَى رُوْحِي وذاكِرَتِي مَعَكَ
على الأُنسِ والوِفَاقِ
ومَوْعِدُنَا معاً غداً على مَسْرَحِ الذكرياتِ

نُشِرت في عام | 4 تعليقات

زمان العصيان

تنقبض الطرقات الملساء
وتضيق
بأحذية من تطأها
تقارع نفوس مرتديها
في تصلبها
وباتت أرواحهم ثقيلة
مهمومة لم يسعفها هروبها
إلى الظلام
فانقضّت بأنياب الكراهية
مقيدة بالهم والغمّ
ومسجونة بمشاعر البغض
على أب وأم وأخ وأخت
فكيف بها على الغريب؟
تلوك ألسنتها الخبايا
من قيل وقال
عرّوا الشمس وشككوا بنورها
وألبسوا القمر عباءات العار
وقيدوا مهج النجاح
ببعض سوادهم
وكللوا أصحابها بأرخص
الأثمان
واستعذبوا نفث الملح في
الجروح
وكأن ألسنة كعوب أحذيتهم
طهّرتهم من دون الناس

نُشِرت في عام | 4 تعليقات

فنون هذا الزمان… من المنحدر إلى القاع

الفن على تنوع مجالاته واختلاف أشكاله، هو مقوّم أساسي وفعّال من مقومات الحياة المشرقة، لما يحمله من أبعاد فنيّة عميقة، تصوّر الجمال وتعبر عنه، من خلال اعتماده عمليات الخلق والابتكار، لتحفيز الإبداع، وتهذيب النفس، وتنمية الذوق، وترجمة الأحاسيس والمشاعر، التي تسمو بالنفس الإنسانية، للارتقاء بالأخلاق والمجتمعات والأمم, وتلطيف قسوة الواقع.
لا بد لنا من الاعتراف، أن النظرة إلى الفن، هي نظرة نسبية، من الصعب تحديدها أو تعريفها, لأنها تعتمد على الأذواق، التي تحركها العواطف, إلا أن الرؤية المثالية للفن، تتمثل في كونه موهبة حيّة، ومقدرة إبداعية انفعالية، ومهارة فردية، تتأثر بذاتيتها، وكل ما يدور حولها، ويميزها امتزاجها بالخيال الثائر المجنّح. ويكون هدف الفنان سواء عن طريق اللغة والتعبير، الشكل واللون، الحركة والإيماء، الصوت واللحن، الوصول إلى ابتكار أعمال فريدة، ذات قيمة فنية عالية.
إن الخوض في غمار الفنون الحديثة، أمر شائك ومحير، ولن يكتمل مهما حاولنا، لأننا بحاجة إلى التوغل في هويته, التي انحرفت عن مسارها في خضم الإيقاع السريع، والكسب المادي والتجاري, والسعي المحموم إلى الشهرة. ومهّد إلى كل ذلك غزو مفاهيم تجديدية، شوّهتها جدليات الحداثة وما بعد الحداثة، التي تجاوزت مفهومها الحقيقي كفكر يسعى إلى إحداث تغيير اجتماعي وفكري وفني، يهدف إلى تحطيم القيود التقليدية لما قبل الحداثة، التي حددت للفنون أطراً ومعايير, فكبتت الفنانين وحجّمت طاقاتهم الإبداعية. إلا أنها نحت اليوم منحى الانحدار والابتذال ومسخ الجمال، بالإضافة إلى التنازل عن القيم، وتدني الأخلاق وتراجع الثقافة. وكل ذلك تحت شعار “الفن للفن”.
إننا اليوم نعيش عصر فوضى الفنون, فالموسيقى تحولت إلى زمر وطبل وإيقاع صاخب, يصاحبه غناء، يعتمد الكلمات السطحية, تنفّذّها مغنيات يستعنّ بأجسادهن المثيرة… لا بحناجرهن!… أما الدراما، فقد أصبحنا رهائن المسلسلات التركية، التي اجتاحت بيوتنا وعواطفنا، وسمّرتنا ساعات طوال أمام شاشات التلفزة، على الرغم من افتقارها إلى الموضوعات، التي تناقش مشكلات مجتمعاتنا, وكأنها وسيلة للهروب من الواقع، أو الفرار من الدراما العربية، التي فشلت في تقديم مسلسلات هادفة في قالب مشوّق وجذاب، واستمرارها في اعتماد المواضيع المكررة، والصراخ، والنواح، أو التهريج… وبالنسبة إلى الفنون التشكيلية، فقد غلب عليها غياب الرؤية، وطغت عليها الفوضى والعبثية والغموض والمساحات اللونية، أو تقليد ونسخ الأعمال العالمية، وذلك بسبب غياب العراقة عن أذهان دخلاء الفن والمحتالين عليه… أما في مجال الأدب, فحدّث ولا حرج، فالأعمال الأدبية الأكثر رواجا، هي تلك التي تحمل في طيات صفحاتها الرذيلة والجنس والفضائح والشذوذ والتطرف.
إن مضمون هذا المقال ليس للتعميم، فالأصالة الراقية في الفن باقية في قلوب أهلها ومتذوقيها. ولكنه لتسليط الضوء على الفنون الرائجة والمنتشرة. لذلك نحن في أشد الحاجة إلى رقابة ذاتية ترقى بنا، لنميز بين الغث وبين السمين.
منى الشرافي تيم

نُشِرت في عام | 2 تعليقان