هوس

هوس
تمكنت الكاتبة الكويتية رانيا السعد في روايتها “هوس” الصادرة عن الدار العربية للعلوم ناشرون, من التوغل في بواطن العقل الإنساني, وذلك من خلال تصوير الصراع النفسي, الذي يتمثل في غلبة الشعور بالنقص والدونية وما يترتب عليهما من عواقب. كما حرصت من خلال “سلوى السوسي” الشخصية الرئيسية في الرواية إضاءة الأسباب والدوافع المتعددة, التي من شأنها أن تجعل الإنسان غير سوي في علاقته بنفسه وعلاقته بالآخرين, فيقع فريسة الاضطراب الذهني, مما يتسبب في تشتت أفكاره واختلال توازنه واضطراب رؤيته, فينتقل من فكرة إلى فكرة ومن موقف إلى آخر دون تمييز أو تقدير, وكل ذلك في دائرة مفرغة من الوهم بعيداً عن الحقيقة والصواب.
حاكت الكاتبة في روايتها “هوس” من خيوط المعاناة والألم شبكة معقدة من فوضى المشاعر وضجيج الفكر وضياع الهوية, خاضتها سلوى من خلال ذهنية امرأة تسطّح تفكيرها واضطرب تكوينها النفسي, فتمسكت بغايات وهمية أوصلتها إلى اتباع سلوكية خاصة تمثلت في رغبتها المستمرة في التحدي وعدم المبالاة والإثبات الخاطئ للذات, وكل هذا بسبب حرمانها من رعاية أسرية سويّة ونشأتها في بيت مهزوز ومفكك, ترعرت فيه مع عبارات التصغير والتحقير, مما جعلها تواجه شعوراً دائماً بأنها منبوذة ولا قيمة لها وغير مرغوب بها, بالإضافة إلى عقدتها الأكبر, في كونها متواضعة الجمال. وتظهر هذه العقدة جلية في معظم محطات الرواية, ومنها على سبيل المثال حين تصف نفسها: “عظامي البارزة وطولي الملفت ليستا مشكلتيّ الوحيدتين بل إن الشعر الذي يغزو جسمي هو ما يؤرقني”.
فرّت سلوى من عقدها النفسية وجسدها غير المؤنث كما تقول, نحو إثبات ذاتها بالمباهاة المادية والاستعراضية حين قررت أن تكافئ عقاب, الشاب الوحيد الذي تودد إليها في النادي مما عزز شعورها بالأنوثة وجعلها تشعر بأنها مرغوبة كباقي البنات, بأن تهديه في عيد ميلاده ساعة “رولكس” بسعر 500 دينار في زمن كان متوسط راتب الأسرة فيه لا يتعدى 400 دينار. فلم تكن تملك وسيلة أخرى لتقدير الآخرين أو تحقيرهم بغير المال. إلا أن سفر عقاب المفاجئ للدراسة في أمريكا دون أن يودعها أفقدها حمايتها الوهمية أمام رواد النادي, الذين كانوا يسخرون منها كلما سنحت لهم الفرصة. ومن عبارات السخرية التي كانت تتلقاها سلوى في النادي: “يبدو أنك لم تتطوري إنسانياً وبقيت أقرب للشامبانزي بذراعين تتدليان للركبتين ينقصك بعض الموز”. كما حرصت الكاتبة على رسم معالم الانفلات والتحرر الاجتماعي التي تسود النوادي في بلد يتسم بالمحافظة.
برعت الكاتبة في تصوير الهروب النفسي القسري من الذات والمحيط والواقع, الذي تمكّن من سلوى وسيطر على تصرفاتها, فكل شيء من حولها يدفعها إلى هذا النوع من الهروب الذي استوطنها, بسبب فقدانها الحب والحنان داخل أسرتها؛ إذ لم يكن بين أفرادها أي نوع من الحميمية كالتلامس والاحتضان أو التقبيل, فوالدها رجل شرس, وبذيء اللسان, وسيّء السمعة, وتكثر الأقاويل والشكوك حول مصادر ثروته . وأمها التي يُهينها والدها بمناسبة أو غير مناسبة, ولا يفتأ يعيّرها بفقر أسرتها ويطلق على والدها لقب “الحافي”, وعلى الرغم من ذلك فهي تعيش ذلاً مستتراً تغطيه بالألماس والسيارة الفارهة. أما أختاها سناء ونهاد, فهما تعيشان مع زوجيهما حياة اشتراها لهما والدهما بماله وبصناديق الويسكي, وقد ورثتا عنه بذاءة اللسان. والجانب الإيجابي الوحيد في حياة سلوى, كان يتمثل في أجواء صديقتها لمياء وأسرتها المتماسكة, التي تتميز علاقة أفرادها بالمحبة والحنان والألفة والاحترام, وكل هذا حيّرها مما جعلها تتساءل: “بيت لمياء فتح عيني في سن مبكرة على أن هناك خللاً عظيماً إما في منزلنا أو منزلهم”.
وشكّل حادث السير الذي تعرضت له سلوى وأُدخلت على إثره المستشفى, نقطة التحول الأكثر سلبية في حياتها, مما عزز لديها الإحساس بعدم اكتراث أسرتها لما حلّ بها؛ فأختها نهاد زارتها في المستشفى وكان جلّ اهتمامها السيارة التي تحطمت بسبب الحادث, ونقلت إليها أعذار أفراد الأسرة وأسباب تأخرهم عن زيارتها, وذلك أن أختها سناء سافرت مع زوجها عارف خوفاً عليه من عشيقته سوسن. وأمها ستزورها في الليل لأنها مدعوة على غداء مهم عند منيرة على شرف أميرات خليجيات. كل هذا سرّب إلى نفس سلوى الشعور بعبثية حياتها وأن موتها لا يعني أحد. وفي غمرة أفكارها السوداء, زارتها نهى زميلتها في الجامعة, التي ترتدي حجاباً أبيض, وهي من ناشطات القائمة الائتلافية في الجامعة. وتحينت نهى الفرصة لدعوتها إلى الحجاب, وحين شعرت سلوى أن أسرتها ترفض فكرة الحجاب تمسكت به تحدّياً لهم فقط لإزعاجهم, على الرغم من عدم اقتناعها به. وكانت أيام الحجاب الأولى مرحلة جميلة من حياتها, حيث شعرت بالحب والحنان والرعاية التي أحاطتها بها الأخوات.
سلكت الكاتبة مسلكاً نقدياً مبطناً للسياسة وتداخلها مع الدين, فتاهت معالم الدين وتعاليمه في فوضى المصالح, فزوجت فارس الشاب الوسيم الملتزم دينياً, والذي ينتمي إلى الجماعة الإسلامية من سلوى. ولكن التزام فارس لم يدم طويلاً مما وسّع الهوّة بينه وبين زوجته, التي كانت قد أنجبت منه طفلتين. وانتهى زواجهما بطلب من سلوى بعد أن قرأت قصيدة له ينتقد فيها الشَعر الذي كان يغزو أطرافها ووجهها فعبّرت عن كل ما جال في كيانها في تلك اللحظة: “جلستُ على أرض المكتب ووضعت رأسي بين ركبتيّ وبكيت كما لم أبك طوال سنواتي الخمسة والثلاثين, بكيت كل شيء بكيت بيت أهلي الذي لم أشعر فيه يوماً بالراحة, بكيت فقدان الحنان, بكيت جسدي غير المؤنث بالدرجة الكافية, بكيت الشَعر اللعين الذي يغطيني ويعيبني…”.
وبعد حصولها على الطلاق الذي ندمت على طلبه, شنّت سلوى حربها الضروس على طليقها فارس الذي تزوج من امرأة هي التي أسهمت في صنعها, مما أدخلها في حالة مستعصية من الهوس المرضي القهري, فرفعت على فارس الدعاوى في المحاكم, كي تنغص عليه فرحته بعروسه الشابة الفاتنة يارا, التي وقع في حبها. فأهملت تربية ابنتيها وجعلتهما أداة لابتزاز والدهما, كما عاشت أيامها على أمل استرجاع فارس. وللوصول إلى مبتغاها دخلت مع يارا في منافسة وهمية من جانب واحد, وذلك من خلال تجنيد ابنتيها لنقل أخبارها, ودفع الأموال للخدم الذين يعملون في بيتها للتجسس عليها وتصوير خزانات ثيابها. وأصبحت تلاحقها مثل ظلّها في كل مكان تتوجه إليه أو تتواجد فيه. واضطرابها وهوسها القهري جعلها تطلب الزواج من المحامي آدم, وسخّرت كل إمكانياتها المالية لتحقيق ما كانت تصبو إليه, ولم يكن ما تصبو إليه إلا أوهاماً لم يكن لها وجود إلا في ذهنها….!!
نجحت الكاتبة في توظيف خيالها الروائي لصياغة أنموذج مرضي وحالة مجتمعية واقعية الطرح والمضمون, لأنها أشاحت اللثام عن العقد النفسية, التي تتأصل في النفس الإنسانية منذ الطفولة وتنمو معها, والتي من شأنها أن تصوغ الشخصية المضطربة. وكل ما سبق يؤسس لبيئة غير سوية تفصل الإنسان عن ذاته, فتبقى طاقاته دفينة لا يمكن استثمارها, فيفقد بذلك مقدرته على الاتصال السوي بالآخرين والتأثير فيهم.
منى الشرافي تيم

نُشِرت في عام | أضف تعليق

عناق الصّخور

اتّجهتُ بشوقٍ إلى البحرِ أبثُّهُ أحاسيسي
تأملتُ تموجاتِهِ الساحرةَ
تعانق الصخورَ على الشاطىءِ
وتعودُ أدراجَها
متسارعةً متناغمةً
لتجلُبَ معها رفيقاتِها من الموجاتِ الناعماتِ
فيلينُ لعناقِها تحجُّرُ الصّخورِ
ابتسَمْتُ لها…
وفي صدري ضيقٌ
فلوّحت لي بشاراتِ الرّضى
فهرولتُ داخلَ أعماقي
شهيقا وزفيرا
فأمطرَ جبيني
زخاتٍ…
من ندى أحزاني
مسحتُها بمنديلٍ طالما ناجاني
أن حرريني
فبأحزانِكِ أثقلتِني
لبّيتُ نداءَهُ
فأطلقتُهُ إلى حِضْنِ مَوْجاتي
فاستقبَلَتْهُ بفرحٍ
ففيه شيءٌ من ذاتي
وعدتُ ولكن!!
ليس كما خرجت

نُشِرت في عام | أضف تعليق

نحن شعوب … تعشق ضرب السياط !!

نحن شعوب تعشق ضرب السياط – ولكن الحق يجب أن يقال –
حين مللنا وانتفضنا على تلك السياط التي وشمت أجسادنا وتفكيرنا وثقافتنا وطأطأت رؤوسنا دهورا … استحضرنا بأيدنا وبملء إرادتنا سياطا جديدة ولكن هذه المرة (سينيه) ماركة مميزة… ثمنها مستقبل أجيال ستجلد بالسياط….
نحن شعوب القهر… والانهزامية والخوف والرضوخ والفاقة والفقر… وكل هذا قبلناه
نحن شعوب ثارت وانتفضت وأسقطت أنظمة تحجرت على عروشها… وحين مُنحنا الخيار… توأمنا ما أسقطناه من أجل حفنة قروش تغني فقط عن لحظة جوع… ستفرغ بعدها البطون دهرا آخر!!

ونحن شعوب نرى الدماء تراق والأشلاء تتناثر… ونجدنا نسب ونلعن… ثم ننسى بسرعة…

نحن شعوب… ببساطة… لا نستحق إلا ضرب السياط فهي لا تليق إلا بنا!!

نُشِرت في عام | تعليق واحد

أهناك من سامع… أم هنا من مجيب؟!

أهناك من سامع… أم هنا من مجيب؟!
ما هو العمر، وما هي الولادة؟ ما هو الموت، وما هي الحياة؟ ما هو القدر، وما هي السعادة؟ ما هو النجاح، ومن أين يبدأ الفشل؟ ما هي الخطيئة، وأين مكانها في الضمير؟ ما هي الحقيقة، وأين نبحث عنها؟ والأهم من كل ذلك، والمواجهة الحقيقية هي: ماذا نريد…؟ أهو وصول في ذهن النائم، أم انطلاق في ثوب الهبوط؟
أسئلة كثيرة تسكننا وعبثا نبحث لها عن أجوبة، تتحدانا السنون، وتقطف منا بإصرار براعم ربيعنا قبل أن ترى التفتح، ودون شعور منا نمكن يدها، وندعها تعبث في دواخلنا، لتشعل شيب العمر في شراييننا وتتمدد في قنواتنا، نظن في ترهات أفكارنا أننا نقاوم، نظن في أكثر لحظاتنا استسلاماً وضعفاً أننا أقوياء. نظن.. ونظن… وما أكثر ما نظن!!
ربما تكون الحقيقة الوحيدة في حياتنا هي الموت، وهي حقيقة نعجز عن مداراتها أو مواربتها أو التحايل عليها، كما اعتدنا أن نفعل في كل أمور حياتنا، فتصدمنا! ولكن سرعان ما نتقبلها، وسرعان ما ننسى، فقد وُلد الإنسان من رحم نسيان مغلفٍ بحفنة ذكريات متناثرة هنا أو هناك. نحيا الذكرى حين نستحضر في وقت الهروب خيالاتها. وبإرادتنا المهزومة الخائفة، ندَعُ لحظات من سعادة حقيقية قد تأتينا على غفلة منا وعلى غير موعد، فنراقبها باستسلام تتسلق فروع التلاشي، وتتبخر من بين أيدينا بينما نحن نُقلِّبُها، كي نتأكد إن كانت حقيقة أو وهم؟! ثم سرعان ما نندم على ما فاتنا، ونعود لنتمنى حدوثه من جديد، على وعد منا أننا سوف نتصرف بأسلوب جديد، ولكن وعودنا لأنفسنا، ما هي إلا وعود قابلة فقط للتأجيل، وما أبعدها عن التنفيذ.
أما الألم فقد علّمنا كيف يعلّم فينا، كالوشم بحرفية محترف! ولكنه ترك لنا الباب موارباً حين منحنا خيار استبدال لامه بميمه، عندها فقط سوف يتحول ويسمو بمعنى الأمل، وربما يتسرب رذاذه الندي إلى أجواء حُبلى بضوضاءِ نفوس اقتطفت نطفتها من منيِّ القهر، فتتمكن من اجهاضها، محذرة من يوم يكون مخاضه عسيرا، فتلد في زمانه ومكانه زخات غاضبة، قد تروي من نوعها، وما ينضحُ عنها، قلوباً جففها العطش، فتنبت شوكاً، وتشقُّ وعراً، لتبقى اللام متصدرة على عرشها وعلى يسارها تقطن الميم.
والحياة مصطلح لا يمكن تعريفه، والولادة في فضائها حدث قد يفرحنا، وقد يحزننا!! على حسب جنس المولود الذي ننتظره. فتنمو المواليد في بيئات وظروف وأشكال وألوان مختلفة، ولكن ما قد يجمعها هو أنها مسيّرة لا مخيرة، فهي تتشرب ما نسقيها إياه، فلو أن المرايا تُظهر ما في دواخلنا إن وقفنا نحن وأولادنا ننظر إلى أنفسنا من خلالها، لوجدنا توأمة في الشكل والخَلق والخُلق والملمح، وحين يخطئ أولادنا، نجدنا تتعالى صرخاتنا، وتتزايد اعتراضاتنا، وتنمو نقماتنا، فنُصدر عليهم أحكام الويل والثبور، ونحملهم أوزارنا وضياع أعمارنا، ونطالبهم بدفع كل الأثمان. هنا علينا أن نتوقف!! لنعيد حساباتنا، ونتصالح مع ذواتنا، وننثر الطِيب، ونبذر الطَيّب، كي تقرّ أعيننا حين تكبر تلك المواليد البريئة، التي فرحنا واحتفينا بلحظات مولدها، ونسلمها ألويتنا وشعاراتنا.
ولأن الإجابة عن كل الأسئلة التي طرحتها في مطلع مقالتي غاية صعبة، سأحاول وضع رؤية للخطيئة، لأن معنى الخطيئة لا يغطي فقط فعل الزنا والقتل والسرقة… فهذه الخطايا مكانها في السجون ووراء القضبان بأحكام القضاة، ولكنها بمعناها الأخطر تغطي الأخلاق، تلك الأخلاق التي لا يمكن أن تتم محاسبتها فعلياً إلا من خلال الضمير، فإما أن يحيا وتحيا فيه، وإما أن يموت وتُدفن فيه. أما أكثر الخطايا أذىً، فهي التي تنمو داخل النفس فتتآكلها وتحيى على فتات الحسد والكره، وتنمو مع مشاعر الشر والأذى للآخرين، وتصبح كالنار التي تأكل نفسها، وكل ذلك من خلال تصويب سهامهم على الناس، في محاولة لتقليل شأن من لهم شأن، أو استحقارهم، والاستهزاء بنجاحاتهم، والاستهانة بإنجازاتهم، فهم بذلك وكأنهم يحاولون في يوم صيفي بديع أن يغطوا وجه الشمس!!
وأخيراً… وباسم الحب، الذي إن نما في دواخلنا، وباسم الأمل الذي إن سما في كينوناتنا، سنترفّع لنرتفع، ونحب الخير لغيرنا، كي يحبه الله لنا… وبعد كل هذا أعود وأقول: “أهناك من سامع… أم هنا من مجيب؟!”

منى الشرافي تيم

نُشِرت في عام | 6 تعليقات

تعبت … تعبت … تعبت!!

تعبت
سمعتُها تئنُّ وتقولُ
تعبتُ… تعبتُ… تعبتُ
سألتُها: من ماذا؟
ولِمَ كلُّ هذا الألمِ
رمقتني بازدراءٍ وقالت:
أمرُكِ غريبٌ!
أنتِ أنثى في زمنِ الذّكورِ
وتسألين؟!
سخرتْ مني!
فطلبتُ منها المزيدَ
قالت:
لا تقولي تحرّرتُ
ولا تغرقي في أوهامِ المساواةِ
فأنتِ كيانٌ ناقصٌ
لهث على عتباتِ
إثباتِ الذاتِ
نعم…!
تعبتُ… تعبتُ…!
من أنانيةِ الزوجِ وتملّكُهُ
من حسدِ زميلٍ
استكثَرَ عليَّ رفعةَ المكانةِ واللقبِ
فَهْوَ يراني عدواً…
سلْبُتُه ما لا يستحقُّ
فأنا من سَهِرَ الليالي
حينَ كانَ في غِيِّهِ غافي
تعبتُ… تعبتُ… تعبتُ
من تحرُّشِ ربِّ العملِ وشَهْوتِهِ
فأنا لستُ جسدْ
أنا الروحُ والفكرُ والوَجْدُ
أنا المستقبلُ والأملُ
تعبتُ… تعبتُ!!
من رجلٍ يتباهى
بنقصِ عقلي وديني
وأنا أحقُّ والله بالتباهي
فهوَ يدري أنهُ منّي…
ومن رَحِمي خرج
اللَّهُ أوجَدني
وأنا أوجدتُ الرجلَ
وعيسى ابن مَريمَ
وهلْ هناكَ أعظمُ منْ هذا المثلِ؟!

نُشِرت في عام | 2 تعليقان

أبعاد الرؤية في “العربيزي والجدة وردة” لمنى الشرافي تيم

اليوم في جريدة النهار اللبنانية بقلم الأستاذ “فوزي القطبا” قراءة في روايتي “العربيزي والجدة وردة”

منى الشرافي تيم (سيرة ذاتية)

نُشِرت في عام | أضف تعليق

في ندوة اليوم العالمي للكتاب

نُشِرت في عام | أضف تعليق

تكريمي من قبل مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي

تكريمي من قبل مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي

نُشِرت في عام | تعليق واحد

كلمتي في ندوة يوم الكتاب العالمي

كلمتي في ندوة يوم الكتاب العالمي

نُشِرت في عام | تعليق واحد

“إيقاظ الطفولة داخل طفل العصر (لراشد)

إن موضوعَ الكتابةِ للطفل، هو موضوعٌ شائكٌ متفلّتٌ من إمكانيةِ الإحاطةِ به من جوانبهِ المتعددة، وسُبلهِ الواسعة، كما هي الطفولةُ تماماً، متقلبةٌ، متغيرةٌ، وغيرُ متوقعة. والكاتبُ للأطفال، في مختلفِ مراحلِهم العمرية، والعقليةِ والذهنية، والبيئية، والتعليمية، بحاجةٍ إلى أن يكونَ في أعماقه، طفلاً، وطبيباً نفسياً، ثم أديباً يجيدُ فنَّ الكلام، كي يتمكنَ من سبرِ أغوارِ تلك العقولِ الصغيرةِ الحائرةِ والمحيِّرة، وتلبيةِ جميعِ مناحيها، بالإضافةِ إلى الوقوفِ عند تطلعاتِها وتوقعاتِها، ومواهبِها واهتماماتِها، وتبايناتِها، وقدراتِها، ومقدراتِها، والأهمُّ من ذلك كلِّه، هو التكلمُ بلغتِها، هذه اللغةِ الجامعة، التي تذوبُ عندها كلُّ الاختلافاتِ والخلافات.
محورُ الكتابة للطفل
لذلك، سأتناولُ محورَ الكتابةِ للطفلِ في الوطنِ العربي، من خلالِ بعدينِ رئيسيّين هما:
البعدُ النظريُّ في مزاوجةٍ مَرِنة، بالبعد التطبيقي العمليّ على روايةِ “العربيزي والجدة وردة”.
ولكن قبلَ الولوجِ في دراسةِ البعدين النظريِّ والتطبيقيِّ للكتابةِ للطفل، علينا الاطلاعُ على ثلاثةِ محاورَ أساسيةٍ، لتتسنّى لنا عمليةُ الفهمِ والتقويم:
المحورُ الأول: مفهومُها، نشأتُها وتطوّرُها.
مفهومُها:
إن تحديدَ مفهومِ الكتابةِ للطفلِ أمرٌ بعيدُ المنال، ولكن ما قد لا نختلفُ عليه، أو يُشتبهُ علينا، هو مدى أهميتِها وتأثيرِها، فالكتابةُ للطفلِ وخصوصاً الفنيّة منها يجب أن تكونَ متحررة من المعقولِ والمنطقِ في جموحِ خيالِها، تعتمدُ على الحدسِ الغامضِ وشحنِ المشاعر. وهي بشكلٍ عام وسيلةٌ أساسيةٌ تعليمية، وإبداعيّة، على جانبٍ كبيرٍ من الحساسيةِ والخطورة، فهي تُسهِمُ بشكلٍ مباشر، أو غيرِ مباشر، في تنميةِ الطفولة، وتأسيسِ بنائِها، وتحديدِ شخصيتِها سلباَ أو إيجاباً، وبالتالي، تتكونُ صورةُ المجتمعِ الناتجِ عنها وتتشكل، وهي بذلك، كأنها عمليةُ خلقٍ بشريٍّ جديدٍ على هيئةِ ما نقدمُه لها، ونوعٌ من إعادةِ التأهيلِ والتكوين، وبالتالي، فهي مسؤوليتُنَا، وعلى عاتقِنا وحدَنا تقعُ نتائجُها.
نشأتُها وتطورُها:
بدأ الاهتمامُ بالكتابةِ للطفلِ في القرن السابعَ عشرَ في فرنسا، على يدِ الشاعرِ الفرنسيِّ “تشارلز بيرو” الذي كتبَ تحتَ اسمٍ مستعار، مجموعةَ قصصٍ بعنوان: “حكايات أمي الإوزّة”، وحين نالتْ نجاحاً لم يتوقَّعْهُ، تشجّعَ وكتبَ مجموعةً قصصيةً أخرى بعنوان: “أقاصيص وحكايات الماضي” ولكنْ تحتَ اسمِهِ الحقيقيِّ هذه المرّة؛ ثمَّ حذتْ إنجلترا حُذوَ فرنسا في الكتابةِ للطفل، حينَ ترجمتِ القصصَ الفرنسيةَ إلى اللغةِ الإنجليزية، إلى أن جاءَ “جون نيوبري” الذي يُعتبرُ الأبَ الحقيقيَّ لأدبِ الأطفالِ في إنجلترا، حين أسّسَ أولَ مكتبةِ أطفالٍ في العالم، ثم شجّعَ الكتّابَ أن يؤلفوا كتباً تناسبُ الأطفال، وتراعي مراحلَ نموّهِمُ الذهنيِّ والعقلي. ومن القصصِ الشهيرةِ التي ألّفَها: “روبنسون كروز”، و “رحلات جيلفر”.
انتقالُها إلى الدول الغربيّة:
ومن ثَمَّ انتقلت هذه القصص إلى عددٍ من الدولِ الغربيّة، التي تنوعتْ مواضيعُها؛ فمنها من اعتمدَ الخرافةَ والأسطورةَ كألمانيا، ومنها من اعتمدَ الكتابةَ عن الجنّياتِ والأشباحِ كالدانمرك، ومنها من كتب قصصَ المغامراتِ والحيواناتِ كأمريكا، التي اشتُهِرتْ فيما بعد، بتعدّدِ المطابعِ ودورِ النشرِ المتخصصة للأطفال.
ظهورُها عند العرب
لا بدَّ هنا من الإشارةِ إلى تأخرِ ظهورُ الكتابةِ للطفلِ العربيِّ حتى القسمِ الأولِ من القرنِ العشرين، حين تمَّ تعريبُ الكثيرِ من المؤلفاتِ الأوروبيةِ والأمريكية، التي بدأت في مصرَ على يد رفاعة الطهطاوي. وأولُ من كتبَ للأطفالِ باللغةِ العربيةِ شعراً، وجاءت على ألسنةِ الحيواناتِ والطيور، هو أحمد شوقي، في قصّةِ “الثعلب والديك” ومن ثَمَّ بدأ اهتمامُ الدولِ العربيةِ الأخرى بالكتابةِ للطفل.
المحورُ الثاني: الاطّلاعُ على التغيراتِ التي أحدثَها التطوّرُ التكنولوجيُّ في الكتابةِ للطفل العربيّ، وإن كانتْ قد تمكّنتْ من اللِّحاق برَكبِهِ وانفتاحِه سلباً أو إيجاباً.
للأسف، أنا لا أمتلكُ اليوم شروحاً شافيةٌ لهذا المحور من الكتابةِ للطفلِ العربي، وكلُّ ما أستطيعُ تقديمَهُ اليوم، هو سؤالان جوهريان يجبُ علينا طرحَهما بقوة، ومحاولة إجراءِ البحوثِ اللازمةِ عليهما، والسعي لإنتاج كتاباتٍ إبداعيّة، تراعي خصوصيتَنا، كي نتمكنَ من الإجابةِ عنهما.
السؤال الأول:
هل وصلتِ الكتابةُ للطفل العربيِّ الناضجِ معلوماتياً وتكنولوجياً، إلى مرحلةِ النُّضوج؟
السؤال الثاني:
هل تبلورَ لدينا أساساً، أدبٌ حقيقيٌ للطفل، كي ندّعيَ أنه تقاعسَ أمامَ التقدّم، أو أنه قد تماشى أو لم يتماشَ مع رياح التطوّر؟
يجب أن نسعى معاً إلى تكثيفِ الجهودِ لإجابةِ هذين السؤالين، كي نتمكنَ من الانطلاقِ إلى فضاءاتِ التأليفِ الواسعةِ للطفلِ العربيّ، فهو حقٌ له علينا.
المحور الثالث:الكتابُ الورقيُّ بالتوازي معَ الكتاب الرقميّ، وشاشاتِ الكمبيوتر على اختلافها (آي باد – ماك بوك) وغيرهما.
هناك أصواتٌ عاليةٌ تنادي بالكتابِ الرقميِّ وتدعمُهُ بقوة، وتُطالبُ بالتخلي عن الكتابِ الورقيّ، وهذا أمرٌ مهمٌ وخطيرٌ جداً علينا إضاءَتُه، ونحنُ نتكلمُ عنِ الكتابةِ العصريةِ للطفلِ العربي، في موازاةِ الثورةِ التكنولوجية، وهو ضرورةُ مراعاةِ فئاتِ المجتمعِ المختلفة، التي لا تسمحُ لها ظروفُها البيئيةُ والماديةُ بالحصولِ على هذه الآلاتِ التكنولوجيةِ المتطورة، وذلك عن طريق:
أ- إنشاءِ مكتباتٍ عامةٍ في البيئاتِ الفقيرةِ والمعدَمة، في كلِّ أنحاءِ الوطنِ العربيّ.
ب- عدمِ المغالاةِ في أسعارِ كتبِ الأطفالِ من قِبلِ دورِ النشر، التي تعدُّ كلفةَ إنتاجِ
كتبِ الأطفالِ مكلفةٌ جداً.
الكتابةُ للطفلِ من خلالِ بُعدِها النظريّ:
الكتابةُ للطفلِ اليوم، ينبغي أن تحاكي الواقعَ والمستقبلَ والتطوّر، وتستقي بذكاءٍ من الماضي، وكلُّ ذلك من خلالِ تشريعِ أبوابِ التفكيرِ والتحليل، وتوسيعِ نطاقِ الإبداعِ والابتكارِ انطلاقا من:
أولاً: استعادةُ ثقة الطفل العربي بالكتاب، والكاتب العربي:
نظراً إلى أن معظمَ الكتبِ والقصصِ المكتوبةِ باللغةِ العربية، التي يرغبُ الأطفالُ بمطالعتِها وتداولِها فيما بينهم، هي كتبٌ معرّبةٌ عن لغاتٍ غربيّةٍ بعيدةٍ كلِّ البعدِ، عن ثقافتِنا وبيئتِنا وحضارتِنا، التي نودُّ أن يستقيَ منها أطفالُنا معلوماتِهم وخبراتِهم، علينا مراعاةُ الأمورِ التالية:
‌أ. اعتمادُ الكتّاب أسلوبَ المزاوجةِ بين الأصالةِ وبينَ التجديد، والإفادةُ مما تقدمُه لنا التكنولوجيا، وتسخيرُها لما فيه خيرُنا وتقدمُنا، وعدمُ محاولةِ تجاهلِها، مع ضرورةِ
إضاءةِ جوانبِها السلبية.
‌ب. اعتمادُ عنصريِّ الدهشةِ والإبهار.
‌ج. شحنُ القدرةِ التخيلية.
‌د. تحفيزُ القدرةِ التحليلية.
‌ه. إيقاظُ الطفولةِ داخلَ طفلِ العصرِ (الراشد).
‌و. التفاعلُ بينَ الكاتبِ وبين الطفلِ المتلقّي، وبناءُ جسورِ الثقةِ بينهما.
‌ز. إذكاءُ فضولِ الطفلِ المعرفي.
‌ح. عدمُ الاستهانةِ بمقدرةِ الطفلِ العقلية، أو محاولةِ التحايُلِ عليه، ومراعاةُ كونِهِ ناقداً لاذعاً بالفطرة، فالأطفالُ قادرون على إصدارِ الأحكامِ المطلقةِ والتعلّقِ بها.
‌ط. مراعاةُ عدمِ عرضِ “العضلات اللغوية” عن طريقِ استخدامِ التراكيبِ الصّعبة، التي تنفّرُ الطفلَ من اللغةِ العربيّة، لبُعدِها عن مدارِكِهم الذهنية. وهذه العضلاتُ اللغويةُ المفتولة، هي التي جعلتِ الأطفالَ والناشئةَ العرب، يُطلقونَ أحكامَهُمْ على اللغةِ العربية، وينعتونَها بالصعوبةِ والتعقيد، وبالتالي، فالنتيجةُ لذلك، هي عزوفُهم
عنها، وتبنّي اللغاتِ الأخرى، وتفضيلُها عليها.
ثانياً: التحدّي الحقيقي، الذي يواجِهُهُ الكاتبُ في ضوءِ الثورةِ التكنولوجية، وانتشارِ قنواتِ التواصلِ الاجتماعيِّ المغرية، هو منافستُها، وذلك من خلالِ جذبِ اهتمامِ الأطفالِ إلى ما يقدمُه إليهم من ناحيةِ أمورٍ أساسيةٍ هي:
أ- الموضوعات:
اختيارُ الموضوعاتِ التي تلامسُ حياةَ الطفلِ وحاضرَه، والتي تتماشى مع اهتماماتِهِ وواقعِه ومحيطِه، ومستواه الذهنيِّ والعقلي، وتلحقُ بعجلةِ التطورِ والتقدّمِ العلمي، والتغيرِ الاجتماعيِ في العالمِ الذي يدورُ من حولِه، وتؤثرُ فيه تأثيرا مباشراً، فالطفلُ، اليومَ، يختلفُ عن طفلِ الأمس، فهو يؤمنُ بالخوارقِ والعجائب، لذلك، يجبُ أن تختلفَ موضوعاتُ اليومِ عن موضوعاتِ الأمس.
وكلُّ ذلك في قوالبَ مغلّفةٍ بكثيرٍ من الخيالِ والتشويقِ والإثارة، والفائدة، وغيرِ المتوقّع، بعيداً عن المبالغةِ في تقديم المعلومات، وتوجيهِ النصحِ والإرشادِ المباشرِ والصارم.
ب- الشكل:
1- الاهتمامُ بالصورِ والرسوماتِ الجذابة.
2- الاعتناءُ بتصميمِ الصفحاتِ الداخلية، ومراعاةُ تناسقِ ألوانِها، ونوعُ الحرفِ المستخدمِ فيها.
3 – تحريكُ أواخرِ الكلمات.

ج- الأسلوب:
1- الاهتمامُ بالأسلوبِ الأدبي المستندِ إلى العاطفةِ والخيال، والذي يتسمُ بالقوةِ والتأثير، للاستيلاءِ على أحاسيسِ الطفلِ ومداركِهِ وانفعالاتِه، والذي يجعلُهُ في حالةِ ترقّبٍ لمساراتِ الأحداث، ومحاولةِ التنبّؤِ بمفاجآتِها وتتبُعِها.
2- اعتمادُ اللغةِ الأدبيةِ السهلةِ الفهمِ والاستيعاب، من ناحيةِ التراكيبِ والمفردات، بما يتناسبُ مع فئاتِ الأطفالِ العمريّة.
البعدُ التطبيقيُّ من خلالِ روايةِ “العربيزي والجدة وردة” في مزاوجةٍ مرنةٍ وَفْقَ ما وردَ في البعدِ النظريّ:
تبقى النظرياتُ والبحوثُ والدراساتُ والاستنتاجاتُ… كلاماً على ورق، إلى أن يتمَّ تنفيذُ نتائجِها، وما آلت إليهِ عن طريقِ الانتقالِ إلى مرحلةِ التطبيقِ العملي، ومن خلالِ تجربتي توصلت إلى أن التجربةَ هي التي تولّد النظرية وليس العكس، وهذا ما فعلتُهُ بصورةٍ ذاتية، كأديبة وروائيةٍ وناقدةٍ أدبية، حين عمدتُ إلى تأليفِ روايةٍ للناشئة، تلك الفئةِ التي تَصعبُ مخاطبتُها والوصولُ إليها في هذا العصر، وكانتْ هذه الروايةُ بعنوان: “العربيزي والجدة وردة”، التي تمَّ تقويمُها من قبلِ مؤسّسةِ الفكرِ العربي، كما تمَّ تحديدُ فئتِها العمريّةِ للمرحلةِ الإعدادية.

وهنا تجدرُ الإشارةُ إلى أنَّ الكاتبَ الحقيقي، هو الذي يستطيعُ أن يُحاكيَ بكتاباتِهِ كلَّ فئاتِ المجتمع، وقلمُهُ جوازُ سفرٍ مفتوحٍ في كلِّ الاتجاهات، فمن يملكْ مفاتيحَ اللغة، لا قيودَ تكبّلُه، ولا أطرَ تحدُّه ولا سدودَ تقفُ عائقاً أمامَ ينبوعِ أفكارِه!!

موضوع رواية العربيزي والجدة وردة:
العربيزي:
هي نحتٌ من كلمتين، “عربي إنجليزي”، إنّها اللغةُ العصريةُ الدخيلةُ على لغتِنا… “لغةُ الشات”، أي لغةُ المحادثاتِ السريعة، التي بدأتْ تحلُّ محلَّ اللغةِ العربيةِ وتمسخُها، وهي تعتمدُ على تحويلِ الحروفِ العربيةِ إلى حروفٍ انجليزيةٍ وأرقام؛ وعلى سبيلِ المثالِ لا الحصر: استبدالُ حرفِ العينِ بالرقم 3، وحرفِ الحاءِ بالرقم 7 وهكذا…

أما الجدة وردة:
فهي صورةُ الجدة، التي تمثلُ الفطرةَ والبساطةَ والطبيعةَ والتراثَ والزمنَ الجميل. وكما نلاحظُ هنا، فقد جمعَ العنوانُ بين الحديثِ المتطور، ممثلاً بما قدمَتهُ تكنولوجيا العصر، وبين القديمِ الجميلِ الذي ابتعدنا عنه وتناسيناه، ممثلاً بالجدة.

مضمونها:
عالجَتْ الرواية قضيةً خطيرةً جداً، هي قضيةُ اللغةِ العربية، والمخاطرُ التي تتهدّدُها، في مزاوجة سلسةٍ مع روحِ الحُلمُ وخصوبتِه، والتحليقِ في عالم الخيال، وكثيرٍ من التشويقِ والإثارة؛ في جمعٍ بينَ الأصالةِ والفطرةِ والطبيعةِ والبساطة، وبين المعاصرةِ وما تقدِّمُهُ التكنولوجيا. وتدورُ أحداثُها من خلالِ زيارةٍ تحطُّ رحالُها عبرَ صفحاتِ كتابِ جزيرةِ الحياة، الذي خرجت منه سارة، لتتعرَّف إلى عالمِ سامرَ الإلكترونيِّ المنفتحِ على العالمِ كلِّه، والمأسورِ أمامَ شاشةٍ ولوحةِ أزرارٍ من جهة، والتحليقِ مع الخيالِ إلى عالمٍ آخرَ في رحلةٍ تنطلقُ بسارة وسامر على متنِ الكتابِ نفسِه من جهة أخرى.

رسالتها:
لقد حملَتِ الروايةُ على لسان سامر، رسالةً حاسمةً موجَّهةً إلينا نحنُ الكبارَ، تقول:

“أيّها الكبارُ، أنتم قد تعوّدتُمْ سياسةَ ردّةِ الفعل، أمّا
نحنُ، أجيالَ المستقبل، فسنُعَلّمُكُم سياسَةَ الفِعل، وسنصنعُ التغيير!!
نحن أملُ الغدِ ومستقبلُهُ الواعد… والأرضُ الخِصْبةُ المهيَّأَةُ لاستقبالِ ما تبذرونَهُ فينا… فمَا نقدمونَهُ لنا هو مسؤوليّتُكم، وما تورثونَنا إيّاهُ سيكونُ بمثابة خريطةَ طريقٍ نسيرُ عليها، فلتكُنْ بذورُكم طيّبة… كي تنبتَ في أرضٍ طيّبة”

إضاءآتها:
لقد أضاءَت الروايةُ جانباً مظلماً من واقعِ اللغةِ العربيةِ اليوم، وهو أنّ الجيلَ الجديدَ ليس قريباً من اللغةِ العربية، لأنه اقتنعَ بأنَّها صعبةٌ ومعقدةٌ وجافة وغامضة، وهذا ناتجٌ، ربّما، عن صعوبةِ التراكيبِ والمفرداتِ المستخدمةِ في الكتاباتِ للطفل، بالإضافةِ إلى شيوعِ بعضِ الأفكار الخاطئةِ وتبنّيها؛ فهناك من يخجلُ من التواصلِ باللغةِ العربية، على اعتبار أنّها وجهٌ من وجوهِ البدائيةِ والتخلّف، حين صدّقوا أن إتقانَ اللغاتِ الأجنبيةِ والتحاورُ بها، هو وجهٌ من وجوهِ الحضارةِ والتطوّرِ والرقي؟!

تنبيهاتها:
تؤكدُ الروايةُ أنَّ ثورةَ التكنولوجيا قد حوّلتِ العالمَ إلى قريةٍ صغيرة، ولكنَّها دون شعورٍ منا، فرَّقتْ بين أفرادِ البيتِ الواحد، وأسرَتنا بإرادتِنا بين جدرانٍ مغلقة، وأمامَ شاشاتٍ صغيرة، كما تشيرُ إلى أن التوغّل في ذلك العالمِ الافتراضيِّ وأدواتِهِ وآلاتِه، قد حوّلَ عواطفَنا إلى شيءٍ يُشبهُ الأزرار، ففقدْنا لغةَ الحوار، والتواصلِ الاجتماعيّ، وبذلِ أيِّ مجهودٍ جسديّ.

في قلب الرواية رواية:
سنجدُ أنّ في قلبِ الروايةِ روايةً ترويها الجدةُ وردة، تُعيدُ من خلالِها إلى ذهنِ الطفلِ حكاياتِ ألفِ ليلةٍ وليلة، التي تجعل من المعجزاتِ والخوارقِ شيئاً ممكناً، والمليئةُ في الوقت نفسِه بالسحرِ والأحلام، ولكنَّها تحملُ في مضمونِها رسالةً نقديةً عميقةً مغلفةً بقصّةِ حُبٍّ أسطورية، سوف يفهمُ الطفلُ من خلالِها ما يحصلُ في العالمِ العربيِّ من ثورات، وأن الحلولَ ليستْ صعبةً حينَ يقومُ كلٌّ منَ المسؤولِ والمواطنِ بواجبِه، إذ تمنحُهم شعوراً بأنّ أصحابَ الإراداتِ قادرون على إحداثِ التغيير.
جولةٌ موجزةٌ في الرواية:
يتركُ سامر، الذي يشتكي من صعوبةِ اللغةِ العربية، عالمَهُ الذي يضجُّ بالفوضى والدخانِ والأسوارِ العاليةِ والإلكترونيات، ليرافقَ سارة عبْرَ كتاب جزيرةِ الحياة، إلى موطنِها في جزيرةِ الحياة، التي لم تعرفِ التكنولوجيا ولا الإنترنت، فيتعرفُ فيها إلى عالمٍ آخرَ غيرِ عالمِه، وألعابٍ غيرِ ألعابِه، وحديقةٍ تتطايرُ في أنحائِها حروفُ اللغةِ العربيةِ بفرحٍ وفخر، وكأنها فراشاتٌ ربيعيةٌ انتشرتْ بزهوٍ؛ وجدّةٌ يتحلّقُ حولَها أولادُ الجزيرةِ كلَّ مساءٍ لسماعِ حكايتِها المشوِّقة، التي تحملُهم إلى عالَمِ الخيالِ وتعلمُهم العِبرَ… كلُّ هذه الأحداث تدورُ في قالَبٍ من الدهشةِ والإبهارِ والمفاجآت، ولكن ما لم يكن في الحُسبان، هو الخللُ الذي أصابَ حديقةَ اللغةَ وحروفَها… يدٌ خفيّةٌ وذبذباتٌ خبيثةٌ كالصّواعق، بدّلت بعضَ حروفِ اللغةِ العربية، بأرقامٍ تُشبهُها، إمّا بالشكلِ وإمّا باللفظ؛ ومع تبدلِ الحروفِ في الحديقة، تتبدلُ أجواءُ الهدوءِ والأُلفة، التي كانت تسودُ الجزيرة، وتعلو وتيرةُ الحبكة، ويبدأ الصراع. وهنا تتدخلُ الجدةُ وردة، في محاولةٍ منها لحلِّ ذلك اللغزِ المخيف، وتصلُ بعد ذلك إلى حقيقةٍ مفادُها، أنّهم في جزيرتِهم لا يستطيعون أن يعزلوا أنفسَهم وأولادهم، عن ما يحصلُ في العالم من تقدمٍ وتطوّر، وأنَّ عليهم أن يواجهوا مسؤولياتِهم، أمامَ ضرورةِ الموازاةِ بين كلِّ ما نملكُهُ من أصالة، وبين ما تقدِّمُه لنا التقنياتُ الحديثة.
وصلتْ تكنولوجيا الإنترنت بمساعدةِ سامر، وفضولِ سارة، من خلالِ اقتحامِها عالمَهُ إلى جزيرةِ الحياةِ وأهلِها، ولكن في أحضانِ الطبيعةِ وليس بينَ الجدران.
تتتبعُ الرواية تطوُّرَ الشخصياتِ والتغيراتِ التي تطرأ عليها، جرّاءَ الأحداثِ والمفاجآت، وفي نهايةِ الروايةُ، يتحولُ سامرُ بمساعدةِ سارة، والجدةِ وردة، وجزيرةِ الحياةِ وأهلِها، من كارهٍ للغةِ العربية، إلى متكلمٍ باسمِها وحاملِ لوائِها، بمساعدةِ قنواتِ التواصلِ الاجتماعيّ، فأصبحَ لحملةِ “بالعربي” صفحةٌ شيّقةٌ على “الفيسبوك” جمعتِ الملايين، وسارَت على خُطاها كلُّ الدولِ الناطقةِ باللغةِ العربية!!
تقنيات روايةِ “العربيزي والجدةِ وردة”:

حوتِ الروايةُ عدداً من التقنياتِ الحديثة من حيث الشكل والأسلوب، التي تُعدُّ امتيازاتٍ مهمةً في الروايةِ العصرية، التي تخاطبُ جيلَ الفتيانِ والناشئة، ومنها:
أ- غلافٌ لافتُ النّظر، قد يثيرُ الكثيرَ من التساؤلاتِ والتكهنات، بالإضافةِ إلى الرسوماتِ الملونةِ بألوانٍ زاهيةٍ بهيّةٍ فرحة، التي من شأنها أن تحلّق بذهنِ الطفلِ وخيالِهِ إلى عوالمَ جديدة تفتح له أفقَ التحليل والنقد والاستنتاج، والملاحظةِ والتأمل، وتمنحُه مساحةً من حريةِ الموافقةِ أو الرفض، وفي الوقتِ نفسِه تحفزُ شهيتَه للقراءة، لأنَّ معظمَ الرواياتِ الموجّهةِ لهذه الفئةِ العمرية، لا تحوي الصورَ، على اعتبارِ أنهم ناضجون.
ب- عناوين للأقسامِ ملوّنةٌ وجذابة، وهذه من شأنِها أن تجعلَ الطفلَ يفكر، ويحاولُ توقُّعَ ما يمكنُ أن يتحدثَ عنه القسمُ الآتي.
ج- اختلافُ شكلِ الخطوطِ ولونِها، فيما يتعلقُ بالسّردِ والحوارِ وحكايةِ الجدةِ وردة، كي لا يشعرَ الطفلُ بالمللِ أثناءَ القراءة، ويتشجّعُ للمتابعة.
د- كلماتُ الروايةِ محرَّكةٌ تحريكاً كاملاً، من أجلِ قراءةٍ صحيحةٍ سليمة، كي يتسنّى للطفلِ قراءتَها قراءةً صحيحة، بالإضافةِ إلى تحريكِ الكلمات، التي قد تتشابهُ على الطفلِ في المعنى، تحريكا كاملاً، كي يتمكنَ من التفريقِ بينها. (هناك تفكيرٌ خاطئٌ يشيرُ إلى أن تحريكَ أواخرِ الكلماتِ في كتبِ الأطفال، من شأنِهِ أن يحدَّ من قدراتِ الطفلِ على استخدامِ قواعدِ اللغةِ العربيةِ بصورةٍ صحيحة، ولكن التجاربَ أثبتتْ أن الطفل، إن تعوّدَ سماعَ نفسِهِ يقرأُ بصورةٍ صحيحة، فسوفَ تنمو فطرتُهُ على القراءةِ الصحيحة، فالقرآنُ الكريم، لو لم يكن محرَّكاً، لتعسّرَ فَهْمُهُ واستيعابُه)
ه- تعدّدُ شخصياتِ الرواية، الذي وصلَ إلى أكثرَ من ثماني عشرة شخصية، من رئيسيةٍ وثانوية، لإضفاءِ روحِ المشاركة، وتمكينِ الطفلِ من أيجادِ من يشبُههُ بينها، فيحيا مشاعرَها وتقلباتَها، وأفراحَها وأحزانَها، بالإضافةِ إلى التركيزِ على إظهارِ مراحلِ تطورِها. وكذلك للدلالةِ على رفض الاستئثار، الذي تعودْنا عليه في عالمِنا العربي في كلِّ شيء، لذلك آثرتُ التفلّتِ من محيطِ البطلِ الواحد، لأنَّ التعدّدَ له مدلولاتٌ كبيرة، لتأكيدِ أنّ الشخصيةَ الرئيسية، مهما كانت فعّالةً في العمل الأدبي، كما في الحياةِ العامةِ تماماً، لن تنجح بدونِ الشخصيةِ الثانوية، ولا تكتمل بدونِها.
و- اعتمادُ الحوارِ بينَ شخوصِ الروايةِ لمنح الروايةِ حيويةً وحركة، لتجنيبِ الطفلِ السَّأمَ والرتابة، اللذين يمكنُ أن يتسببَ بهما السردُ الطويل، وكي تضفِيَ على النصِّ المتعةَ والحيوية، وتُشعِرَ الطفلَ بأنّهُ مُشاركٌ رئيسيٌّ في أحداثِ العمل، وذلك من خلالِ التعرّفِ إلى الآخرِ المختلف، ومنحُه حرية تأييدهِ أو مخالفتِه، وهنا تظهرُ مقدرتُه على التمييز، وتنمّي لديه ملكةَ النقد، وتُشجِعُه على تحمّلِ مسؤولياتِه في قراراتِه. وقد تفتحُ المجالَ لإمكانية تحويلها إلى عملٍ مسرحيّ أو درامي.
ز- اللغةُ الوصفية، حينَ تتحوّلُ الكلماتُ في عقلِ الطفل، إلى صورٍ حيّةٍ تتحركُ وتنبض وتشعر، وكأنه يشاهدُ فيلماُ سينمائياً، مع الحرصِ على استخدامِ الجملِ القصيرةِ لقلّةِ صبرِ الأطفال.
ح- استثمارٌ تربويٌّ حيوي على الطريقةِ التعليميةِ الحديثةِ في نهايةِ الرواية، لتحفيزِ ذهنِ الطفلِ إلى التعمّقِ في مضمونِ العملِ ورسالتِه، بالإضافةِ إلى تبيُنِ جمالَ اللغةِ فيه.
ط- قُرصٌ مدمّجٌ بصوتِي أنا الكاتبة، أقرأُ فيه الروايةَ كاملةً بطريقةٍ معبرة، مراعيةً الحركاتِ ومخارجِ الحروف، كي يتمكنَ الطفلُ من سماعِها وقراءتِها معاً، فيستقيمُ له فهمُها واستيعابُها وتتبُعُها، فتؤمّنُ له المِتعةَ والفائدة.

وبعد هذا العرض أودّ تأكيد ما ذكرته سابقاً: “أن التجربةَ هنا هي التي ولّدت النظرية وليس العكس”
وبعملية حسابية بسيطة أستطيع القول أن:
الفكرة + التجربة = النظرية

توصيات هذه الورقة

أ- على الجهاتِ الحكوميةِ وشبهِ الحكوميةِ الراعيةِ للثقافة، أن تفتحَ أمامَ الكتّابِ العربِ القنواتِ والسبلَ، التي من شأنِها أن تسهّلَ نشرَ أعمالِهم وترويجِها بشكليها الورقيِّ والرقمي، بالتعاونِ مع دورِ النشر، وذلك لسدِّ فجواتِ المحتوى المعرفيّ العربي.

ب- هناك حاجةٌ ماسّةٌ إلى إجراءِ دراسةٍ مكثفة، لحصرِ الإنتاجِ المعرفيّ للأطفالِ من خلالِ دورِ النشر، وفقاً للتصنيف الموضوعيّ والعمريّ لمؤسسةِ الفكر العربي، وذلك للتعرفِ إلى الفجواتِ الموضوعيّةِ في المحتوى المعرفيِّ للأطفال.

ج- إعدادُ البرامجِ التي من شأنِها سدُّ الفجَواتِ الموضوعيةِ والبنائيةِ في المحتوى المعرفيّ للأطفال، عن طريقِ إقامةِ المسابقاتِ لكتّابِ الأطفال، في الموضوعاتِ التي يثبتُ النقصُ فيها، والتي من شأنِها إثراءُ الإنتاجِ المعرفيِّ عند الأطفالِ في الوطنِ العربي.

د. تأمينُ شراكةٍ حقيقيةٍ وفاعلةٍ بين المؤسساتِ الثقافيةِ في العالم العربي، لتجاوزِ بعضِ التبايناتِ الثقافية، وخصوصاً الفروقاتِ الماديةَ السائدةِ في الوطنِ العربي، كي يتمكنَ الكاتبُ المبدع، ذو الإمكانياتِ الفكريةِ المرتفعة، والإمكانياتِ الماديةِ المحدودة، من تقديمِ فكرِه، وإيصالِهِ عبرَ تلكَ المؤسسات، لتنشيطِ الحركةِ الثقافيةِ للأطفال.

ه. تأمينُ الإمكانات اللازمة، كي يتمَ تحويلُ بعض الكتابات الناجحة للطفل في مختلفِ مراحلِهِ العمريةِ إلى أعمالٍ مسرحيةٍ جذابة، وعرضُها على مسارحِ المدارسِ، والمسارحِ الثقافية، أو تحويلُها إلى أعمالٍ درامية، فربما تستطيعُ أن تنافسَ المسلسلات التركية المدبلجة التي تجتاحُ بيوتَنا، وتحتلُّ مقاماً رفيعاً في عقولِ أولادنا.

وأخيراً…

ونتيجةً لكلِّ الأفكارِ التي أوردَتْها هذه الدراسةُ، كلّي أملٌ ككاتبة، أن نصلَ جميعاً إلى نتيجةٍ مفادُها: أن نجاحَ هذا النموذجِ من الرواية، ربَّما يكونُ خريطةَ طريق، أو نهجاً وأنموذجاً للكتابةِ العصريةِ للطفلِ العربي؟!

وقبل أن أختم أودّ استخدام عبارات أطلقها بعض التلامذة بعد قراءتهم للرواية:

“بالعربي بالعربي … وبالعربي مكملين”
“معاً لحملة بالعربي… وبالعربي نفتخر”

منى الشّرافي تيّم

نُشِرت في عام | 2 تعليقان