كورونا… حرب الكبار… والله أكبر!

 

يلتف عالم القرن الواحد والعشرين اليوم حول بركان “كوروني” متوهج متفلت بنتوء وفروع، يقذف شظاياه هنا وهناك، لا يفرق بين جنس أو لون، ولا تستوقفه جغرافيا، وليس له حدود. لا تخضعه دول آمنت بعظمتها، وطوّرت أسلحتها، وسلكت كل السبل التي مكنتها من التحكم بالعالم!! فتُصيب تلك الشظايا المتطايرة صاحب القدر والنصيب… يموت البعض… ويصاب آخرون بحروق متفاوتة الدرجات. تتحول البيوت إلى ملاجئ، وتخلو الطرقات من روادها، وتتلاشى مظاهر الحياة من الحياة، وتتوقف عجلة الزمن على عتبات شاشات التكنولوجيا الجامدة… ولا حياة إلا لبضعة أصابع تتحرك… تكبس على حفنة أزرار، نطل من خلالها على من نحبهم وخصوصاً أولئك الذين باعدت بيننا وبينهم الظروف، وعلى عالم افتراضي فرض نفسه على كل واحد منا. وحين تتسع الدائرة نترقب آخر الأخبار من مسؤول غير مسؤول، أو حاكم محكوم من حاكم، أو عالِم يحمل لنا بارقة أمل ووعد بالفرج والخلاص.

ها نحن والعجز وحده يرافقنا، وقلة الحيلة تجمعنا، والوحدة وحدها… جدران بيضاء مع مرور الوقت تضيق! أما لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فمرجعنا ووجهتنا. ها هي الاقاويل تكثر، والتكهنات قيد النشر والتداول، والمختبرات بعتادها وعلمائها تعمل على قدم وقدم متسلحة بأدمغة تفور متأهبة، للفوز بإنتاج لقاح أو دواء سحري تُدفع للحصول عليه ثروات ما فوق الأرض وما تحتها… ها هي الدول العظمى بعظمتها وأسلحة دمارها النووية والبيولوجية، وجيوشها الجرارة التي لا تُقهر… قهرتهم (كورونا) وشلت اقتصادهم وأقفلت مواردهم، وأعجزت ثرواتهم، ورسمت حدودهم، وسدت فضاءهم، وأظلمت أجواءهم، وكبّلت حرياتهم.

وُجهتا نظر تطوفان على السطح علينا ألّا نتغاضى عن أي منهما، فكلاهما ممكنة! وقد تجتمعان. الوجهة الأولى، ترى أن “كورونا” هي رسولة رب السماوات والأرض ورب العالمين، الذي إذا أراد شيئاً يقول له كن فيكون، ليضع حداً لفراعنة الأرض وشياطين الإنس، الذين تجبروا وعاثوا الفساد والظلم والقهر والمجاعات وسفك الدماء… كي يتعظ كل من أَسَرَتْه المادة وكدّس المال، وكل من عبد الكرسي، وكي يعود إلى رشده كل من نسي أو تناسى أن الله موجود، وكي يُخرِس كل من يصدح صوته على المنابر متكلماً باسمه، فيكذب حد الفسوق. أهي حرب الله على الأرض يشنها على أهل الأرض؟! فيهزمهم بسلاح لا يفوق حجم خلية واحدة من خلايانا. أهي تبشير بنهاية البشرية، أم هي رسالة صحوة واستفاقة من غيبوبة؟!

أما الوجهة الثانية، فترى أن كل ما يحصل هو انطلاقة صافرة الحرب العالمية الثالثة التي تدور رحاها بين الدول العظمى، والبقاء للأقوى والأعظم. هي حرب لا تحتاج إلى أسلحة متطورة مدمرة وفتاكة، بل حرب بيولوجية، تهدف إلى تقليص أعداد البشر بدءاً بالمسنين والمرضى الذين يشكلون عبئاً على كاهلها، وتمر باستعمار الدول الغنية بالغاز والنفط والسطو على مقدراتها، وصولاً إلى الخلاص من الدول العظمى المنافسة لها.

وهنا لا بد من أن نعود إلى فرضية أن الكورونا قد تكون من تدبير وصنع وتخطيط البشر أُعدت لخوض حرباً بيولوجية مدمرة، إلا أن إرادة الله سبقتهم بأشواط، ليعلموا أنه أكبر وأعظم “ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين”، “إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها”. ففقدوا السيطرة وانقلب السحر على الساحر، فها هم يتخبطون من أجل أن يجدوا لقاحاً أو دواءً ينقذ أرواحهم… فإن كانوا قد صنعوا الكورونا وحضروها لبدء حربهم، فقد سبقهم الله بخطوة قبل أن يصنعوا اللقاح والعلاج.

قد يقول قائل لماذا نذهب دائماً إلى نظرية المؤامرة؟ نعم علينا أن نؤمن بنظرية المؤامرة ونضعها صوب عيوننا، وأكبر دليل على ذلك أحداث 11 سبتمبر التي غيرت وجه شرقنا… لقد تم التضحية بأرواح كل الناس الذين كانوا بالأبراج في ذلك النهار من أجل إقناع الرأي العالمي بأن أمريكا قد تعرضت لهجوم إرهابي، فالغاية عندهم تبرر الوسيلة!

إن ما يحصل اليوم في العالم هو درس وعبرة لكل إنسان أينما كان. علينا أن نقف ونتفكر في شأن هذه الحياة، ها نحن في كل بقاع الأرض في وحدة حال، الغني والفقير، الكبير والصغير، نعتكف في بيوتنا، نأكل ما يُشبعنا، نرتدي ما يُريحنا، نعتني بأنفسنا خشية على أحبتنا.

كم هي صغيرة كل تلك المظاهر التي كنا نصرف طاقتنا عليها! كم هي كبيرة نعم الله علينا المتمثلة براحة البال والرضى…! وما أعظم هباته المكللة بالصحة والعافية!!

واختم مقالتي برسالة أوجهها إلى السياسيين والأثرياء في لبنان أن يقوموا بتخصيص مبالغ قليلة من ثرواتهم لمحاربة الكورونا، وتقديم المساعدة والدعم للمحتاجين والفقراء، كي يُسهموا في الحد من انتشار الوباء من خلال حجر أنفسهم… وإلا كيف نخير محتاجاً إن خرج من بيته مات بالوباء ونشره، وإن بقي في بيته مات هو وأسرته جوعاً؟!

د. منى الشرافي تيم

نُشِرت في عام | تعليق واحد

“مُعَلَقون على وتر … مُتأرجحون على عَصب

via “مُعَلَقون على وتر … مُتأرجحون على عَصب

نُشِرت في عام | أضف تعليق

“مُعَلَقون على وتر … مُتأرجحون على عَصب

دكاكين مُذهّبة بالمذهبية، وجحور طائفة بالطائفية، وعقول غيّبتها العنصرية، وجهل وطّنته الغرائزية، وشعب نوّمته التبعية. أما العروش فمشيدة لأشباه الآلهة، والمناصب معبّدة لأنصاف الآلهة. وثورة الصحوة في وجه سطوةِ وتسلط سلاطين السلطة. وقنابل مسيلة للدموع وأثرها على العيون الباكية دهراً. ورصاص مطاطي ليس للبشر، يخترق الأمعاء الخاوية، ويقتلع إحدى العينين فاثنتين عليهم كثيرة، ويستأصل أصابع اليد الممتدة الطويلة. وخراطيم مياه باردة في فصل البرد والثلج متدفقة غزيرة، لِتُطفئ نيران أجساد ثائرة… أشعلها وقود الفقر والذل والحاجة.

إن عباد الله الذين خلقهم فأكرمهم وكرّمهم؛ صورة مستقبلهم اليوم بفضل بعض عباده الفراعنة لا نرى فيها إلا أنفاق ظلام ونفاق، ومتاهات استغباء وثرثرات استخفاف، وسراديب عتمة للتعمية. وموتٌ واقع حين يشتد المرض، فلا أسرّة للفقير في المستشفيات. والموجوع محكوم بأن يعضّ على وجعه، فالأدوية أثمانها باهظة في الصيدليات. أما الشيخوخة… فأجساد أصحابها ثقيلة… أحياء من صنف الأموات… هم عبء فوق طاقة السُلطات.
والحديث بلا حرج عن صناديق من فولاذ لا تُعدُّ ولا تُحصى في البنوك… منتفخة بالعملات الصعبة جداً، والذهب والفضة والماس النادر جداً… كل هذا من نصيب رؤساء ووزراء ونواب ومدراء، ومصدرها ثروات الشعب المنهوب والمسلوب. أما الصناديق المستحدثة… فخزينة الدولة فارغة عاجزة عن أن تملأها، وبطون أصحابها لا تشبع… ولن يملأ عيونها إلا التراب… فاحتاروا… يريدون المزيد… أذكياء هم…! وسياساتهم في السرقة احتيال ودهاء. ففي البنوك؛ أموال للناس، ليس للسلاطين عليها سلطان، ولكن شراهتهم وشبقهم ونهمهم وأنفوهم تسبقهم إليها، وعيونهم مُسلطة عليها. فها هي أيديهم متماهية مع أنوفهم الجشعة وعيونهم الفارغة تمتد إلى جنى العمر وعرق الجبين وقرش الغد. قرش جُمِعَ فوق قرش من أجل شراء شقة أو بيت. هناك من أودعها في المصارف شهر وراء شهر كي يؤمن أقساط المدارس والجامعات لأولاده… أو من أجل أن يأمن غداً مجهولاً… أو أن يحفظ كرامة شيخوخة… أو أن يتزوج ويُنشئ أسرة. فما أكثرهم أولئك الذين تقشفوا في شبابهم كي يعيشوا حياة كريمة هم وأسرهم مستقبلاً…! ما أكثرهم أولئك الذين حرموا أنفسهم من أشياء تمنوها واشتهوها من أجل حفظ القرش الأبيض ليومهم الأسود…! وما أكثرهم أولئك الذين يعملون ليلاً ونهاراً كي ينفذوا مشاريع الأحلام…! وما أكثرهم أولئك الذين تغربوا وتشتتوا في البلاد عن أسرهم وزوجاتهم وأولادهم وأرسلوا أموالهم وأودعوها في البنوك!! كل هذا وأكثر ربما قد يكون ذهب مع الريح ليملأ الصناديق المُستحدثة. فها هو المُدّخِر أصبح يقف أمام المصارف كالمتسول كي يحصل على بضعة قروش من ماله… والمبكي أنه يخرج شاكراً الله أنه فاز بها؟!!

 ثارت ثائرة الناس على الوجع والفقر والبطالة والهجرة والأميّة، فانهالت عليهم الاتهامات، فنعتوهم بقطاع الطرق، ونسبوا إليهم خراب لبنان، وانهيار الدولة، وتعطيل المؤسسات. أرّقتهم مُطالبة الناس بحقوقهم. أرادوهم عبيدا وأردوهم خدماً. أرضاهم صمتهم ورضوخهم وتبعيتهم، وقبولهم بالفُتات المنقوع بالذل مُذيّل بالحمد والشكر وتقبيل الأيادي في حال من الخشوع. حقوقهم أصبحت عطايا منتقاة لكل من يهتف لهم بالروح ولكل من يهبهم الدم.

ولكن أن يكون كل شيء يحتاج إليه المواطن ليعيش بكرامة في عصر الحضارة والعولمة وكبسة الزر مقطوعاً… في مشهد يشبه العصور الحجرية… فهو محروم من الكهرباء والماء والطبابة والعلم والعمل وضمان الشيخوخة والطرقات الآمنة.

متى يقتنع المواطن أن واقعه المظلم من صنع يديه؟ متى يفتح عينيه كي يرى أنه تنازل عن حقوقه كي يُشيد عرش الزعيم وقصره! متى يعلم أنه إن تخلّى عن تبعيته ونزع غرائزيته سوف يعي أنه يسير خلف وَهْم ليس أشد من بيت العنكبوت، وأنهم عندئذٍ وبكل ما يمثلون: “مُعَلَقون على وتر … مُتأرجحون على عَصب”.

 

د. منى الشرافي تيّم

نُشِرت في عام | تعليق واحد

زيف الخبر في وسائل التواصل الاجتماعي… وباء جهل؟!

via زيف الخبر في وسائل التواصل الاجتماعي… وباء جهل؟!

نُشِرت في عام | أضف تعليق

تهجير المُقيم…  وتأكيد عدم عودة من هاجر!

via تهجير المُقيم…  وتأكيد عدم عودة من هاجر!

نُشِرت في عام | أضف تعليق

تهجير المُقيم…  وتأكيد عدم عودة من هاجر!

 

ما هذا الرعب الذي يشهده المواطن اللبناني من كل ما يخبئه له الغد…؟ وما هذا الضياع الذي يعيشه؟ فلا أمن ولا أمان، ولا استقرار ولا مستقبل، ولا مال ولا أعمال، ولا وظائف! وهذا الحال لا ينطبق على المواطن الفقير فحسب، بل ينطبق على المواطنين من كل الطبقات: الوسطى، والميسورة، والغنية. غيمة سوداء تخيم على مستقبل المواطن اللبناني، فلا يدري كيف يتعامل مع أخبار الرعب التي تحذره من أن حياته في البلد على كف عفريت، وكأن الأصوات العالية المُحذرة تطالب كل من يملك الكثير من المال أو بعض المال أن يسحب أمواله من المصارف اللبنانية ويغادر البلد في أول فرصة تسنح له، وفي المقلب الآخر تقول لكل من تسول له نفسه أن يعود من بلاد الغربة كي يستثمر في وطنه بأن إياك أن تفكر في هذا الأمر فلا مكان يتسع لك… ولا مستقبل ينتظرك! وهذا التحذير يهدف إلى تهجير المقيم، وتأكيد عدم عودة من هاجر.

إن ما يحصل وما يُشاع في هذه الأثناء في لبنان ما هو إلا مغامرة محسوبة أو غير محسوبة من قبل السياسيين والمسؤولين وحماة البلد لا أحد يمكن أن يتكهن نتائجها أو يعلم ما قد تؤول إليه إلا الله وحده، فمن يعقل ولو قليلاً لا بد وأن يشعر بثقل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والنفسية على كاهل المواطن اللبناني الذي لا بد وأن يأتي ذلك اليوم الذي ينفجر فيه كالبركان الجارف في وجه كل أولئك الذين يتلاعبون بحياته من أجل بناء حياتهم، ويهددون مستقبله من أجل تأمين مستقبلهم ومستقبل سلالتهم، ويسلبون ماله من أجل أن تنتفخ أرصدتهم في البنوك، يُطأطئون رؤوسهم لسياسات هدامة مدمرة كي يحفظوا مقاعدهم لسنوات قادمة ومن ثم لورثتهم من بعدهم. أما السيف الآخر المسلط على رقاب اللبنانيين فهو التهويل بنشوب الحرب الإسرائيلية على لبنان في وقت قريب… وبذلك يضطرون للعيش بين حربين إحداهما باردة والأخرى ساخنة.

من أين تبدأ نهاية سياسات الإحباط النفسي والتجهيل الفكري والتجويع المعوي ومسح الجيوب واستعمار مرافئ المستقبل والاستيطان على الغد والعض على الجروح؟ أسئلة كثيرة لن تتم الإجابة عليها إلا بقرار واحد وصوت موحد من الشعب اللبناني حين يقف في مواجهة من أوكلهم أمره وأعطاهم صوته وأجلسهم على كراسي الحكم والقرار فحرموه من أبسط حقوقه الإنسانية، ولعبوا على غريزته الطائفية والمذهبية، فتاه في سراديبها المظلمة، وحقق لأصحاب الحكم أهدافهم ونفّذ لهم سياساتهم، وأتخم أرصدتهم في البنوك… صوت يرفض… صوت يعترض… صوت يطالب… صوت يحاسب… صوت يُقيل ويُنحّي… صوت يُقر ويقرر…

لبنان اليوم بساسته وسياساته يهجّر النخبة من أبنائه… أصحاب الفكر والشهادات العلمية والكفاءات إلى بقاع الأرض… بحثاً عن الأمن والأمان والعيش الكريم والمستقبل، وهؤلاء هم الأوفر حظاً… ومن يبقى منهم… موجود فقط بجسده ولكنه فارغ الداخل عائم المستقبل.

ومن هنا نجد أنفسنا في حيرة من أمرنا حين نفكر في سياسيي البلد وسياستهم الغريبة فمن يفهمها؟ ومن يحلل أهدافها؟ وكيف تعود عليهم بالمنفعة؟ كيف يحمون رؤوسهم من الانهيار؟ سياسيون على من؟ ويحكمون من؟ وسياسة من ينفذون…؟  وعلى ماذا يراهنون؟! فالبلد إن ذهب إلى الإفلاس… والليرة اللبنانية إن خسرت قيمتها… فهل تتسع أرصدتهم إلى المزيد من الملايين والمليارات من العملات الأجنبية؟ ألا يقرأون التاريخ…؟! فالدائرة لا بدّ أن تدور والخراب إن عم سيطال الجميع…

لبنان الجميل الرائع بطبيعته الخلابة يعاني، والخوف يملأ قلوب أبنائه، وخيمة المستقبل مليئة بالثقوب… والشعب يرى ويسمع ويعرف ويفهم أما صمته فمريب!!

 

د. منى الشرافي تيم

نُشِرت في عام | تعليق واحد

الجلسة الحوارية الثانية التي أدراتها د. منى الشرافي تيم في حرم الجامعة الأمريكية في بيروت مع الروائي الفلسطيني المقدسي عارف الحسيني

نُشِرت في عام | أضف تعليق

الجلسة الحوارية الأولى التي أدارتها د. منى الشرافي تيم في حرم الجامعة الأمريكية في بيروت مع الروائي الفلسطيني المقدسي عارف الحسيني

نُشِرت في عام | أضف تعليق

التاريخ حين يتكلم… جرس يقرع في آذان أُمّةٍ أحلامها في اليقظة!!

via التاريخ حين يتكلم… جرس يقرع في آذان أُمّةٍ أحلامها في اليقظة!!

نُشِرت في عام | أضف تعليق

التاريخ حين يتكلم… جرس يقرع في آذان أُمّةٍ أحلامها في اليقظة!!

حين يقول التاريخ كلمته، يُصبح المستقبل مرآة عاكسة للحقائق، فتخرج الرؤوس المدفونة في الرمال من مخابئها عنوة، وتستفيق العقول من غفوتها الإرادية، وأحلام يقظتها الزهرية، لتواجه كوابيس الحقائق، وطوفانات الواقع، ومغالطات الحاضر، ورسائل التاريخ الملفوفة المنسية على رفوفها بالكهوف. إن حروف الألم في هذه الأيام العصيبة ثابتة، منحوتة في عقولنا صلبة في وجداننا، لا تدع مجالاً لحروف الأمل أن تحلّ محلها أو تغير في حركتها، أو أن تتخذ لنفسها زاوية وسط غوغاء تملأنا وتفيض بكلام غير مفهوم، وثرثرة شعارات ألفناها، وفقاعات في الهواء حجبت عن عيوننا الرؤية.

إن الأفكار التي أسعى إلى طرحها في هذه المقالة كثيرة ومتشعبة وشائكة، وحصرها في بضع فقرات في مقال عمل شاق، ولكنني أتمنى أن تسعفني لغتي وتمكنني من دق أجراس التاريخ الصدئة، وتلميع مرايا الحاضر الملطخة بضباب الأحقاد والأطماع والعنصرية والتعصب والمال والمناصب. أما الأنا السائدة في عالمنا العربي وما بعدي الطوفان، فلو عادت قليلاً إلى مجرى التاريخ، لعلمت أنها سوف تكون المقبلات التي يبدأ بها الطوفان رحلته حين يقتلعها من جذورها بلا رأفة.

تعلو الأصوات العربية التي ضاقت ذرعاً بالقضية الفلسطينية والوجود الفلسطيني والفلسطينيين. فقد كانت السياسات قبل سنوات قليلة جداً تُحاك ضدهم تحت الطاولة ووراء الأبواب وفي الخفاء. أما اليوم فالسياسات تُكتب… والنيات تُعلن… والأقلام توقع للخلاص منهم على بياض! أما خطاباتهم فتمنح الصهاينة حق وجودهم في فلسطين وفقاً لرواياتهم التاريخية والدينية… فهم يدفعون ثمن ترويج الفكرة أموالاً باهظة… ويظنون أنهم قادرون على بيعنا إياها.

إذا أردنا أن نعود إلى التاريخ بالإشارة من دون تفصيل وإسهاب، فالتاريخ يشهد ويقرّ أن ما يسمى اليوم ب (سوريا والأردن ولبنان وفلسطين) كانت في العصور القديمة أجزاءً من سوريا – أرض واحدة وشعب واحد – وتمّت تجزئتها ووضعوا بينها حدوداً مصطنعة من أجل إقامة دولة يهودية على أرض فلسطين، على أساس أن الصهيونية حركة قومية ودينية عريقة بعيدة الجذور، وأن فلسطين مهد الشعب اليهودي ووطنهم القديم. وها نحن اليوم في عصر العولمة نؤكد على التجزئة والتقسيم من خلال إطلاق أبواق العنصرية المتطرفة وتأجيج مشاعر الكراهية والحقد والعدوان، كي لا يؤازر الأخ أخاه ولا يشعر بوجعه! فمن هو اللبناني… ومن هو الفلسطيني… ومن هو السوري… ومن هو الأردني… ومن هو العربي؟ كل أولئك أنا وأنتم… وكل أولئك أخوتي وأخوتكم، وعزوتي وعزوتكم، وصوتي وأصواتكم… لن نرضى لأي منهم الذل والقهر… ولن نرضى لأي منهم ما لا نرتضيه لأنفسنا… لأن الزمن يدور والتاريخ على مدى العصور يتكلم!

أما لكل من يهلل للوجود اليهودي فأقول… هل يوجد هناك فعلاً شعب يهودي؟ الجواب لا!! فاليهودية دين سماوي، قد يعتنقه جماعات وأجناس وسلالات مختلفة من بني البشر، لا تربطهم وحدة دم ولا تجمعهم قرابة، تماماً كما الأديان الأخرى المنتشرة في بقاع الأرض. وما لا يقبل الشك أن نشأة الصهيونية حديثة جاءت مع الاستعمار، فلم يتجاوز عدد اليهود في فلسطين قبل الانتداب البريطاني على فلسطين عُشر السكان… ولكن السياسة الاستعمارية البريطانية عملت على تسهيل هجرة اليهود على اختلاف أجناسهم إلى فلسطين واستيلائهم على الأراضي فيها.

أما القدس فقد ارتبطت ارتباطاً وثيقاً راسخاً بالعرب المسلمين والمسيحيين نظراً لقدسيتها ومكانتها الروحية والدينية، وتجاورت في ربوعها المساجد والكنائس والمعابد. أما عن تاريخها الطويل، فقد حكمها الصليبيون عام 1099م، واستردها صلاح الدين الأيوبي عام 1187م، ثم وقعت مرة أخرى في أيدي الصليبيين لمدة 11 عاماً، ثم حكمها المماليك عام 1259م إلى أن دخلها العثمانيون عام 1615م وبقيت تحت الحكم العثماني حتى الحرب العالمية الأولى حين سقطت بيد الجيش البريطاني عام 1917م وأصبحت القدس عاصمة فلسطين تحت الانتداب البريطاني من العام 1920م إلى العام 1948م، الذي أنهت فيه بريطانيا الانتداب على فلسطين، عندئذٍ أعلن بن غوريون رئيس وزراء إسرائيل أن القدس الغربية عاصمتهم، وخضعت القدس الشرقية للوصاية الأردنية حتى عام النكسة 1967م، التي انتهت بضم القدس للاحتلال الصهيوني. ومن خلال عرض هذه التواريخ… تكلم التاريخ عن نفسه، فهل دام لأحد؟؟

ولا بدّ من العودة إلى أحداث 11 سبتمبر التي غيرت المشهد العربي من خلال تغيير مواقع حجارة الشطرنج… ها نحن اليوم على عتبات صفقة القرن، فأي حجارة سوف تبقى، وأي حجارة آيلة للسقوط.

اليوم يتكلم ترامب باسمنا ونصمت، ويقرر عنا ونقبل، ويحدد مصيرنا ونرضخ، فمن هو ترامب بلغة التاريخ والجذور والأصول التي يتغنى بها ويمنحها للصهاينة؟ هو رئيس ولايات أمريكية متحدة… يعود تاريخها وجذورها وأصولها للهنود الحمر. أما عمرها كولايات أمريكية فلا يزيد عن 150 سنة… ومؤسسوها قدموا من أوروبا.

أنهي مقالتي الموجزة التي ضمنتها رسالة كبرى لفراعنة العصر… لا شيء يبقى على حاله… ولا شيء يدوم… والتاريخ يسجل… ثم يقول كلمته!

 

د. منى الشرافي تيم

نُشِرت في عام | تعليق واحد