قراءة نقدية في رواية منى الشرافي تيّم

You
قدار مشفّرة: حين يصبح القدر خوارزمية
قراءة نقدية في رواية منى الشرافي تيّم
ليست رواية «أقدار مشفّرة» من الأعمال التي يمكن الإمساك بمفتاحها من عنوانها ثم الدخول إلى عالمها بسهولة. فالعنوان نفسه يضع القارئ أمام مفارقة أولى: كيف يمكن للقدر، وهو في المخيال الإنساني مفهوم يتصل بالغيب والمجهول وما يتجاوز قدرة الإنسان، أن يكون «مشفّرًا»؟ وهل يصبح القدر، في عصر الخوارزميات والذكاء الاصطناعي، نظامًا يمكن قراءته أو تفكيكه أو حتى إعادة برمجته؟
من هذه المفارقة تحديدًا تبدأ أهمية الرواية.
صدرت الرواية عام 2025 عن الدار العربية للعلوم ناشرون/منشورات ضفاف، وتقع في نحو 480 صفحة، ويضع الناشر الذكاء الاصطناعي في قلب المتخيّل الروائي، مع بناء جدلية بين العقل البيولوجي والعقل الآلي، وبين العلم والفلسفة والروحانية، وصولًا إلى السؤال الأكثر اتساعًا: ما مصير الإنسان في عالم تتقدم فيه التكنولوجيا بوتيرة متسارعة؟ (Arab Scientific Publishers)
لكن قيمة الرواية لا تكمن في أنها تتحدث عن الذكاء الاصطناعي فحسب؛ فهذا الموضوع أصبح حاضرًا في الأدب والسينما والفلسفة والإعلام بكثافة. القيمة الأهم في «أقدار مشفّرة» هي أنها تحاول نقل السؤال من «ماذا تستطيع الآلة أن تفعل؟» إلى سؤال أكثر قلقًا: «ماذا يبقى للإنسان إذا أصبحت الآلة قادرة على التأثير في خياراته ومصيره؟»
وهنا تتحول التكنولوجيا من موضوع للرواية إلى مرآة للإنسان.
من القدر القديم إلى الخوارزمية الحديثة
لعل أكثر ما يلفت في الرواية هو أن التكنولوجيا لا تظهر باعتبارها نقيضًا للقدر، بل تكاد تصبح صورة حديثة له.
فالإنسان القديم كان يشعر أن حياته محكومة بقوى أكبر منه، لا يستطيع رؤيتها ولا التحكم فيها. أما الإنسان الحديث، وقد امتلك الحاسوب والخوارزمية والذكاء الاصطناعي، فقد نشأ لديه وهم معاكس: أنه يستطيع أن يحسب كل شيء، وأن يتنبأ بكل شيء، وأن يحوّل المجهول إلى بيانات.
غير أن الخوارزمية، مهما بلغت قدرتها على الحساب، لا تلغي المجهول؛ إنها تعيد تعريفه.
وهنا تكتسب كلمة «مشفّرة» في العنوان دلالتها الأعمق. فالتشفير يفترض وجود نظام، لكنه يفترض أيضًا وجود سر. هناك شيء مكتوب، لكننا لا نعرف كيف نقرأه. وهناك مسار يبدو محددًا، لكن مفتاحه ليس في أيدينا بالضرورة.
وبذلك يصبح «القدر» في الرواية قريبًا من شيفرة كونية ضخمة: الإنسان يحاول قراءتها، والعلم يحاول تفكيكها، والتكنولوجيا تحاول محاكاتها، لكنه يظل عاجزًا عن امتلاك المعنى الكامل لها.
إنها، في جوهرها، مفارقة الحداثة نفسها:
كلما ازدادت قدرتنا على المعرفة، ازداد وعينا بما لا نعرفه.
الإنسان بين عقلين
تضع الرواية العقل البيولوجي والعقل الاصطناعي في علاقة جدلية. وهذه ليست مجرد مواجهة بين الإنسان والآلة، بل مواجهة داخل مفهوم «العقل» نفسه.
فالعقل البشري الذي صنع الذكاء الاصطناعي يكتشف، في لحظة ما، أنه صنع كيانًا قادرًا على محاكاة بعض وظائفه وربما تجاوزها. وهنا تبدأ المفارقة الكبرى: هل يستطيع الإنسان أن يصنع شيئًا يتجاوزه من دون أن يعرّض ذاته لإعادة التعريف؟
السؤال ليس تقنيًا بقدر ما هو وجودي.
فالإنسان لا يخشى الآلة لأنها أسرع منه فقط، وإنما لأنه قد يجد نفسه أمام كائن أو نظام لا يحتاج إلى بعض عناصر الضعف التي جعلت منه إنسانًا: الخطأ، النسيان، التردد، الانفعال، وربما الموت.
لكن المفارقة أن هذه العناصر نفسها قد تكون مصدر إنسانية الإنسان.
فالآلة تستطيع أن تحسب، لكنها لا تجعل الحساب معنى. تستطيع أن تعالج البيانات، لكن تحويل البيانات إلى تجربة وجودية شيء آخر. تستطيع أن تتنبأ بسلوك، لكن التنبؤ بالسلوك لا يساوي بالضرورة فهم الإنسان.
من هنا يمكن قراءة الرواية بوصفها دفاعًا غير مباشر عن اللايقين الإنساني.
فالإنسان ليس كائنًا مكتمل التعريف، ولذلك يستطيع أن يغيّر نفسه. أما النظام الذي يطمح إلى تحويل الإنسان إلى مجموعة متغيرات قابلة للحساب، فيخاطر بأن يحوّل الحرية نفسها إلى معادلة.
هل نختار مصائرنا أم ننفذها؟
هذه هي العقدة الفلسفية الأكثر إثارة في «أقدار مشفّرة».
إذا كانت التكنولوجيا قادرة على التنبؤ بخياراتنا استنادًا إلى بياناتنا وسلوكنا السابق، فأين تبدأ الإرادة الحرة وأين تنتهي؟
ولو عرف نظام ذكي أنك، في ظروف معينة، ستتخذ قرارًا معينًا، فهل يعني ذلك أن قرارك كان محتومًا؟ أم أنك تظل حرًا حتى لو كان من الممكن التنبؤ بقرارك؟
الرواية لا تبدو معنية بتقديم إجابة نهائية بقدر اهتمامها بإبقاء السؤال مفتوحًا. وهذا يتوافق مع حديث الكاتبة عن النهاية المفتوحة، ورفضها تحويل الرواية إلى سلسلة متتابعة، مؤكدة أن العمل يمكن أن يظل مكتملًا ويترك للقارئ مساحة للتأمل. (Next LB)
وهذه النهاية المفتوحة ليست مجرد خيار فني؛ إنها تتلاءم مع موضوع الرواية نفسه.
فالرواية التي تتحدث عن القدر لا تستطيع أن تكون مغلقة تمامًا من دون أن تناقض سؤالها المركزي. إذا كانت كل الإجابات محسومة، فقد انتصر الحتم على الاحتمال. أما حين تترك الرواية شيئًا معلقًا، فإنها تعيد القارئ إلى المنطقة التي بدأت منها: من يكتب الشيفرة؟
«التشفير» بوصفه استعارة سردية
العنوان هنا ليس زينة لغوية.
«أقدار مشفّرة» عنوان يؤدي وظيفة بنيوية؛ لأنه يضع القارئ منذ البداية داخل عالم لا تكون فيه الحقيقة مكشوفة بصورة مباشرة. وقد أوضحت الكاتبة في حوار لاحق أن اختيار العنوان كان جزءًا من الرحلة الكتابية نفسها، وأنه مرتبط برؤيتها للنص والغلاف. (منى الشرافي تيم)
والتشفير، من الناحية الأدبية، مناسب جدًا لفكرة الرواية.
فالنص المشفّر يفترض قارئًا لا يكتفي بالمشاهدة، وإنما يحاول فك العلامات. ولذلك فإن القارئ هنا يصبح شريكًا في إنتاج المعنى، لا مجرد متلقٍّ لحكاية جاهزة.
وهذا يفسر ربما لماذا تتجاوز الرواية، في تصورها، حدود الخيال العلمي التقليدي. فالخيال العلمي فيها ليس غاية مستقلة، بل وسيلة لطرح أسئلة تتعلق بالإنسان وموقعه في الكون. وقد وصفت الكاتبة نفسها الرواية بأنها تمزج الذكاء البيولوجي والذكاء الاصطناعي والقدر في بنية سردية واحدة. (منى الشرافي تيم)
من الخيال العلمي إلى الرواية الفكرية
تصنيف «أقدار مشفّرة» باعتبارها رواية خيال علمي صحيح جزئيًا، لكنه غير كافٍ.
فالخيال العلمي في الرواية يعمل كـ أداة تفكير أكثر من كونه مجرد إطار للأحداث. وهذا ما يمنح العمل فرصة للانتقال من سؤال التكنولوجيا إلى سؤال الفلسفة.
لكن هنا تظهر إحدى أصعب مشكلات هذا النوع من الكتابة: كيف يمكن للرواية أن تحمل فكرة فلسفية كبيرة من دون أن تتحول إلى مقال فلسفي طويل؟
هذه المسافة بين الرواية والفكرة هي التحدي الحقيقي الذي تواجهه «أقدار مشفّرة».
كلما ازدادت الأسئلة الفكرية في العمل، ازدادت الحاجة إلى أن تحملها الشخصيات والأحداث والصراعات، لا أن تحملها اللغة التفسيرية وحدها. فالقارئ الروائي يريد أن يعيش الفكرة قبل أن يسمع شرحها.
ومن هذه الزاوية تحديدًا يمكن أن يكون أحد جوانب القوة في الرواية هو جرأتها على تحميل السرد أسئلة كبيرة، بينما يمكن أن يكون أحد مواطن التوتر فيها هو خطر أن تصبح الفكرة أحيانًا أثقل من الحدث.
وهذا ليس حكمًا بإدانة الرواية، بل هو سؤال فني جدير بالطرح على كل رواية فكرية:
متى تتحول الفلسفة إلى عمق روائي، ومتى تتحول إلى خطاب داخل الرواية؟
اللغة بين الشعر والتقنية
من المثير في تجربة «أقدار مشفّرة» محاولة الجمع بين حقلين لغويين متباعدين: لغة التكنولوجيا، بما فيها من مصطلحات ودقة ومفاهيم تقنية، ولغة التأمل الوجودي، التي تميل إلى المجاز والأسئلة الكبرى.
هذا المزج يمكن أن يكون مصدرًا لجمالية خاصة.
فالآلة تتحدث بلغة النظام، بينما الإنسان يتحدث بلغة الذاكرة والخوف والرغبة والحلم. وبين اللغتين تتشكل المسافة التي تحاول الرواية استكشافها.
وقد أشارت قراءة منشورة للرواية إلى حضور اللغة الشاعرية والتصويرية إلى جانب المفردات التقنية، ورأت في هذا المزج إحدى سمات العمل اللافتة. (منى الشرافي تيم)
غير أن المزج بين اللغة الشعرية والمصطلح التقني يحتاج إلى حساسية عالية؛ لأن الإفراط في أي منهما يمكن أن يخل بالتوازن. التقنية الزائدة قد تجعل السرد باردًا، والشعرية الزائدة قد تجعل المفهوم العلمي مجرد خلفية جمالية.
والنجاح الحقيقي هنا هو أن يشعر القارئ بأن العلم نفسه أصبح جزءًا من شعرية الرواية.
حين يدخل الغيب إلى المختبر
ربما أكثر مناطق الرواية جرأة هي تلك التي لا تضع العلم في مواجهة الروحانية بصورة تبسيطية.
فالرواية، بحسب توصيف الناشر والحورات المتعلقة بها، تتحرك في مساحة تجمع العلم والفلسفة والروحانية، وتعيد طرح السؤال عن حدود المعرفة الإنسانية. (Arab Scientific Publishers)
وهذا الجمع يطرح سؤالًا حساسًا: هل العلم قادر على تفسير كل شيء؟
الرواية لا تبدو وكأنها تريد إلغاء العلم، بل على العكس، تمنحه مساحة واسعة. لكنها ترفض في الوقت نفسه أن يتحول العلم إلى عقيدة جديدة تدّعي امتلاك الإجابة النهائية.
وهنا تصبح الروحانية، في أفضل مستويات القراءة، ليست بديلًا من العلم، وإنما تذكيرًا بأن الإنسان لا يعيش بالمعرفة وحدها.
فالإنسان يستطيع أن يعرف كيف تحدث الأشياء، لكنه سيظل يسأل: لماذا؟
وهذه الـ«لماذا» هي المساحة التي لا تستطيع الخوارزمية وحدها إغلاقها.
الإنسان بوصفه شيفرة
في النهاية، ربما لا يكون السؤال الحقيقي في «أقدار مشفّرة» هو: هل تستطيع الآلة أن تصبح مثل الإنسان؟
السؤال الأكثر إزعاجًا هو:
هل يمكن أن يصبح الإنسان مثل الآلة؟
أي: هل يمكن أن نختصر الإنسان إلى بيانات؟
إلى أنماط سلوكية؟
إلى احتمالات؟
إلى قرارات يمكن توقعها مسبقًا؟
إذا حدث ذلك، فإن الخطر لا يكون في أن تنتصر الآلة على الإنسان، بل في أن يقبل الإنسان بنفسه أن يُختزل إلى نموذج حسابي.
وهنا يكتسب «القدر» معنى جديدًا.
فالقدر ليس بالضرورة شيئًا مفروضًا من الخارج فقط؛ قد يكون أيضًا مجموع القيود التي نصنعها لأنفسنا، ثم ننسى أننا صنعناها.
وقد تكون التكنولوجيا إحدى هذه القيود عندما تتحول من أداة تساعد الإنسان إلى نظام يحدد له ما يريد، وما ينبغي أن يختار، وما يمكن أن يكونه.
الرواية وسؤال المستقبل
تكتسب «أقدار مشفّرة» أهمية إضافية لأنها صدرت في لحظة لم يعد فيها الذكاء الاصطناعي موضوعًا بعيدًا عن الحياة اليومية. لقد أصبح حاضرًا في التعليم والعمل والإعلام والكتابة والصورة والبحث وصناعة القرار.
ومن هنا فإن الرواية لا تتنبأ بالمستقبل بقدر ما تدخل في حوار مع حاضر يتشكل أمام أعيننا.
وفي هذا السياق، يبدو ما كتبته الكاتبة لاحقًا عن انتقالها من «أقدار مشفّرة» إلى مشروع موجّه للناشئة، يضع سؤالًا قريبًا: كيف يحافظ الإنسان على إنسانيته في زمن تتسارع فيه الآلة؟ (منى الشرافي تيم)
وهذا يكشف أن سؤال الرواية لم يكن بالنسبة إلى صاحبتها سؤالًا تقنيًا عابرًا، بل جزءًا من انشغال أوسع بمستقبل الإنسان في العصر الرقمي.
ما الذي يميز «أقدار مشفّرة»؟
يمكن تلخيص أهمية الرواية في أنها تحاول جمع ثلاث دوائر عادة ما تبقى منفصلة:
العلم، والقدر، والإنسان.
العلم يسأل: كيف يعمل العالم؟
والفلسفة تسأل: ماذا يعني أن نكون موجودين؟
والروحانية تسأل: هل هناك ما يتجاوز حدود معرفتنا؟
أما الرواية فتضع الأسئلة الثلاثة في غرفة واحدة.
وهنا تكمن جرأتها.
لكن جرأة الموضوع لا تعني بالضرورة اكتمال التجربة الفنية؛ فالرواية الفكرية تظل مطالبة، مثل أي رواية أخرى، بأن تمنح القارئ شخصيات حية، وصراعًا مقنعًا، وإيقاعًا سرديًا يحول الأفكار إلى تجربة محسوسة.
ومن هذه الزاوية تحديدًا ينبغي أن تُقرأ «أقدار مشفّرة»: لا بوصفها كتابًا عن الذكاء الاصطناعي، بل بوصفها محاولة لجعل التكنولوجيا لغة جديدة للسؤال القديم عن المصير.
خاتمة: من يملك الشيفرة؟
قد يكون السؤال الذي تتركه «أقدار مشفّرة» وراءها أبسط من كل الأسئلة التي تطرحها:
إذا كانت أقدارنا مشفّرة، فمن كتب الشيفرة؟
وإذا كان الإنسان هو الذي صنع الآلة، ثم أصبحت الآلة قادرة على التأثير في الإنسان، فهل نحن أمام دائرة مغلقة يعود فيها الصانع إلى مواجهة صورته التي صنعها بيديه؟
هنا تتجاوز الرواية حدود التكنولوجيا.
فالآلة تصبح مرآة.
والشيفرة تصبح استعارة.
والقدر يصبح سؤالًا عن الحرية.
والعلم يصبح اختبارًا لحدود المعرفة.
والإنسان يجد نفسه، في النهاية، أمام أخطر اكتشاف ممكن: ربما لا تكمن المشكلة في أننا لا نستطيع فك شيفرة أقدارنا، بل في أننا قد نكون منهمكين في بناء شيفرات جديدة لأنفسنا، ثم نعيش داخلها معتقدين أنها قدر لا يمكن تغييره.
لهذا فإن القيمة الأعمق لـ«أقدار مشفّرة» لا تكمن في محاولتها الإجابة عن سؤال المستقبل، بل في أنها تعيد إلينا سؤال الحاضر:
حين تصبح الآلة أكثر قدرة على معرفة ما سنفعله، هل نبقى نحن قادرين على أن نفعل ما لم تتوقعه؟
ربما تكون هذه هي آخر مساحة حقيقية للحرية.
وربما تكون، أيضًا، آخر شيفرة لم تُفك بعد