مشاعر مهاجرة

يتيه الحبُ في وهن طيوف العشق
أخيلة عمرٍ كأسراب مشاعر مهاجرة
من أعاصير الوهم هاربة
تُثملها الكؤوس الفارغة
تسير في اتجاهات تحيّرها
تشرّق بها الدروب وتغرّبها
تتوه بها النوايا
لتبدأ من جديد

نُشِرت في عام | 2 تعليقان

“ألزهايمر”

أقصوصة غازي عبد الرحمن القصيبي “ألزهايمر”, الصادرة عن بيسان للنشر والتوزيع والإعلام. رسالة ألم ومعاناة, حين يقف الإنسان عاجزا, وحائرا, وضائعا, وكل الطرق لديه مجهولة الهوية, يهيم بخطاه وكأنه يسير باتجاه رؤى ضبابية, وهو غير قادر على تحديد مساره. كم هو مؤلم أن تكون الذكريات مدعاة لزيادة العذابات, والأشد إيلاما هو عدم التذكر!
“ألزهايمر”, مجموعة من الرسائل, تمكّن القصيبي من خلالها أن يقدم للقارئ العربي في صفحات قليلة حملت في عمقها الكثير, من وصايا تحمل بين طياتها الإرشاد والتنبيه والحكمة والعبرة, وأن حياة الإنسان مهما طالت فلا بد من أن تتحول يوماً إلى مجرد ذكرى, والماضي قد يكون جزءاً من قسوة الحاضر. وقد ترجم القصيبي كل ما جال في فكره ووجدانه وذاكرته وعصارة خبرته فيها. وكل هذا كان من خلال راوي الأقصوصة يعقوب العريان, الذي كتب لزوجته نرمين إثنتي عشرة رسالة أثناء إقامته في مصح لمرضى “ألزهايمر” في سانتا باربره في امريكا, بإشراف طبيبه البروفسور “جيم ماكدونالد” الذي أصبح مع مرور الوقت صديقه. ومرضى المصح كما يصفهم العريان هم :”صفوة الصفوة” وبعضهم من المشاهير. وقد بثّ في رسائله إلى زوجته مشاعره وأحاسيسه, ورسم فيها ظلال فلسفته العميقة البعيدة المدى في عراكه مع اليأس, ومواجهة المرض, الذي يهدد كيانه وينبئه باقتراب تلاشي ماضيه من خلال العطب الذي أصاب ذاكرته, واستحواذ الهواجس, التي تتأرجح في مخيلته كونه عرضة للزوال, وهو يرى فسحة رؤاه الآنية والمستقبلية تضيق, وعجلة القدر التي تؤكد مرارة دروب الحياة, تسير بثبات لتسحق ماضيه بأحلامه المعلقة وأحزانه الغائرة. ربما وجد العريان في كتابة الرسائل, ما يؤنس وحشته, فالإحساس بالخوف هو رد فعل طبيعي في مواجهة التحديات الطارئة, والتجارب القهرية القاسية التي تجبره على ملامسة الموت ملامسة حقيقية.
حين تأكد للعريان إصابته بالزهايمر, بدأ يراقب نفسه ويتنبه للتغييرات في شخصيته, فخشي تسارع ظهور أعراض المرض, التي تتمثل بفقدان القدرة على القيام بالوظائف اليومية, أو اضطراب في الحكم على الأشياء, والتوهان عن الأشخاص الذين يحبهم. ويعبر عن قسوة هذا المرض قائلا: “صديقي الزهايمر لا يفرق بين شيء جيد وشيء سيء” ويضيف: ” بلا ذاكرة لا توجد تجارب..لا يوجد سوى فراغ..فراغ الموت”. لذلك وقف من الحياة ومن مرضه موقفاً واقعياً, حين آثر الهروب إلى الوحدة والغربة, وتقبل الألم وتعايش معه, فقرر الانسحاب من حياة زوجته نرمين وولديهما, زهير وهيفاء, كي لا يزعجهم, أو قبل أن يكون هناك مبرر لإزعاجهم. هو يعلم أن حب زوجته له عميق وكبير, ويعلم أنها لن تتخلى عنه, ولكنه لا يريد أن يتحول حبها له مع مرور الوقت إلى شفقة وعبء ثقيل: “لن يبقى سوى النقمة المتخفية تحت قناع الشفقة”. نرمين هي الزوجة الثالثة للعريان, وهي بالنسبة إليه امرأة ليست ككل النساء, فهو يصفها بالنادرة, ويرى أنه كان محظوظاً جداً حين تعرّف إليها. وحين يذكر أنه يكبر زوجته بربع قرن, نجده ينتقد “أسر الأرقام” , ويتساءل: “هل هناك قفص أضيق من هذا القفص؟” مؤكداً أن السعادة الحقيقية تكون في التخلص من الأرقام.
تمكّن القصيبي من خلال أقصوصته, من تمرير عدد من الانتقادات الاجتماعية والسياسية بأسلوب ساخر لا يخلو من التهكم, حين سرد في إحدى رسائل العريان إلى زوجته, وبطريقة ذكيّة جدا, السياسة الأمريكية الصهيونية وعلاقتها بالعرب على لسان زميل له في المصح, جعله مرض الزهايمر يدّعي أنه “هنري كيسنجر”, الذي اتفق مع الرئيس الأمريكي “ريتشارد نيكسون” على إرسال الأسلحة المتطورة إلى اليهود, وإمدادهم بأكبر جسر جوي في التاريخ. وبعد انتهاء المعركة وانتصار اليهود, يذهب نيكسون إلى العرب ويقنعهم أن ما فعلوه, كان لصالحهم. كما انتقد فصل النساء عن الرجال, ورأى أن الاختلاط: “لم يصبح منكراً عظيماً وطامةً كبرى إلا في عصور الأمة المتخلّفة”. وأكد الدور الذي يلعبه الحظ, حين يحالف البعض ويتخلّى عن آخرين, فالعريان لم يكن ليصبح رئيساً لمجلس إدارة بنك الدهناء لولا الأسهم التي ورثها عن والده. وأن زوجته نرمين, التي لم تكن لتصبح مديرة قسم الاستثمار في بنك المعادي الدولي, ولم يتجاوز عمرها الثلاثين عاماً, لو أن والدها كان لا يملكه. ثم سخر من مرض ألزهايمر حين قال: “إن هذا المرض أرستقراطي جداً وإن عدداً من “صفوة الصفوة” في الغرب أصيبوا به”. واستشهد بقول “رونالد ريغان”, الذي أصيب بالمرض: “هذا مرض جميل! تُقابل الأشخاص أنفسهم وتظن أنك ترى وجوهاً جديدة كل يوم”.
التاريخ النفسي للذاكرة هو الذي يصقل ذهنية المرء, لذلك تتفاعل الذكريات في ذهن العريان وتأخذ حيّزها, فتصبح كالأرواح التي غادرت أجسادها, ولم تتحرر من سجن الأرض, فتغدو تائهة بلا مأوى. ثم يفاجئنا الكاتب حين يُحيي الذكريات, ويبث فيها الروح, ويجعلها تهاجمه بإصرار, كأنها تريد أن تسجل نفسها, وتثبت أنها على قيد الحياة, قبل رحيلها إلى الأبد. وقبل أن يذهب بعيدا يعود ويتساءل: “هل للذكريات حياة؟ هل لها روح؟ وهل لها عقل؟”. كل هذا وما زالت ذكرى “المرّة الأولى” تزعجه, هو يحاول طردها ولكنها تفرض نفسها على ذاكرته: “لأنها تجيء ثم تتملص وتهرب قبل أن تتكشف”. ويضيف: “أليست الأشياء السيئة في طفولتنا سير العذاب الذي نعاني وطأته طيلة حياتنا”. وحين يتناقش مع صديقته في المصح البليونيرة “اليزابيث جرينجر” في موضوع ذكريات المرّة الأولى, تخالفه التوجّه حين تقول له: “مشكلتي هي مع ذكريات آخر مرّة !”.
وفي خضم المعاناة والأفكار المظلمة التي مرّ بها العريان, بقي متمسكا بظلال الأمل, فهو كالغريق الذي يبحث عن قشة النجاة. فالحب بالنسبة إليه أقوى من الموت, إلا أنه عجز عن الانتصار على المرض اللئيم. ويتساءل إذا كان هناك قوة تقهر النسيان؟! فلا يجد أمامه قوة أعظم من قوة الإيمان. ثم يتساءل مرة أخرى: “ماذا عن الإيمان؟ أليس الإيمان أقوى من الحب؟” وحين لم يجد الأجوبة التي بحث عنها, ارتأى أن يواجه واقعه, فخاطب زوجته في رسالته الأخيرة: “الحق أقول لك يا نرمين: الكرامة البشرية مرتبطة…بالعقل البشري. إذا ذهب العقل ذهبت معه الكرامة”. ويبدو أن قلبه لم يتحمل ضياع عقله, ووجد في الموت الجواب والمخرج. فتوفي على أثر نوبة قلبية حادة ومفاجئة. سلّم بعدها الدكتور “جيمس ماكدونالد”, أوراق العريان ورسائله إلى زوجته, بوصيّة منه قبل وفاته.
إننا اليوم أمام كتاب, وعلى الرغم من حجمه الصغير, إلا أنه يحمل بين ثنايا صفحاته فلسفة الحياة والموت, وحكم القدر, والإنسان كقيمة ووجود, وصدامه مع الواقع, وصراعه من أجل البقاء. وتغلغل الماضي الذي له الدور الأكبر في حياتنا, الذي عبر عنه القصيبي خير تعبير حين قال: “آه! كيف تستطيع أمّة أن تصنع مستقبلها وهي في قبضة ماضيها يعصرها عصراً”. كل عبارة من عبارات هذا الكتاب تؤسس لأن تكون رؤية جديدة, فيها حكمة, وكل صورة تحمل مغزى وانطلاقة حرّة. فالزمان غفلة قد يحمل في غيبه الحلم والأمل, أو التيه في ظلمات اليأس والانكسار.
منى الشرافي تيّم.

نُشِرت في عام | 2 تعليقان

هل نحن فعلاً أحياء؟؟؟

هل نحن فعلاً أحياء؟؟ وكيف نكون أحياء، وقد هجرتنا المشاعر الجميلة، وأصبح الحب فيها كوجبة لذيذة شهية، نلتهمها دفعة واحدة، نتخم بها أمعاءنا، لأننا لا نعرف كيف نستسيغ طعمها ونستمتع بها. وأصبحت الأحاسيس النابضة مضيعة للوقت!!
هل نحن فعلاً أحياء… ونحن نمضي ساعات وظيفية معقدة ومملة، وكأنها مسيّرة ببرمجة عولمية مادية ووهمية في مؤسسة كبر وكثر علينا فهمها…اسمها الحياة؟!
الحياة أحجية… تناتشنا أجزاءها فرادى… فتاهت منا جماعة …ولم ولن تكتمل الصورة!!
أمخطئة أنا؟!… ربما أكون كذلك … في شريعة هذا الزمان… فكيف أكمل مسيري في طريق، تماهت في غيّها دهاليزه؟ وتاهت على ضفافها شريعتي!!

نُشِرت في عام | 6 تعليقات

مفتاح قلبي

مفتاح قلبي
ريحانةُ الحبِّ عبقَ
عبيرُها…
شَهْدُ نسائمِ الهوى
أدراجُها…
نفحةُ الروحِ تجلّياتُها
أيقونةِ العشقٍ…
بروقُ النفسِ لها انبلجتْ
رُبى طبيعةٌ يانعةُ أزاهيرُها
غبطةُ أطيارها غرّدتْ أنغامَها
لظلالٍ…
أرختْ ملامحَ الكمالِ
منحتْ الورى أطيافَه
وأَسَرَتْ هياكلَ الجمالِ
ووشّحتْهُ برُقيةٍ من السحرِ
رموزُها حروفٌ صهرَتْها
ألسنةُ لهيبِ الشوقِ دهراً
فأشرقت شمساً
وغَرُبت أُفقاً توهّجَ مُشتعلاً
… رموزٌ…
… هي…
لقلبـي مفتاح

نُشِرت في عام | 2 تعليقان

هاجس الجمال… إزدواجية وانفصام

الجمال اليوم أصبح هاجساً يؤرّق مضجع المرأة العربية, فهو بالنسبة إليها سباق ماراثوني طويل لا نهاية له, وصراع مرير مع المرآة, التي تغيرت ملامح وظيفتها, حين بدأت تعكس ثقافة توقّف الزمان, والتملص من خطوط السنين والعمر. كما أن تضخم فكرة اقتناء الجمال بشكلها اللافت, جعلها تسيطر على عقول النساء وتفكيرهن, وحوّلهن إلى رهائن في متاهات العيوب الوهمية, فتحول مفهوم اقتناء الجمال لديهن من مجرد فكرة أو موضة دارجة, إلى نوع من الوسواس المَرضي, الذي بدد أموالهن وأقلق راحتهن, وقلل ثقتهن بأنفسهن, وبدل أن يقودهن إلى الرضى والقبول والراحة النفسية, قادهن إلى الإحباط والتوتر والقلق والاكتئاب, والبحث المضني والمستمر في عيون الناس عن نظرة إعجاب, أو تصيّد بعض عبارات الثناء من هنا أو هناك على جمالهن من أيٍ كان, فقط لإرضاء نوع من الغرور, عجزت النظرات, وكلمات الإعجاب, وعمليات التجميل عن الوصول به إلى بر الرضى.
إن وسواس الجمال القهري المرضي, يتمثل في عدم اعتراف المصابات به بتقدم العمر, وإصرارهن على العودة إلى ملامح الصبا والاحتفاظ بها, كما يتمثل في محاولاتهن التشبه بالنجمات الشهيرات اللواتي أجرين عشرات العمليات التجميلية. والاقتناع بهذه المظاهر له أبعاد خطيرة جداً, من شأنها أن تجرف المرأة إلى التمسك بالقشور, وسطحية الفكر والهدف والدور, والتواري خلف أقنعة الجمال الزائف الزائل, فالجمال في أي وقت وأي مكان, أمر نسبي لا يمكن أن يُحدد له أطر أو مقاييس, ويخضع عموماً لأذواق الناس واختلاف رؤاهم وثقافاتهم وعاداتهم وتقاليدهم وأحوالهم النفسية.
تبدأ علاقة المرأة بالمرآة منذ طفولتها, فهي تروي ظمأها الخارجي وترضي أنوثتها إن كانت تتمتع بالجمال, وتقابلها بالتجهم والسخط والغضب إن كانت على نسبة متدنية منه. كما تحمل الأنثى في أعماقها أسئلة كثيرة لطالما, وما زالت تبحث لها في مرآتها عن أجوبة, وعلى وجه الخصوص تلك التي تعكسها نظرة الرجل إليها. وهذه النظرة بالنسبة لعدد كبير من النساء قد تكون مرآتهن الحقيقية التي يجهدن كي يرين انعكاس صورتهن فيها. كما قد تبحث المرأة في مرآتها عن انعكاس صورتها في أعين نساء أخريات ينافسنها على عروش الجمال الوهمية من صنعها وصنعهن. والمرأة بذلك تطبّق المثل القائل: “لا تحزن المرأة على قلة ما عندها, بل على كثرة ما عند غيرها”.
ولتتربع المرأة العربية العصرية على عرش الجمال, تكلّفت في التأنق والتألق, وبذّرت أموالها من أجل اقتناء أفخر “الماركات” العالمية من المجوهرات والثياب والحقائب, لتتناسب مع ظهورها الاجتماعي. وكل ذلك, ليس للشعور بالرضى الذاتي, بل كي تتفوق على صديقاتها, وكي تشير إليها الأخريات وتثبت حضورها بينهن. والمضحك المبكي حين تُحدد قيمة المرأة ومكانتها بين نساء المجتمع من ثمن حقيبة يدها و”ماركتها”. إلا أن كل هذا المجد الزائف لم يُرضِ غرور المرأة, فهناك كثيرات ربما تفوّقت عليهن مادياً, إلا أنهن ربما تفوّقن عليها جمالاً, مما جعلها تلجأ إلى عمليات التجميل, فشفطت وشدت وكبّرت ونفخت, إلى أن تحولت إلى دمية مشوّهة خالية الملامح والمعالم. وكل هذا سبّب لها اضطراباً في شخصيتها الحقيقية, وضياعاً لهويتها النفسية. لأن داخلها لا يتناسب ولا يشبه في شيء مظهرها الخارجي الجديد عليها, والغريب على الناس, والمحيّر لمرآتها. وهذا الضياع نتيجته الطبيعية, العيادات النفسية, لمعالجة الانفصام والازدواجية بالعقارات المهدئة وأدوية الاكتئاب.
ولا بد هنا من الإشارة والتأكيد على إيجابيات وفوائد عمليات التجميل, التي لا يمكن إنكارها من ناحية إصلاح خلل ما, أو تجميل بعض التشوهات الخَلقية, أو إجراء بعض التعديلات, التي لا تبدل أو تغير شكل الملامح الطبيعية. ولكن للأسف, استغلها البعض بصورة سلبية, وأصبح إجراء العمليات التجميلية موضة تتغير وتتبدل مع تغير المواسم والفصول. وهي في كثير من الأحايين تأتي بنتائج عكسية, فتزيد الحالة سوءاً, وقد تُحدث تشوهاً لا يمكن إصلاحه.
إن الاهتمام بالمظهر والجمال الخارجي بالنسبة للمرأة أمر جوهري وشيء طيب, فالإطلالة الراقية لها تأثيرها وحضورها, خصوصا إذا ما ترافقت مع الشخصية القوية الواثقة, المتسلحة بالفكر والثقافة والموهبة والذوق المصفّى, بغض النظر عن مستوى الجمال أو ماركة الثياب. ومما لا شك فيه أن المظهر يعكس حقيقة الجوهر, فإذا كان الجوهر جميلاً سيضفي مسحة من الجمال العفوي الفِطري. هو نوع من الجمال لا تشتريه المادة, ويعجز عن صنعه مبضع صانع الجمال.

نُشِرت في عام | أضف تعليق

أعترف… وأقرّ…

أعترف… وأقرّ…
الحياةُ خياراتُها معقّدةٌ
تحدّياتُها خطرةٌ
مواجهتها…
ضرورةٌ ونضالٌ
ضرباتُها موجعةٌ
دوّاماتُها مُغرِقةٌ
أحكامُها قاسيةٌ
تَكْسِر النفسَ وتُضْعِفُها
ولكنْ!!
هنا نقف…
لحظة تأمّلٍ وأملٍ
نتحلَّى بإرادةِ صُمودٍ
تُدوّي بصدى صوتٍ عميقِ المدَى
يمتدُّ إلى مكامنِ نفسٍ
تَهْمِسُ…
ما لا يقتُلْكَ اليومَ يجعلُكَ أقوى
كبواتُنا لا تعني سقوطَنا
قد تكونُ فيها قيامتُنا
والتّمسُّكُ بأولوياتِنا
بدونِها…
تفقدُ الحياةُ أجملَ معانيها
وأغلى ما فيها…

نُشِرت في عام | 4 تعليقات

مروان البرغوثي راوياً الألف يوم في السجن الإسرائيلي

“إذا كان ثمن حرية شعبي هو فقداني لحريتي…فسأدفع هذا الثمن”
إننا اليوم أمام كتاب فريد, حروفه حيّة تنبض صموداً وبسالة, حبرها الألم والمعاناة في مواجهة الهمجية والسادية الصهيونية, التي تسعى إلى اقتلاع الفلسطيني من منابته واجتثاثه من أصوله. والمناضل الفلسطيني مدعو لأن يلتصق بقضيته وأرضه, فهي قضية وجود وضمير وكيان ومستقبل, يرويها لنا الأسير مروان البرغوثي في كتابه “ألف يوم في زنزانة العزل الانفرادي”, الصادر عن الدار العربية للعلوم, وقدّم له الإعلامي زاهي وهبي, الذي وعد نفسه أن يستضيف مروان البرغوثي في برنامجه “خليك بالبيت”.
كل الدلائل تشير إلى أن إسرائيل التي تتغنى ليل نهار بالديمقراطية, تضرب كل يوم بعرض الحائط المواثيق الدولية وتنتهك حقوق الإنسان, من خلال نزعتها العدوانية والإرهابية, حين تصوّر إرهابها الحقيقي والفعلي على أنه دفاع عن النفس وحق في البقاء, وصاحب الحق الفعلي ومطالبته به تحوله إلى إرهابي عليها مقاومته بكل السبل, وهدفها الخلاص من المناضلين والقضاء عليهم…ولكن روح الجهاد المتأصلة عند الفلسطيني صاحب القضية, الذي وهب عمره لقضيته, تقف عصيّة عليهم…فها نحن أمام المناضل البرغوثي, الذي تحدّى عدوه المتمثل بمُعتقِلُه المحقق “غزال” في عقر داره ومركز قوته وتفوقه, والذي واجهه للمرة الثانية, فقد سبق أن حقق معه حين تم اعتقاله في مقتبل شبابه عام 1978, قائلاً: “أنت كبرت مع القوة والاضطهاد, ولكنني كبرت مع الشموخ والقوة…”. واعتبر البرغوثي أن المعركة بينه وبين المحقق غزال معركة مناضل من أجل شعبه, ومحتل ومعتدٍ أثيم.
خطّ مروان البرغوثي في كتابه “ألف يوم في زنزانة العزل الانفرادي”, تجربة اعتقاله وتنقله في الزنازين الانفرادية التي كانت – بمنزلة قبور للأحياء – في إضاءة منه على الوحشية الصهيونية التي تنتهجها في معتقلاتها, وأساليب التعذيب الهمجية التي يتفنن بتطويرها ضباط الاحتلال وجنوده بحق الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين, فنجده يصف معتقل “المسكوبية” الذي يطلق عليه الأسرى اسم “المسلخ”, وهو المكان الذي يمارس فيه الضباط الصهاينة أبشع عمليات التعذيب والانتهاكات الإنسانية, التي شبهها البرغوثي بالموت البطيء, ظناً منهم أنهم باعتقاله قد اعتقلوا الانتفاضة الفلسطينية, غير مدركين أنها حركة مقاومة شعبية لا تتوقف باعتقال فرد ولا باعتقال المئات والألوف.
أمضى البرغوثي عند اعتقاله عام 2002, في زنازين “المسلخ” ما يقارب الأربعة أشهر, وعانى خلالها ما عاناه من أساليب التعذيب المبتكرة, وكان أقساها بالنسبة إليه الحرمان الكامل من النوم, والهجوم النفسي والمعنوي من خلال التركيز على نظرية المؤامرة العربية والفلسطينية ضده, التي طالبت بالقضاء عليه والخلاص منه ومن هم مثله. وركز المحققون الصهاينة في تحقيقهم مع البرغوثي على قضايا كثيرة, أبرزها المطالبة بمعلومات تدين الرئيس ياسر عرفات من جهة, وإقرار منه بفشل الانتفاضة والمقاومة وعدم جدواهما من جهة أخرى, وأكدوا له أن معلومات كهذه كفيلة بإنهاء قضيته وخلاصه من الاعتقال. إلا أن صمود البرغوثي كل هذه المدة أفقدهم الأمل في إجباره على الاعتراف بأي أمر, مما جعلهم ينقلنوه إلى معسكر سرّي أطلق عليه اسم “مملكة المجهول والحرب الخفية”, حيث لا قيود ولا حدود ولا رقابة على التعذيب. وحين قال له أحد المحققين بهدف تخويفه, أنه الآن في مكان مخيف, وأن إصراره على عدم التجاوب معهم أجبرهم على إحضاره إليه, فأكد له البرغوثي أن: “الزنازين في السجون تتساوى…وليس للأسير من زنزانة أو سجن ينتمي إليه”. وعلى الرغم من مرور الأيام القاسية والمريرة, إلا أنها زادته تحدياً وصموداً, وكان يسجل في كل يوم يمضي على وجوده في ذلك المعسكر, انتصاراً منه على جلاديه….وحذّر البرغوثي في كتابه المناضلين والأسرى من الدور الكبير الذي يلعبه العملاء, الذين هم جزء من فريق التحقيق, وهم أكثر خطورة من ضباط المخابرات الإسرائيلية في كشف المعلومات وتوريط المعتقل.
قررت حكومة الاحتلال تقديم البرغوثي إلى المحكمة المدنية بعدما أعدّت له لائحة اتهامات تشمل أكثر من 52 تهمة. والتعمد بتقديمه إلى محكمة جنائية تستهدف إبراز معاناة الطرف الإسرائيلي, وإخفاء معاناة الطرف الفلسطيني. وهذه هي السياسة الصهيونية, وهي تسخير الإعلام العالمي لصالحها كذباً وبهتاناً, والعمل على إلقاء الستائر السود على أفعالها الشنيعة ومجازرها ضد الشعب الفلسطيني… رفض البرغوثي المحاكمة وقرر عدم تكليف محام للدفاع عنه, وعدم التعاطي مع لائحة الاتهامات… وفي مرافعته في المحكمة خاطب الإسرائليين بالقول: “لماذا يصر اليهود على تكرار ما تعرضوا له وما عانوا منه عبر التاريخ في مواجهة الشعب الفلسطيني؟”… وطالب البرغوثي بحملة عربية ودولية وحقوقية تنادي باعتبار المعتقلين في سجون ومعسكرات الاحتلال الإسرائيلي: “أسرى حرب”. فقد أصدرت المحاكم الصهيونية على مدى السنين, أحكاما ظالمة وجائرة أدت إلى قضاء الآلآف من الأسرى سنوات أعمارهم خلف القضبان.
في مطلع كانون الثاني من عام 2003, نُقل البرغوثي إلى زنزانته في سجن الرملة, التي وصفها بالقبر الموحش, عانى فيها العذاب النفسي والروحي. وعلى الرغم من كل هذا قرر أن يكسر حسابات جلاديه وتوقعاتهم, فلم يسمعوا شكواه ولم يروا خوفه أو فزعه, وحصل هذا معه لأنه عرف تفاصيل زنزانته التي تعودت هي عليه, فعرف مواعيد تسلل ضوء الشمس ليغتسل بالحياة, وعلم متى يدخل ضوء القمر ليقيم معه علاقة حميمة… ثم نقلوه إلى سجن “شطة”, الذي يُعتبر أسوأ السجون الإسرائيلية. واكتشف البرغوثي أن المناضل حسن سلامة زميلٌ له في إحدى زنزانات السجن…, وأخيرا نُقل إلى سجن بئر السبع, حيث كانت الزنزانة هناك أشد سوءاً من سابقاتها, فعاش مع الصراصير وأسراب النمل بالإضافة إلى الجرذان. وأشار إلى القلق الصحي الذي يصيب الأسير في زنزانته الانفرادية, في ظل غياب الرعاية الصحية والاستهتار بحياته, وسوء التغذية, وهي مظاهر القتل البطيء. والأمر الذي كان يكسر عزلة السجن هو ساعة يخرج فيها الأسير إلى النزهة, وهي ساحة تطل على نوافذ بعض الأسرى, وقد علّمهم البرغوثي العبرية, كي يتسنى لهم التفاهم مع السجانين, والحفاظ على بعض حقوقهم وفهمها… والمعاناة لم تمنع البرغوثي من الاستمتاع بالقراءة بعدما تمّ السماح للأسرى بالحصول على الكتب, فهو يرى أن من متع الحياة قراءة كتاب تحبه, وخصوصاً الرواية التي تحرر الإنسان وتحلّق بخياله خارج واقعه.
طرح البرغوثي قضية المرأة ودورها الجوهري إلى جانب الرجل في بناء المجتمع. وأضاء دور المراة الفلسطينية التي شاركت الرجل النضال من أجل الحرية والاستقلال, المتمثل في زوجته الحبيبة فدوى, التي قامت بمجهود جبار, وحملت قضيته وقضية الأسرى. وكان لها نصيب الأسد من إهدائه في مطلع الكتاب: “إلى حارسة حلمي ورفيقة دربي وشريكة عمري”.
قرأ البرغوثي رسالة ولده القسام الذي تم اعتقاله من قبل الاسرائليين طمأنه فيها: “لا تهتم يا أبي…فلقد علمتني أن فلسطين أكبر من كل شيء”… وبعث البرغوثي لولده, رسالة قصّ له فيها أهم محطات حياته, وكانت أقسى هذه المحطات وأشدها إيلاماً حين تم إبعاده, وكان أعظمها لحظة العودة.
وعن خبر استشهاد ياسر عرفات قال البرغوثي: “شعرت بأنني أختنق, وانفجرت عيناي بالدموع لأول مرة منذ اعتقالي”. ورأى أن اغتيال ياسر عرفات قضى على فرصة السلام. وأكد أن إرادة شعب يتطلع إلى الحرية لا يمكن أن… تنكسر!!
منى الشرافي تيّم

نُشِرت في عام | أضف تعليق

مشاعر مهاجرة

روايةُ من حبرِ الأنا ارتسمتْ
خُطوطُها
ذاتيةُ المشاعرِ
تحاكي عالَمَاً من صُنْعِها
في اختلافاتِهِ يُشْبِهُهَا
هنا وهناكَ تناقضاتٌ
وبعضُ قطوفٍ منَ
الغيبِ الهاربِ يلتحِمُ معَ الخَيالِ
هجران الهوى واغترابُ
الأهواءِ
واختلاقُ الحُبِّ من صورةِ
الحبيبِ
سُحُبٌ تخترقُ الأعالي
فتمرُّ على سطورٍ
تنبضُ
حكاياتُ الحُلُمِ
لا تنتمي إلا إلى بعضٍ من الأنا
وشيءٍ من الأنتَ
وكثير ممّا ما بَعْدَ
وأبْعَدُ من الزَّمانِ
منى

غداً

نُشِرت في عام | 2 تعليقان

على غير موعد

بعد طول انتظاري… وبعد أن ملّ صبري مني
التقيتك ذاك النهار
على غير موعد
في لحظات استقيتها
من هذيان أحلامي
أو من نوبة جنوني
فَعَرَفَتْكَ روحي دون كل البشر
اهتز شوقي… والخوف اعتراني
فهربتُ منك…
هكذا ظننتُ
فباغتتني روحي ورغماً عني
هربتْ مني إليك
هو سرُّ فيك
ناداني
لبيت الندا طوعاً
فحبك هويتي سُلبت من سنيني
يا اسماً سما في كياني
فأعاد نبضاً أبهته الانتظار
ها أنا أرتعش
ها أنا أولد
ها أنا استقبلك فيّ نشوة فرح
ترتعش لها جفوني
ويتوقف معها الوقت
وتهدهدني على غيمة الصيف
لأرتديك ثوباً حريرياً تلفحني نسائمه
وحين أسمعك تهمس باسمي
تنحني لي الأحلام
والأفلاك بدوراتها مهد لخيالي
وهناك.. وفقط هناك
وفي عوالم من الجنون والهذيان
لا أنت من نبع عشقي ترتوي
ولا نبع عشقك يرويني
وفقط… فقط
مع نوبة من الجنون
وعلى غير موعد
قد تباغتنا الأحلام

نُشِرت في عام | 8 تعليقات

قيامة الأموات

على أعتاب العيون تنثر القلوب
عِتابها
براعم دموع جمّدها الكبرياء
وأرواح شردتها الرياح وبعثرها السأم
من ثرثرة لغة نسمعها
حروفها الذل
وحبرها الهوان
… تثاءبنا لعفوية الاستسلام
فاستكثروها
وحرّموا علينا الأحلام
شرّعوا الفضاء وأطلقوا
نسور الظلام
فغرست مخالبها
في قلب الآمال منتشية
وصفرت للمجد وثملت
على نزف الأرواح النديّة
فانتعش قلب الأرض
بأجساد أفلاذِها
تشققت لها الصخور ألماً
وانتفضت مياه الأنهار
ومالت من قهرها ظهور
الجبال
والنسور في ضبابها تراقب
متأهبة
فزعاً من قيامة الأموات!

نُشِرت في عام | 6 تعليقات