اليوم في جريدة المستقبل مقال عن كتابي “الجسد في مرايا الذاكرة” بقلم الكاتب وفيق غريزي..

http://almustaqbal.com/v4/Article.aspx?Type=NP&ArticleID=662010

وفيق غريزي
استقطبت روايات الروائية الجزائرية أحلام مستغانمي الثلاث: «ذاكرة الجسد، فوضى الحواس، وعابر سرير»، اهتمام جمهور واسع متنوع، من القراء، من جميع المستويات الثقافية، واستولدت ردود فعل مختلفة لافتة، كما أثارت حولها جدالاً واسعاً وحركة نقدية ناشطة.

إن التعامل مع هذه الثلاثية، وما اكتنفها من عوامل وظروف، ومواقف وآراء، جعل الصورة الحقيقية لها مغطاة بضباب كثيف، وأفضى إلى اعتبارها قضية مهمة تستحق النظر فيها، والكشف عن حقيقتها، الأمر الذي حدا بمنى الشرافي تيم إلى استكناه أبعاد الثلاثية الإنسانية والاجتماعية والنفسية والفلسفية من جهة، والفنية من جهة أخرى، وذلك بهدف تبين مقوماتها، وتوضيح خصائصها.

التفاعلات النصية

إن من أشكال التفاعل النصي، التي توصل إليها النقاد، هي تقنية التفاعل النصي الذاتي، التي تُظهر كيف تتفاعل بعض نصوص الكاتب نفسه مع بعضها، وذلك من خلال اعتماد الكاتب الأسلوب عينه والمنهج نفسه، وليبني لنفسه من خلالها عوالم خاصة به يعمل على تكرار إنتاجها، ولكن بأشكال مختلفة في كل مرة. والنص المتفاعل أو المتداخل هو نص يتسرّب إلى داخل نص آخر ليجسد المدلولات سواء وعى الكاتب ذلك أم لم يع، وليس «بالإمكان تبني هذه النظرية والبناء عليها، إلا إذا تم تطبيقها على النصوص، التي في الإمكان أن تنطبق عليها هذه التقنية بمعايير مدروسة ودقيقة». وتحاول المؤلفة إلى تبيّن أشكال التفاعل النصي واستنباطها، بين نصوص أحلام مستغانمي في ثلاثيتها، وتتساءل: هل استخدمت أحلام مستغانمي تقنية التفاعل النصي الذاتي من خلال إعادة إنتاج روايتها الأولى «ذاكرة الجسد»، وفي روايتيها الثانية والثالثة: «فوضى الحواس، وعابر سرير«، كي تطبق تقنية جديدة في عالم الرواية؟ أم أنها عمدت إلى استنساخ روايتها الأولى بروايتين جديدتين، حين فرغت جعبتها من إمكانية تقديم إبداع جديد؟ أم أنها أفادت من كون الرواية فناً متفلتاً من القواعد والقيود؟

تشير المؤلفة إلى أن أحلام مستغانمي قد أعادت إنتاج رواية «ذاكرة الجسد» في روايتيها: «فوضى الحواس، وعابر سرير»، من خلال إعادة خلط نصوصها بعضها ببعض، عن طريق استنساخ أبطالها، «وتظهر إعادة الكتابة، وعملية الاستنساخ بشكل أكبر وأعم، في «عابر سرير»». ولا بد هنا من الإشارة إلى أن الراوي في «ذاكرة الجسد» و»عابر سرير» كان ذكراً، وفي فوضى الحواس، كانت الراوية أنثى، وهي في الوقت نفسه بطلة الروايتين الأولى والثالثة.

التعالقات والتضمينات النصّية

حرصت المناهج النقدية على دراسة تاريخ الأدب وتاريخ النقد الأدبي من مذهب إلى آخر ومن رؤية إلى أخرى، كما اهتم المنهج النفسي بدراسة علاقة العمل الروائي بمؤلفه، واهتم المنهج السوسيولوجي بدراسة علاقة النص الروائي بالمجتمع، كما حرص المنهج البنيوي على تحجيم كل علاقة النص الروائي وإلغائها، لذلك تجب الإشارة إلى أن كل هذه المناهج قد أغفلت دراسة علائق النص الروائي بغيره من النصوص، لذلك فإنه من الضروري إعادة كتابة تاريخ الأدب على ضوء علاقات النصوص بعضها ببعض، فتكون الصياغة الجديدة لتاريخ الأدب، هي تاريخ علاقات تداخل النصوص.

تقول المؤلفة في هذا السياق: «إن عملية اكتشاف التعالقات النصية بين النصوص ليست بالعمل الهيّن، ولكن الناقد التناصي يستطيع استشفافها من خلال البحث والتنقيب ما بين السطور، فقد يخبئ النص بين ثناياه نصاً آخر، وظاهرة تعالق النصوص». مهما تسترت واختفت فإنها لا يمكن أن تخفى على القارئ المطلع الذي بإمكانه أن يعيدها إلى مصدرها.

ولم تقتصر التعالقات النصية مع غيرها فحسب، بل ابتدعت أحلام مستغانمي أسلوباً آخر، وهو بناء نص لها من التقاط حدث من هنا أو قول من هناك.

وتتوالى الإبداعات عند أحلام الواحد تلو الآخر، وتتوالد معها بحسب قول المؤلفة: «الأفكار وتتناسل النصوص، وكلها تتراءى إلى أذهان الرواة من مخزن الذاكرة التي تستجلب الفكرة فتحيك منها نصها، أو هذا ما تريده أن يبدو، فهي تريد، وللقارئ حق التمييز، خصوصاً حين يشعر بأن أحلام مستغانمي قد سجلت هذه الإبداعات ووضعتها جانباً بينما كانت تحضّر وصفتها للكتابة الروائية». وهذه الإبداعات كانت التوابل المعدّة للاستخدام حينما تسنح الفرصة، ودائماً رواتها مأخوذون ببعض الأقوال التي يسردونها.

ومن الصعب الحكم على أسلوب أحلام مستغانمي الذي اتبعته من خلال استخدامها تقنية الإبداع، إن كانت قد خدمت نصوص ثلاثيتها أم لا، خصوصاً في ضوء نظرية الفن للفن، التي تهدف «إلى تكسير قوالب الرتابة، بالإضافة إلى ابتكار أساليب جديدة. كما أن نظرية الفن للفن كانت للكاتب بمنزلة الدرع الذي يقيه من سهام النقد الحادة». إنه من الخطأ أن يُحكم على الفن بمقاييس تُعد خارجة عن طبيعته الفنية، وأن قيمة الفن قيمة فريدة لا مثيل لها.

فالمصاحبات الأدبية والتضمينات النصية قد صاحبت نصوص أحلام مستغانمي وجاورتها وتفاعلت معها، وأصبحت بحسب رأي المؤلفة، جزءاً من نسيجها. كثيرة هي القضايا والأفكار المتشابهة والمتقاربة، والمغايرة والمختلفة، والمتعارضة والمتناقضة، التي مزجتها أحلام مستغانمي ببعضها بعضاً كي تنشئ منها نصاً، وتمنحه هوية مستقلة بذاتها. إن نقد الرواية يحتاج إلى أن يتعامل مع النصوص على أنها تمتلك وجوداً مستقلاً، وفي الوقت نفسه، لها امتدادات وتناصات وتوافقات وأصداء مع نصوص أخرى وفكر آخر.

الأنوثة والذكورة

لثلاثية الجسد والأنوثة والذكورة هوية أسطورية، وفلسفة شديدة التعقيد، وما زالت البحوث التاريخية والنفسية والبيولوجية عاجزة عن تحليلها وفهمها، أو وضع مفهوم محدّد لها، لأن جدليتها مستمرة ومتجددة ومتغيرة، لكن الثابت أنه لا فضل لإنسان على إنسان بجنسه أو لونه أو شكل جسده، وإنما فضل الإنسان يتأتى بعمله وعلمه وما يقدمه لنفسه وللآخرين.

وثلاثية الجسد والأنوثة والذكورة من منظار المؤلفة، احتلت المساحة الكبرى في نصوص ثلاثية أحلام مستغانمي، «فقد تناولتها من خلال تكوينها المعنوي، والبيولوجي، شكلت هاجساً أساسياً في بناء نصوصها من خلال التوازي بين حروف اللغة وكلماتها التي برعت مستغانمي في صياغتها على الشكل الذي تريده، كونها كاتبة عربية أنثى، تكتب وعينها على المجتمع الذي يراقبها، وهو جاهز دوماً للحكم عليها»، لذلك تلحفت بالجوانب المعنوية، وتعمقت بها، ومنحتها أبعاداً فلسفية ونفسية، مما مكّنها من الخوض في الجوانب البيولوجية الغريزية.

تناولت مستغانمي الجسد في ثلاثيتها من ناحية أنه كيان معنوي مستقل، ومدى ارتباطه بالروح وكل ما يعتريها من مشاعر مختلطة لا يتحكّم بها الوعي، ومن ناحية أنه جسد بل ما يرافقه من حواس وشهوة ورغبة.

تشير المؤلفة إلى أن الجسد تماهى روحاً وكياناً في نصوص مستغانمي مع الوطن والثورة، وما دفعه من أجلهما الثائر المجاهد خالد بن طوبال، الشخصية المحورية في «ذاكرة الجسد» وراويها، وكل ما حمله بسببهما من ألم نفسي ومعنوي وجسدي، فتشابك جسده مع جسد الوطن الجريح النازف، وتشاركا معاً الوجع نفسه، وتبادلا فيما بينهما مشاعر اليتم ببرودته، والحرمان بقسوته.

كانت فكرة الجسد في رواية «فوضى الحواس« مختلفة تماماً عن فكرتها في «ذاكرة الجسد»، ونقطة تحول كبيرة، «فقد غلبت عليها الرغبة والشهوة بصورتيها الفكرية والجسدية، وفتحت باب المخيّلة عند الكاتبة على مصراعيه كل من تصوير ووصف الرغبة والشهوة التي وصلت في بعض الأحيان إلى درجة من الشبق».

الأنوثة وفلسفتها

لم تقتصر عملية التفريق بين الأنوثة وبين الذكورة في تركيبتيها البيولوجية والاجتماعية، ولكنها اقتحمت عالم الأدب والكتابة والتأليف، فأصبح هناك ما يسمى اليوم الأدب الذكوري والأدب الأنثوي أو النسوي، فانتفضت الكاتبات العربيات ضد هذا التفريق المجحف على اعتبار ان «عبارة الأدب النسوي درج استخدامها باعتبارها عبارة مهينة، أو على الأقل تنبئ بنقص ما».

وتؤكد المؤلفة على أن أحلام مستغانمي حرصت في نصوص ثلاثيتها على الكشف عن الصوت الأنثوي على غرار الأديبة غادة السمان، داخل سياق فلسفي ونفسي واجتماعي وثوروي، وحاولت من خلاله إبراز الذات الأنثوية، والبحث المستمر عن هويتها، فالأنوثة الواعية لذاتها تحمل في أغوار نفسها وطناً ينبض. تكتب المرأة ضد وعي ذكوري سائد غير مدرك، تكتب المرأة لتعبر عن سبل تستعيد بها الأنثى ثقتها بذاتها المفقودة.

كما أن أحلام قد حرصت على أن تجمع في الأنثى البطلة بمباركة الراوي، عنصري الذكورة بكل ما تحمله من جبروت وعنفوان وقوة، والأنوثة بكل ما تحمله من نعومة ودلال وإغراء. «عاشت أحلام مشاعر الرجل ولبست ثوبه الداخلي، فكتبت بعاطفة الرجل بكل ما يعتملها من مشاعر وأحاسيس من خلال صورة الراوي، ثم طغت عليه بعواطف الأنثى الكاتبة، المتمثلة في صورة البطلة».

يثير محور الأنوثة الجبروت والرمز جدلاً بين القارئ المتعمق وبين النص، وبين القارئ وبين الراوي، فقد وقع راوي «ذاكرة الجسد» في عشق البطلة منذ اللحظة الأولى، فاختلط عليه الأمر، لأنها جلبت له معها خمسة وعشرين عاماً من الذكريات انهالت عليه دفعة واحدة وأحرقته كالبرق.

ناقشت أحلام الأنوثة في نصوصها، من خلال أبعاد مختلفة، عكست في كل مرة رؤية جنس الراوي، الذي يتولى مهمة السرد: فقد مثلت الأنوثة الجبروت، والطغيان، والرمز، في الرواية الأولى من الثلاثية، «المسرودة على لسان الراوي الذكر، أما في الروايتين الثانية والثالثة من الثلاثية، فقد مثلتا الأنوثة ـ المرأة بقوتها وضعفها، بأحاسيسها ومشاعرها، ومغامراتها السرية المغلّفة بالخوف والجرأة، ووجودها الاجتماعي».

فلسفة الذاكرة

طرحت أحلام مستغانمي في نصوص ثلاثيتها «ثلاثية الذاكرة والحب والخيانة، ما أضفى عليها طابعاً إنسانياً، وبعداً فنياً، منطلقة من مفهوم حداثي للفن، بدت وكأنها قريبة من نظرية الشاعر الفرنسي شارل بودلير، الذي يرى أن الحداثة «حضور الابدي في الآني والموقت، فهي الجمال الموجود في الموضة التي تتغير في كل فصل من الفصول، وهي تجديد يحمل في داخله الشعور بأن الأبدي سينتهي بالتحلل في ما هو آني، كما يحل الحب في الرغبة، وحتى لا يمكن إدراك الابدية إلا في الوعي بغيابها وفي قلعة الموت».

وبدت الذاكرة في نص «ذاكرة الجسد» وكأنها القلب بالنسبة إلى معمارها، والمفصل الرئيسي الذي يحركها، تقول المؤلفة: «فقد نقبت في دهاليز الماضي وبحثت في كينونته، وأعادت سرده ليصبح جزءاً من الحاضر«. وهكذا نجد ان الرواية تعتمد في بادئ الأمر على المراقبة، ومن ثم على الوصف، لأنهما عنصران أساسيان لتقدم المجتمع وتطوره، وفي الوقت نفسه تحليل للنفسيات والعواطف، ووصفها من خلال الشخصيات التي تعمل على تصوير ذلك الواقع وتجسيد الماضي كما تراه هي من وجهة نظرها.

وقد استعانت أحلام بالواقع التاريخي الحقيقي، فبدت «ذاكرة الجسد» من ناحية مضمونها، كأنها سيرة ذاتية.

إن الذاكرة الأدبية، تمد الهوية الثقافية بما تحتاج إليه من المقومات الضامنة لاستمرار التفاعل بين الأجيال، فهي تحاكي اللغة بالتمثيل والإنشاء، بلا ذاكرة لا توجد تجارب.. لا يوجد سوى فراغ الموت.

[ الجسد: في مرايا الذاكرة

[ الدكتورة منى الشرافي تيم

[ منشورات ضفاف ـ 2015

نُشِرت في عام | أضف تعليق

لغتنا العربية غنية وعريقة.. نبرع في التخلي عنها… واليهود الذين نبرع في كيل لعناتنا عليهم… أوجدوا لأنفسهم لغة من العدم…. يا ريت نتعلم منهم بعدين نلعنهم!!

التجربة العبريّة
وصف أحمد درويش التجربة العبرية بالمعجزة، لأنها بقيت لغة شبه دينية على مدى قرون عديدة، وكان نطاق استخدامها ضيقاً؛ لكن منذ أواسط القرن التاسع عشر، برزت مجموعة من الشباب اليهود الأوروبيين شكلت حركة لإحياء اللغة العبرية الميتة، التي قادها أليعازر بن يهودا، الذي أطلق شعار: “لا حياة لأمة بدون لغة” ودعا إلى إحياء اللغة العبريّة عند الأجيال الجديدة، ولكن الأمر كان شبه مستحيل، وذلك لافتقار اللغة العبرية إلى معظم مفردات الحياة المعاصرة، ومع ذلك تمسك أليعازر بفكرته وهاجر عام 1881م، إلى فلسطين، ثم أنشأ أول بيت يهودي، فُرضت فيه اللغة العبرية، كلغة للتخاطب؛ وعلى الرغم من سخرية الناس منه، إلا أن اليأس لم يدخل وجدانه، فأسس رابطة للمتكلمين باللغة العبرية في فلسطين، ثم أصبح منـزله منتدى يلتقي فيه الشباب اليهود، الذين تحمسوا للغة، وتمّ بعد ذلك إصدار مجموعة من الصحف باللغة العبرية في القدس، وخُصص بعضها للأطفال، وحرصوا على أن تكون أسماء أبطال القصص بأسماء عبرية. ولم يتوقف أليعازر هنا، بل عاد إلى كتب الأقدمين في العهد القديم والتلمود والأدب العبري في الأندلس واللغات السامية، وقام بتطويعها، وأنجز قاموساً باللغة العبرية القديمة والجديدة، وحين كان يستعصي عليه مصطلحٌ ما، ولم تساعده كتب التراث على إيجاده، كان يبتكر مصطلحات جديدة كي يسد الثغرات، وتمكّن في حياته من إنجاز تسعة مجلدات كبيرة من المعجم، وأكمله تلاميذه من بعده حتى وصل إلى ستة عشر مجلداً. فأثمر عمله ونشط اليهود لإنشاء مدارس حديثة، كل علومها بالعبرية. وتمددت بعد ذلك دعوة أليعازر حتى وصلت أوروبا، فبدأت تُصدر صحفاً باللغة العبرية. وخلُص أحمد درويش إلى أن التجربة العبرية كانت محاولة بارزة لتماسك الهوية من خلال لغة تمّ إحياؤها من عدم؛ وها هي العبرية اليوم أصبحت لغة حيوية تُدرّس بها كل العلوم الحديثة، وتعقد بها المؤتمرات، ولا يتمحكون باللغات على الرغم من أنهم يجيدونها( )؛ ثم يسترسل أحمد درويش منتقداً تراخي العرب قائلاً: “ندرس المعرفة المتقدمة فلا ندرك منها إلا القشور، ونعود إلى المعرفة الإنسانية، فلا نكلف أنفسنا مجرد إجادة لغتنا”( ).

نُشِرت في عام | أضف تعليق

قاذورات في أوانٍ ذهبية…

إن الفساد الإعلامي في الوطن العربي، يُعدُّ أكثر خطورة من الفساد السياسي، فهو إما إعلام مُسيّس ومأجور، لعبته التمويه والتعمية والخديعة، وهذا النوع ظاهر للعين المجردة، ولا يتبعه إلا أصحابه، ومن تتناسب معه مصالحه وأهوائه، بالإضافة إلى أصحاب الفكر المنقاد والمرن. أو إعلام خائف وهزيل، يخشى النظر إلى أبعد من إصبعه، وإن رأى فإنه يدفن رأسه في التراب، وهذا النوع غير مرئي وليس له تأثير أو كلمة. أو إعلام متمرد وخبيث خلط بين حرية الرأي وبين التمادي في خرق حرية الآخرين، فتجاوز حدود الأخلاق وشوّه الحقائق، فقد خالف ليختلف، كي يحصد الشهرة والتأييد والالتفاف حوله من الناس، وهذا النوع من الإعلام هو الأكثر خطورة من النوعين السابقين، لأنه يتلون ويتلوّى، ويتلاعب بعواطف الناس، ويتوغل في فكرهم وأذهانهم، ويؤسس لأوهامهم ويزرع فيهم الشكوك، وبالتالي تضطرب الرؤية، وتتوه الحقائق، ويصعب التمييز بين الغث والسمين.
أما الإعلام النزيه الصادق، وعلى الرغم من أننا نحمد الله على أنه لم ينقرض في وطننا العربي الكبير بعد! إلا أنه وللأسف خجول، مقيد، صوته مبحوح، لا يصل صداه إلا إلى أسماع من يفكر ويحلل ويقارن ويحاسب، ثم يقرر كيف سيتعامل مع المعلومة التي وصلته ويبني عليها أم يرفضها.
أما النوع الأخير من الإعلام، على سبيل المثال لا الحصر، فهو الإعلام الفضائحي الذي يدخل بيوتنا على خلسة منا، فيقدم لنا (فنانات) لم نسمع عنهن من قبل، ولم نكن لنعرف بوجودهن لولا جهود إعلامنا الذي يحرص من خلالهن على نشر ثقافة الفضائح والرذائل والابتذال والإغراء. والذي أهّل هؤلاء (الفنانات) كي يتربعن على عروش الشاشات العربية، هو تماديهن في تقديم فنون العري والإيحاءات الجنسية المبتذلة الرخيصة.. يقدمهن الإعلام في برامج حوارية انتقادية – كأن يقول المحاور للفنانة في عملية استخفاف واضحة للعقول: “أنت تسيئين لصورة المرأة العربية”- وأقول لذلك المحاور وأمثاله والشاشة التي يطلّ منها، بأن صورة المرأة العربية تصبح سيئة وقبيحة حين تقتدي الفتيات اللواتي يرغبن بالأضواء – بفناناتكم اللواتي لا يعكسن سوى صورتكم- فيقلدونهن تقليدا أعمى، وقد يتفوقن عليهن بأساليب مبتكرة! فطالما أن ما يفعلونه يحقق لهن الشهرة السريعة دون أي مجهود أو تعب، ويحصدن به نسبة مشاهدة ذكورية مهولة، فما المانع من خوض التجربة؟ وبذلك تخترق الفكرة رؤوسهن كالبريق المفاجئ الذي يبهر عيونهن فيصيب قلوبهن بالعمى، فتعجزن عن التمييز. فتتم بذلك عملية التنويم المغناطيسي الممنهج للمشاهد. والإعلام بذلك يصطاد عصفورين بحجر واحد، الكسب المادي، والسيطرة على العقول، التي تؤهلهم أن يتلاعبوا بها كالدمى المتحركة. والمثير للسخرية أن المشاهد العربي لتلك البرامج الحوارية، أيضاً يسب وينتقد، ولكنه يستمر بالمشاهدة، وينتظر الحلقة المقبلة علّها تكون أكثر ابتذالاً.
إن كل أنواع الإعلام التي ذكرتها على جميع أشكالها، وقودها المجتمع والناس والمتلقي. وتضخ كل ما تحمله من خير أو شر، حق أو ضلال في عبِّ من يتسع قلبه وفكره لها. وهنا نكتشف أن المسؤولية الكبرى تقع على كواهلنا، وأن الفساد المستشري في معظم أمور حياتنا لنا اليد الطولى فيه… وسيبقى مستمراً إن بقينا نستقبل دون أن نعقل ونعي ونحاسب!!.
لقد تهاون الإعلام العربي في رسالته الأخلاقية والإنسانية والفكرية والثقافية، التي من شأنها أن ترقى بالمجتمعات وتبث في عقول أبنائها وأذهانهم ونفوسهم القيم والثقافة والفكر والانفتاح على الآخر المختلف، بالإضافة إلى الفنون الراقية على تنوعها.
أما الجملة التي نسمعها حين نواجه الإعلام العربي المرئي على وجه الخصوص بما يقدمه، فالجواب الحاضر هو: “هذا ما يريده الناس، وهذا ما يلبي أذواقهم ورغباتهم وثقافتهم”.
هل هذا ما يريده الناس فعلاً؟ وهل هذا ما يلبي أذواقهم ورغباتهم وثقافتهم؟
وإن لم يكن فماذا أنتم فاعلون؟
أتمنى أن ينتج عن سكوننا ثورة، وعن سكوتنا حركة، كي تشيح النقاب عن إرادات مشبعة بالرفض ولاءات الاستنكار!

منى الشرافي تيم

نُشِرت في عام | تعليق واحد

اليوم في جريدة الرأي الأردنية .. بقلم الكاتب والروائي الأردني أكرم عراق… مقالة عن كتابي (الجسد في مرايا الذاكرة)

http://www.alrai.com/article/713053.html

تاريخ النشر: الجمعة 2015-05-08
التناصّ في ثلاثية أحلام مستغانمي

أكرم خلف عراق

الطبيب الجراح، والناقد، كلاهما يشتركان في المهمة نفسها، وهي المهارة في التشريح. الأول يستعين بالمشرط لشق الجلد، رداء الجسد وكسوته الأزلية من المحيا حتى الممات، والثاني يستعين بالبصيرة لشق جلد الورق، المكدس بين دفتي رواية، بمجرد خروجها من رحم المطابع وتداولها بين أيدي القراء ورفوف المكتبات.
الطبيب له أدواته الخاصة به في التشخيص، من تحاليل مخبرية وسماعة وميزان حرارة، أما الناقد فالبصيرة هي أداته الوحيدة في تشخيص جسد النص.
بصيرة الناقد هي مجهره. ولعل هذه الحقيقة، هي ما يميز مهارة ناقد دون آخر لحظة أن يتخذ قراره بمعاينة وتحليل ودراسة رواية بعينها.
كثيرة هي الدراسات النقدية والتأويلات الأدبية، التي تناولت ثلاثية أحلام مستغانمي (ذاكرة جسد، وفوضى الحواس، وعابر سرير)، إن كان في المعاهد الأكاديمية، أو في المؤتمرات والندوات الأدبية، أو حتى على ألسنة القراء في الشارع. والتي تتباين ما بين إعجاب ومديح وإطراء من جهة، وذم وكراهية وحسد من جهة أخرى.
في كتاب «الجسد في مرايا الذاكرة» الصادر عن منشورات ضفاف، والذي يعاين الفن الروائي في ثلاثية أحلام مستغانمي، للناقدة والأكاديمية منى الشرافي تيم، الأمر مختلف تماماً. الحيادية المطلقة والنزاهة الراسخة، والبراهين الدامغة، والأدلة المقنعة، كانت السمة الأكثر سطوعاً في البحث النقدي الذي رصد هذه الثلاثية المشهورة من أخمص قدمي التناص حتى أعلى هامة العبقرية.
التناص هو عملية تجميل يجريها كاتب ما على فكرة أصيلة لكاتب آخر، مستعيناً بمساحيق لغوية زائفة، ومكياج وهمي من الاستعارات، ظناً منه أن النص الجديد يحمل فكرة أكثر نضارة ومعنى أعمق جمالاً من النص، أو الفكرة التي تم السطو عليها.
التناص اختلاسٌ وسرقة، وإعادة تكرار وتقليد. إنه ترميم لذهن كسول لا يقوى على خلق وإبداع أفكار ونصوص قيمّة آسرة وساحرة تخطف خيول العقل وعصافير الإلهام.
واهمٌ الكاتب المغمور الذي يعتقد أن التناص هو حشوة كذب ترمم بها أسنان بالية، لأن الأدب الحقيقي يملك أسنان بيضاء لا تكسر، ولأن الكذب عمره قصير.
لعل تسوس الأفكار غير الإبداعية الخاملة هو ما وقع به الكثير من الأدباء، فالتناص ضمناً هو إيحاء وتلميح ومجاز ورمز، تجرى على نص تم استدعاؤه إلى غرفة مكياج لغوي.
تبرز الناقدة تيم هذا الأمر في ثلاثية مستغانمي، إذ تستشهد بالتطابق والتداخل والتمازج بين رواية «حفلة القنبلة» للروائي الإنجليزي غراهام غرين، ورواية «ذاكرة جسد»، من حيث أن بطلتَي الروايتين فتاتان في العشرين من العمر، وبطلَي الروايتين رجلان في الخمسين من العمر.
بطل «ذاكرة جسد» فقدَ يده في حرب التحرير الجزائرية، وقد بقيت ذكرى الحادثة المأساوية هي الأكثر ألماً في حياته. وبطل «حفلة القنبلة» فقدَ يده أثناء الغارة الجوية على أحد مراكز الإطفاء في لندن العام 1940، عندما توهجت لندن بالحريق، وكانت حادثة بتر يده هي الأكثر وضوحاً في ذاكرته. ترك بطل «ذاكرة جسد» قسنطينة واستقر في باريس. ترك بطل «حفلة القنبلة» لندن واستقر في سويسرا.
تقع البطلتان الشابتان في حب البطلين الخمسينيين. لم تتأثر البطلتان بالإعاقة التي يعاني منها البطلان، أو بفارق العمر، فبطلة «ذاكرة جسد» كانت تبحث عن صورة الأب الذي فقدته بسبب الموت، بينما كانت بطلة «حفلة القنبلة» تبحث عن صورة الأب الحنون الذي فقدته، لا بسبب الموت، وإنما بسبب جشعه وطمعه واستهتاره بالإنسانية.
كرر بطل «ذاكرة جسد» أن البطلة كان من الممكن أن تكون ابنته، وشعر بأبوّة نحوها، على الرغم من عشقه لها. واعترف بطل «حفلة القنبلة» بأنه حين عثر على البطلة، كان يبحث عن ابنه.
خلعت الناقدة منى الشرافي تيم، عن نصوص مستغانمي ورقةَ التوت التي تستّر بها التناص الفاضح في رواياتها الثلاث، إذ تثبت بالحجة والدليل، التشابه والمقاربة والتعالق مع رواية «وليمة لأعشاب البحر» للروائي حيدر حيدر، من خلال النقاط التالية: بطلتا الروايتين ابنتا شهيدين من شهداء الجزائر. بطلا الرواية أحبّا ابنتَي الشهيدين. بطلا الروايتين ثوريان، احترف كل منهما مهنةً جديدة بعد الثورة؛ أحدهما في تدريس لغة عربية، والثاني اختار مهنة الرسم. بطلا الروايتين يعزفان نغماً واحداً لمدينتين جزائريتين. بطل «وليمة لأعشاب البحر»: عنّابة. وبطل «ذاكرة جسد»: قسنطينة. بطلة «وليمة لأعشاب البحر» تتزوج أحد التجار الذين انتفعوا باستقلال الجزائر وحقّق ثروة طائلة. وبطلة «ذاكرة جسد» تتزوج رجل الصفقات السرية. تَردّد اسم مالك حداد في الروايتين مرات عدة.
من زاوية أخرى، تعتقد الشرافي أن هناك تزاوجاً نصياً ما بين رواية «عابر سرير» ورواية «توأما نجمة» لكاتب ياسين، إذ تسلط الضوء على إمكانية وجود تعالق بين سيرتَي الرسام الجزائري إمحمد أسياخم، وخالد بن طوبال، الشخصية المحورية في رواية «ذاكرة جسد» ومنها: أن أسياخم كانت قد دفعته المغامرة إلى سرقة قنبلة من أحد معسكرات الاحتلال الفرنسي، لتنفجر به، فيخضع -بلا طائل- إلى ثلاث عمليات جراحية في يده اليسرى، والتي بُترت، وكان هذا سبباً لمزاولته الرسمَ التشكيلي في ما بعد، لتُعرض لوحاته في صالة أندريه موريس بفرنسا. بن طوبال بُترت ذراعه في معارك النضال الجزائري ضد الفرنسيين، بعدها احترف الرسم بناءً على نصيحة الطبيب اليوغسلافي الذي أجرى له العملية، وهذا ما فعله، ليصبح بعد حين أشهر رسامي الجزائر في باريس. وكِلا الرجلين (أسياخم وبن طوبال) مات مرضاً بالسرطان.
كثيرة هي التساؤلات والاستنتاجات التي تختمر في ذهن القارئ فور الانتهاء من قراءة كتاب «الجسد في مرايا الذاكرة»، والتي ربما تطرح إشكالية النقد من وجهة نظر الناقد، وإشكالية صياغة النص من وجهة نظر الكاتب. غير أن النتاج الإبداعي هو حصيلة أفكار تتسرب إلى إسفنجة ذهن الكاتب شاء أم أبى، ومن حق الناقد أن يعصر إسفنجة النص المبللة بالحبر كيفما شاء، إذ إن الكتابة الروائية هي عملية صهر لكيمياء أفكار مكثفة ممتلئة داخل إناء العقل اللاواعي. وما روايات اليوم سوى تناسل لروايات الأمس، حتى لو كانت تختلف في العنوان أو المحتوى الرئيسي، لأن أفكار كاتب اليوم هي جينات إبداعية تم توارثها من كاتب الأمس.
الأفكار لا تفنى ولا تموت، ولكنها تنتقل بالاطلاع أو التأثر أو التقليد أو حتى بالاستنساخ الناجم عن الصراع بين الخير والشر، فما الروايات سوى مرآة ذاكرة لأوجاع وأحزان ومآسي البشرية وإن اختلفت لغاتهم ومجتمعاتهم وزمانهم ومكانهم.
وحدها الأقلام هي التي تدوّن انفعالات الذهن المعقّدة والخفية للكاتب مما رأى وسمع وعاش، من دون علم منه، وعلية فإن ثلاثة أرباع قميص المجد الذي يكسو غلاف أعظم الروايات شهرة في العالم ربما يكون قد تم انتزاعه من قماش موهبة الآخرين. أليس الأسد الكاسر في الأدغال هو في الأصل مجموعة خراف وادعة تم ابتلاعها في الماضي.
الجمعة 2015-05-08

نُشِرت في عام | أضف تعليق

روايتي اليوم في جريدة الحياة اللندنية عن رواية (يحدث في بغداد) للكاتب العراقي رسول محمد رسول

الأحد، ٣ مايو/ أيار ٢٠١٥ (٠١:٠٠ – بتوقيت غرينتش)
آخر تحديث: الأحد، ٣ مايو/ أيار ٢٠١٥ (٠١:٠٠ – بتوقيت غرينتش) منى الشرافي تيّم
تُعدُّ رواية «يحدث في بغداد» للكاتب رسول محمد رسول، الصادرة عن «الدار المصرية – اللبنانية» من الروايات التي يتزاوج فيها الواقع بالخيال، وقد تمكن الكاتب من الإيحاء بواقعية الحدث وإمكان حدوثه، الأمر الذي يؤدي إلى تفاعل القارئ مع شخصيات الرواية، ويتأثر بها. ولأن الكاتب على وعي كامل ببيئة الرواية فتمكن من إظهار تفاعلها مع الشخصيات، وإضاءة بُعدها النفسي، فراقبها وتتبّع حركتها ثم وصفها. وذلك من خلال تنظيم داخلي متقن لسرد الأحداث، كشف من خلاله الأسرار، وأظهر الخفايا، وثار على الشر، وتساءل عن العدل الاجتماعي؟ انها رواية ينطبق عليها كل ما نقله الكاتب على لسان سعيد أثناء وصفه لرواية «ينحني الصابر للوجع».
اختار الكاتب لروايته شخصيتين رئيستين، الأولى: الشخصيّة الحاضرة، المتمثلة في الراوي سعيد. والثانية: الشخصية الغائبة، المتمثلة بالكاتب مرهون. وارتبطت هاتان الشخصيتان ارتباطاً وثيقاً بالشخصيتين النسائيتين – مريم زوجة سعيد ونُهى زوجة مرهون – و اختار أيضاً عدداً من الشخصيات الثانوية التي ساعدت على إعطاء صورة واقعية عن البيئة التي كان يسرد منها.
اعتمد الكاتب في روايته أسلوباً تعبيرياً، حقق من خلاله الإحساس بالمعنى. فقد استهلّ الراوي سعيد سرده بضمير المتكلم معبراً عن حزنه الشديد على وفاة صديقه مرهون: «رحل مرهون إلى موت أبدي بعد تمزق رئته اليمنى لينتقل المرض إلى رئته الأخرى ولا يتنفس سوى العدم ليمضي عن عالمنا كئيباً…»
قسّم الكاتب روايته إلى عدد من الوحدات السردية، التي تناوبت بين السرد من الحاضر باستخدام فعل المضارع الذي أوحى بالترقب والقلق من المستقبل والخوف من المجهول: «يا ترى، من هم الذين سيرحلون هذا الصباح؟ أو من هم الذين رحلوا فعلاً هذا الصباح؟»، وبين الماضي بشكليه القريب والبعيد، الأمر الذي منح الحدث موضوعيته، وأدّى إلى إظهار صورته الواقعية. فقد أحبّ مرهون زوجته الأولى فاطمة التي استشهدت في حرب عام 1991 بقصف صاروخي. وتزوج ثانية من نُهى رغم عدم حبه لها، نزولاً عند رغبة والدته التي كانت تريد له أطفالاً. إلا أنها بعد مرضه تخلت عنه ولم تحضر مراسم عزائه. وعلى امتداد الوحدات السردية تمكن الكاتب من إيهام القارئ بأن شيئاً ما سوف يحدث.
انطلق سعيد في سرده من منتصف الحكاية ثم تنقل بين الماضي والحاضر. وفي الوحدة السردية الثالثة سرد ماضيه مع مرهون فقد تربيا معاً وكانا بمثابة أخوين.
علم سعيد أن مرهون قد كتب رواية حين استلم من الناشر في لبنان رسالة يطالبه فيها بضرورة إرسال مخطوط روايته قبل الموعد المتفق عليه لأنه يريد طباعتها وترشيحها إلى إحدى الجوائز الإبداعية العربية، ولم يكن يعلم أنه قد مات، لأن تاريخ الرسالة قبل يومين من وفاته. فتوجه سعيد إلى بيت والدته وحصل على الرواية التي احتار في شعرية عنوانها: «ينحني الصابر للوجع» ومن أين قد يكون مرهون قد استقاه، إلا أن زوجته مريم ذكرته أنه استقاه من قصيدة لشاعر نمسوي اسمه « جورج تراكل».
حين بدأ سعيد بقراءة رواية مرهون لاحظ اختفاء الفصلين الثاني والخامس، فجن جنونه، حين علم من والدة مرهون أن الرواية كانت معه مكتملة في المستشفى، ثم اكتشف أن نُهى هي التي سرقت الفصلين. وحين كشف له الضابط محمود جار نُهى عن بطولاتها الغرامية مع الرجال، اكتملت لديه قطع الأحجية واستطاع أن يربط الأمور ببعضها، فحين أعاد قراءة الفصل الأول من الرواية فهم ما قصده مرهون بجملته: «كيف لي العيش مع فجر أنثوي خائن، فجري الثاني، الذي شممت في جسده ليل أمس رائحة ذكورة عفنة»، الزوج في الرواية اسمه رشيد والزوجة سُهى… وهما في الحقيقة مرهون ونُهى، فاقترحت مريم على سعيد أن يلجأ إلى القضاء كي يجبرها على الاعتراف بجرمها وإعادة الفصلين… فكل عمل إبداعي هو ملك للناس جميعاً.
هي في الواقع نُهى… وفي الواقع المتخيل سُهى، خاطبت زوجها معترفة: «هل رأيت يا زوجي المُثقف، كيف أنا عاهرة بشكل رسمي، زوجة محترفة في الفجور والغرام والخلاعة، لا أخونك في النهار فقط بل وفي الليل أيضاً».
وفي نوع من التصوير الداخلي العميق قدم الكاتب على لسان مريم وصفاً للعبثية التي استبطنت ذات سهى المتخيل ونهى الواقع: «أجد هزيمة كبرى في داخلها، وعندما تُهزم المرأة في داخلها، تصبح ضعيفة… كان ذهاب سهى إلى الرذيلة طريقة منها للخلاص ليس من زوجها فقط، بل ومن سمعتها وشرفها ووجودها وأنوثتها وكرامة جسدها».
كان سعيد يعشق زوجته مريم التي كانت تعشقه بدورها… وعلى قدر سوء العلاقة التي كانت تربط بين مرهون ونهى كانت العلاقة بين سعيد ومريم عاصفة بالحب مليئة بالشغف والتفاهم والألفة. وحرص الكاتب على وصف المظهر الخارجي والداخلي لمريم على لسان سعيد، ما هيأها للمواقف التي تعرضت لها ومنحها حافزاً لتحركاتها، وكان يشعر بالسعادة وهو يصف جمالها، بحيث يشعر القارئ وكأنه يراها أمامه بشكلها وأحاسيسها.
من عنوان الرواية «يحدث في بغداد» يظهر عنصرا الزمان والمكان، اللذان انطلقت منهما الشخصيات وجرت في إطارهما، فبدت شخصية نهى نامية لأنها تكشّفت تدريجاً، وبناء على تناميها تطوّرت أحداث الرواية. وقد أثّر الزمن النفسي في الحدث ومنح النص طابعه الوجداني، الذي أتى نتيجة طبيعية لمعاناة الواقع وآلامه: «ولكن، ما زلنا جميعنا ينحني للوجع… ترانا اليوم، وفي الغد أيضاً… سننحني… وننحني… ولا مفر…!».
اعتمد الكاتب في سرده لغة تعبيرية سلسة، وتخلله محطات من الحوارات الخارجية التي تبادلتها الشخصيات، وعبّرت عن أفكارها، كما تخلله محطات من الحوارات الداخلية، التي كشفت عن مكنونات الشخصيات وحالاتها النفسية، فها هو سعيد يخاطب مرهون: «منحتك فاطمة، زوجتك الأولى، عذوبة غير دائمة، أما نُهى، زوجتك الثانية، فقد منحتك العذاب الأبدي، لكنه الموت وحده أنقذك من كل عذاباتك المبتلي بها»، فضلاً عن التساؤلات الكثيرة التي فرضت نفسها في ذهنه: «أيُّ عاصفة رعناء كانت تدور في داخلك يا مرهون؟».
ساق الكاتب أحداث روايته سوقاً متناسقاً، فظهرت الحبكة… تعقدت وتأزّمت، فلم يتمادَ في الخيال، ولم يغرق في الواقعية، واعتمد على القدر كي يربط بين أجزاء الرواية، لأنه القوة الخفية التي تدير الأحداث، فبعد طول انتظار حملت مريم بجنين اتفقت هي وسعيد أن يُسمياه مرهون: «يا للوعد! شخص يغيب وآخر يحضر أو سيحضر قريباً، مرهون الكبير رحل، ومرهون الصغير سيأتي». كما تميّز نص الرواية بصدق الإحساس وصدق التعبير. وانتهت أحداث الرواية بواقع منطقي على رغم أنه غير متوقع: «عشرات القتلى… في ثلاثة انفجارات بسيارات مفخخة هزّت أطراف العاصمة ووسطها صباح اليوم» وامرأة هي التي نفّذت التفجير الثالث… والمفاجأة أن تكون نهى نفسها صاحبة التفجير…!

منى الشرافي تيم

نُشِرت في عام | أضف تعليق

قشور الأشياء

قشور الأشياء

نُشِرت في عام | أضف تعليق

مقالة د. نسيم شلهوب في جريدة الأنوار اليوم .. عن كتابي: “الجسد في مرايا الذاكرة” بعنوان ثلاثية أحلام مستغانمي في غربال منى الشرافي تيم.

جريدة الأنوار 1
قراءة نقدية أكثر من رائعة! إليكم الرابط
http://www.alanwar.com/articles.php?categoryID=10

“ثُلاثيّةُ” أحلام مُستغانمي في غربالِ مُنى الشّرافي تَيّم

د. نسيم شلهوب
حَلُمَت أحلام مُستغانمي فكَتَبَتْ، قرأت د. مُنى الشّرافي تَيّم فحلّلتْ وأبدَعَتْ.
كَتبَتْ أحلام، لِماذا كَتبَتْ ولِمَن َكتبت؟
في البدايةِ تُجيبُ أحلام تلميحًا وتصريحًا، وفي أكثر من مكان:
– ليست الرّواياتُ سِوى رسائل وبطاقات، نكتبُها خارج المناسبات، لنُعلن نشرَتَنا النّفسيّة.
– وما خُلِقت الرّواياتُ إلاّ لحاجتِنا إلى مقبَرةٍ تنامُ فيها أحلامُنا الموؤودة .
– فكلَّما كَتَبنا عنهم فَرغنا منهم، وامتلأنا هواءً نظيفا.
– إنَّ الرّوايةَ بالنّسبةِ إلى الكاتبِ هي وسيلة للتنفيس والتّخلّصِ منَ الذّكريات العالِقة.
– الرّواية حياة أُخرى يعيشها الرّاوي في نَصِّ روايته.
– ماذا لو كانتِ الرّوايات مُسدّسات مَحشوّة بالكلمات القاتلة لا غير؟!
كما نَلقى جوابًا آخر في أطروحةِ مُنى بعنوان الجسد في مرايا الذاكرة- الفن الروائي في ثلاثية أحلام مستغانمي الّتي على المعاني تغوصُ، تنقبُها تُحلِّلُها، تستلُّ روحَ النّصِّ تُفلسِفُها تُضفي عليها من صفاءِ النّفس، ومن فَيضِ المفاهيمِ التي يصعبُ على القارئ العاديِّ استنباطها.
تصعبُ الكِتابة ُ ويستحيلُ الاختصارُ في أطروحةِ مُنى لغزارةِ مَضمونِها، وتدفُّقِ مُعطياتِها، ودقّةِ تحليلها، وثراءِ مُكوِّناتِها، وتنوُّعِ معلوماتِها، واتِّساعِ مَعرِفتِها،وصحَّةِ تعقّباتِها المُعمَّقة الّتي تُلامسُ الحقيقةَ بلغةٍ أدبيّةٍ سهلةٍ وأسلوبٍ سلِسٍ يتوخّى
الصدقَ .
عرَفناها كاتبَة ًروائيّة ً مُرهفة َ الحسِّ، دقيقة َ المُلاحظةِ، واسعَة َ الثّقافةِ، عميقة َ المعرفةِ، تَفي البحثَ حقَّهُ في رواياتٍ دبجتها بدقّةِ العارفِ وفنِّ المُحترفِ، والتِماعِ الموهِبةِ .
وعلى سبيلِ المِثالِ لا الحصرِ نُطالِعُها في رِوايتِها وجوهٌ في مرايا مُتكسّرة الواقعة في 560 صفحة وهي تروي بجماليّةٍ فائقةٍ حيثيّات وأحداث 56 شخصيّة أساسيّة، تستعرضُ تفاصيلَ حياتِها، تُحلِّلُ غرابة َ ميولِها ببراعةِ نحّاتٍ، تُلاحقُ تصرّفاتها وبراءةَ عيشِها بدقّةٍ، دونَ أن يعرفَ الخطأُ طريقًا لجَماليّةِ السّردِ، وروعةِ التّدبيجِ، في إيفاءِ الرّوايةِ حقَّ التّشويقِ وتحفيزِ القارئ للقفزِ فوق السّطورِلبلوغِ النّهايةِ الّتي لا يتوقّعُها.

إحتراف وشجاعة
وأمامَ ثُلاثيّة أحلام ذاكرة الجسد، فوضى الحواس، عابر سرير تعرضُ لنا منى شخصية َ النّاقدِ الجريء باحترافٍ وشجاعة. فها هي، بكاملِ موهبتِها، ناقدةٌ تمتشقُ قلَمَها، كمُحاربٍ آمنَ بقدسيةِ قضيّةٍ امتشقَ حُسامهُ، انبرى للنّضالِ عمّا يؤمنُ بهِ، تقلبُ صفحاتِ ثُلاثية أحلام برفقٍ وكأنّهاآسٍ يجسُّ عليلا . أولُ ما يُلفتُها أسلوبُ الكاتبة المُعتمدِ على علمِ اللّغةِ والتّفاعلات البلاغيّةِ، لا على أدبيّاتها. اللاّفتُ الآخر في النّص كَثرةُ التّناصِّ والإيداع إلى جانبِ الإبداع، وهذا ما يجعلُ مهمّة النّقد عسيرةً.
بصبرٍ وأناة تابعت مُنى البحثَ في مُجمَلِ الإيداعات والاقتباسات الّتي استنفدتها أحلام لإغناءِ وإيضاحِ نصوصِها، فنجَحَت بإلقاءِ الضّوءِ على ما خَفي بين السطور. ولم تنجُ أحلام من الاتّهام الّذي لَحقَ بها بأنّها تسلَّقَتْ أفكارَ الآخَرين وبَنَتْ عليها. هنا ترى مُنى أنّ الكاتبة تستوردُ موقفًا مُقتبَسًا من حَدَثٍ ما لتستنبطَ أفكارًا وتبنيَ عليها أحداثًا و حكايات. هكذا استخدمتْ أحلام تقنيّة التّناصِّ والإيداع وسيلة ً لاستحداثِ أسلوبٍ جديدٍ بعدَ تَكسيرِ قوالبِ الرّتابةِ. وتُشيرُ منى إلى سهَرِ أحلام على صَهرِ إيداعاتِها ومُكوِّناتِ نصوصِها في بوطقةٍ أدبيّةٍ فنّيّةٍ واحدة تذوبُ في سياقِ الوحدةِ النّصّيةِ السّلسَة، ولا تتوقفُ الكاتبة قبلَ أن تستشهِدَ بأسماءِ المشاهيرِ، وتستعينَ بالتّضميناتِ النّصّيةِ الموزّعة بينَ حدَثٍ وقضيّةٍ أو مقالةٍ وحتّى أغنيةٍ أو مَثل وذلكَ لإظهار سِعة الإطلاع وتمتين بنيان النّص.
تنتقلُ منى في بحثها الناقدِ إلى تشريحِ وتحليلِ الأبعادِ: الفلسفية، الإنسانيّة ، النّفسيّةِ، والإجتماعيةِ في نصوصِ ثُلاثية أحلام، وحرصًا منها على الأمانةِ في النّقد، وإيفاءِ النّصَّ حقّهُ، قد تذهبُ أحيانًا أبعدَ ممّا خطرَ للكاتبة ببال، على طريقةِ المعنى في قلب الشّاعرِ من شعور، فتتناولُ في دراستها ثلاثة ُ مَباحث: 1- فلسفة ُ الجسد بين الأنوثةِ والرّجولةِ. 2- فلسفة ُ الذّاكرة بين الحبِّ والخيانة. 3- فلسفة ُثُلاثيّة الوطن، الحياة والموت.
من المؤكّد أنَّ مُنى غاصتْ في نقدها إلى أبعاد فلسفيّة بعيدةِ المَرامي نَمَتها إلى فكرِ الكاتبة ومَراميها وهي في نأيٍ كَاملٍ عن مضمونِ الثُّلاثيّةِ برمّتها.
مُفكّرة مستغانمي الجانبية
وقد ألمَحَتْ مُنى دونَ تصريحٍ أنَّ فلسفة َ الأنوثةِ والرّجولةِ عند أحلام ضاعتْ في حمّى الجسَد، جرفتها شهوةُ الحرمان، كما أشعلها شغفُ الوصول، وخَلُصَتْ إلى القول: يبدو أنَّ لأحلام مُفكّرةً جانبية تُضمّنها أفكارًا جاهزة وإيداعات مُتحفِّزة تبحثُ لها عن مكانٍ ما في نصوصِها.
كما ذهبت الناقدة منى إلى القول: إنّ أحلام على الرغمِ من قناعتها بتعريةِ الكلماتِ لها كلّما كتبنا تعرَّينا لا تنفكُّ تلجأ إلى التّخفّي وراءَ هذه الكلمات المُعرِّية كلّما شاءتْ اقتحامَ مشهدٍ حميمٍ أو موقفٍ جريءٍ يكشفُ جانبًا منَ التّمرُّدِ على التّقاليدِ الّتي تعتقدُها بالية، لتَجعلَ، مَثلاً، من فعلِ الخيانةِ فعلَ تمرُّدٍ على مُجتمعٍ لبسَ النّفاقَ مِعطفَ برٍّ ومُداجاة، وذلكَ انتقامًا لحدثٍ خاصٍّ أو تقليدٍ مَوروثٍ . وقد تبعثُ عمدًا بظلالِ الشّكِّ انتِقامًا من حبيبٍ مُستهترٍأشعلَ حبُّهُ أتونَ المَللِ والرّتابةِ.
وقد تُصوِّرُ حالة ً مُقابلَ أُخرى وخِيانة ً في وجهِ خيانة فها هي البطلة، الرّاوية الوحيدة في ثُلاثيّتِها، تقبلُ سريعًا دعوةَ مَن لم يُصبحْ بعدُ حبيبًا وتُوافيهِ إلى بيتهِ بعدَ اكتِشافها خيانة َ زوجِها، ولا يرفُّ لها جَفنُ خجلٍ ولا يُراودُها لحظة ً الشّعورُ بالإثم أو الإحساسُ بالذّنب .
وتكشفُ الناقدة اللّثامَ عن وجهٍ آخرَ لراوية أحلام الّتي تتناسى اتِّهامها لنِساءٍ أُخرياتٍ شاركنَ زوجها بالخيانة وقد نعتتهنَّ بالسّاقطاتِ المُثيراتِ للغثيان.
وفي بلبلةٍ عاطفيّةٍ فكريّة، تُشيرُ إليها مُنى، عندما تتصدّى لفكر أحلام في اختلاقِها للخيانةِ أعذارًا أوّلُها: فعلُ الحبِّ الصّاعق، يليهِ أو يسبِقُهُ فعلُ الإنتقامِ الحارق.
وعن عدمِ شكِّ الزّوجِ بخِيانةِ خائنتِه تقولُ أحلام: ثمّة نوعانِ منَ الأغبياء: أولائكَ الذينَ لا يشكّونَ بشيءٍ، وأولائكَ الذينَ يشكّونَ في كلِّ شيء، فالدّيكُ المغرورُ يظنُّ أنَّ في بيتهِ دجاجة ً مُدجّنة ً لا ترى سِواه. وإذا كانت كلُّ النّساءِ عفيفاتٍ فمع مَن يزني هؤلاءِ الرّجال؟!!! .
وفي لفتةٍ فلسفيّةٍ توردُ أحلام على لِسانِ أحدِ أبطالِها فتقول: استفيدوا من اليوم الحاضرِ، لتكنْ حياتُكم مُذهلة … خارقة للعادةِ، أسطوا على الحياة … امتصّوا نخاعها كلَّ يوم ما دامَ ذلكَ مُمكنًا … فذات يوم لن تكونوا شيئًا سترحلون وكأنّكم لم تأتوا.
فلسفة الموت
وفي فلسفةِ الموت ترى النّاقدة من خِلال الكاتبة، ما يجتاحُ فكرَ الإنسان أمام بداهَةِ حدثِ الموتِ المحتوم الّذي لا يعلمُ أوان حدوثِه إلاّ الله، وذلكَ بعيدًا عن النّظرةِ العلميّةِ الّتي ترى فيهِ حفظًا لتوازنِ الطّبيعةِ ، إذ تخرجُ الحياةُ من رَحِم الموتِ ويأتي الموتُ إثرَ حياة .
وفي العودةِ إلى النظرةِ الفلسفية، فالموتُ، كما تراءى لنَفَرٍ من الفلاسفة هو تحريرُ النّفسِ منَ الجسَدِ الّذي هو مَدفنُها ومانعُها من بلوغِ المعرفةِ الحقّة للوصولِ إلى الحقيقة الكاملة.
والموتُ وفق هؤلاء هو نوعٌ آخر من الوجودِ للرّوح تكتشفُ فيهِ ما لم تستطعْ اكتشافهُ في الحياةِ الحاضرةِ الّتي يرى فيها السّيدُ المسيحُ نوعًا من أنواع الموت، إذ يقولُ في ما ندعوهُ موتًا : ننتقلُ منَ الموتِ إلى الحياة.
وترى أحلام في الموتِ حافزًا إبداعيًّا للكتابةِ ولكلِّ عملٍ خلاٍّقٍ، كما تراهُ في بعضِ وجوههِ للحرّيّةِ بابًا ومَنفذا.
وفي تقويمٍ نقديٍّ جريء تخلصُ منى إلى القول: تبتعدُ ثُلاثيّة أحلام عن كونِها رواياتٍ جامدة نقرأها فوق صفحاتٍ مُنمّقةٍ، قد نُحبّها أو نكرهها أو نتعامل معها بلا مُبالاةٍ، بل هي في آن رواية ً وفلسفة ً ودراسة ً تحليليّة ً تخدم ُ مواقفَ حياتية واقعية تُطاولُ العيشَ اليوميَّ وتُلامسُ الوجدانَ الإنسانيَّ تارةً كمرورِ النّسيمِ في الحقلِ يُداعبُ أفنانَ الزّهرِ ورؤوسَ العشبِ، وطورًا كريحٍ عاصفةٍ تقتلِعُ أعتى سنديان النّفسِ ، تعبثُ بأعماق الكيان الإنسانيِّ .
ومن الناحيةِ البيانيّةِ ترى ال د. منى في كتابةِ أحلام نصًّا مُتوازنًا، وكأنّ أحلام تُمسكُ بالعصا من وَسَطها وفقًا لقول الفيلسوف إريك فروم : إنّ حدًّا أدنى من النّرجسيّةِ يصونُ الحياة وحدًّا أقصى منها يُدمِّرها.
ورأت الناقدة أنّ الحالة النّفسيّة للكاتبة قد أنتجَتْ وواكبَتْ سائرَ مرافق نصوصِها، وهي بذلكَ أجادَتْ رسمَ خريطةِ نصِّها وبرعتْ في تضمينِهِ الكثيرَ من المعاني الفلسفيّة دونَ أن تهجُرَ سلاسَة ًمعهودةً رافقتها على مَتنِ ثُلاثيّتِها.
في الختام بعد أن تصَدّت منى، في أطروحةٍ لنَيل الدكتوراه، لثُلاثيّةِ أحلام ووضعتها بقوةٍ ودقّة وسطَ زحمةِ مَراياها، سَعَتْ بنجاحٍ في إلقاءِ الضّوءِ على خفايا ما أرادتهُ أحلام خَفيًّا بين سطورِ رواياتِها أو تحتها، وأظهرتهُ للعلَنِ بحلّةٍ قشيبةٍ لا يعروها عيبٌ.

نُشِرت في عام | تعليق واحد

مقالتي اليوم في جريدة الحياة اللندنية عن رواية الكاتب السعودي يوسف المحيميد “غريق يتسلى في أرجوحة” ..

http://alhayat.com/Edition/Print/8587213/%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D9%8A%D9%88%D8%B3%D9%81-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%8A%D9%85%D9%8A%D8%AF-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%B5%D9%88%D8%AA%D9%8A%D9%86-
%D9%85%D8%AA%D9%82%D8%A7%D8%B7%D8%B9%D9%8A%D9%86

رواية يوسف المحيميد بين صوتين متقاطعين
النسخة: الورقية – دوليالنسخة: الجمعة، ١٧ أبريل/ نيسان ٢٠١٥ (٠١:٠)
آخر تحديث: الجمعة، ١٧ أبريل/ نيسان ٢٠١٥ (٠١:٠)منى الشرافي تيّم
تثير رواية الكاتب السعودي يوسف المحيميد «غريق يتسلى في أرجوحة»، الصادرة عن المركز الثقافي العربي، حيرة القارئ، حين يشعر أنه أمام حكاية ذات مضمون عادي، ولغة قصّرت في منحه العباءة الجمالية الشكلية، التي يتوخاها النقد الأدبي حين ينظر إلى النص الأدبي في كونه قيمة جمالية. ولكن لو نظرنا إلى نص الرواية من منظور حداثي، فلا بد من ملاحظة بعده الثقافي المكتسب من بيئته، ويظهر ذلك بجلاء من خلال تتبع تصرفات شخصيات الرواية وأنماط تفكيرها ونظرتها للأمور وتقييمها، فلم يُثر فيضان جدة المأسوي في منتج الأفلام القصيرة صلاح، سوى كونه مادة خاماً لفيلمه القادم «سيكون هذا الفيلم صفقته المنتظرة، التي سيبيعها على أضخم القنوات العربية والعالمية».
قسّم الكاتب روايته إلى ثمانية فصول، ووضع لكل فصل عنواناً من وحي مضمونه. وتقاطع سرد الفصول من خلال ضمير المتكلم بين الراوي فيصل والراوية ناهد. كل منهما يسرد الحدث من منظاره، وفي كثير من الأحيان يملأ الفراغ الذي تركه الآخر، من طريق الإفصاح عن الذات وتفسيراتها الخاصة للأحداث وهواجسها النفسية.
روى فيصل، الذي يعمل كمُخرج للأفلام السينمائية القصيرة، حادثة هروبه من صوت والدته الذي بقي يرن في أُذنه بعد موتها، فترك البيت واستأجر شقة صغيرة في عمارة في شارع العليا – مدينة الرياض، ولم يكن يعلم أنها تُطلّ على مقبرة صغيرة. أما همّ المنتج صلاح الوحيد، فتمثل في أن يتوصل فيصل إلى أفكار لأفلامه القصيرة.
انطلق مضمون الرواية من ذاكرة فيصل، التي امتدت لتتمازج بذاكرة المطلقة ناهد، التي التقى بها في مركز جدّة للعلوم والتكنولوجيا. وأشار إلى أن إدمانه مشاهدة الأفلام السينمائية، هو الذي جعله يصبح مخرجاً للأفلام القصيرة: «وأدمنت الأفلام كلها، لا أتردد في مشاهدة أي فيلم، كان مجرد اشتعال الضوء في الشاشة الفضيّة الصغيرة يأسرني، ويذهب بعقلي بعيداً» وأسهب في تعداد أسماء الأفلام التي شاهدها، ولخص بعضها، وسرد الأثر الذي تركته تلك الأفلام في نفسه. وحوت الرواية عدداً كبيراً من أسماء الروايات، وأسماء الكتّاب والمغنين والممثلين والمسلسلات.
ولا بدّ من الإشارة إلى البعد الروحي الذي سكن فيصل وملأ أجواء الرواية، حين حار في سرّ الوجود البشري، وتساءل عن ماهية الموت؟ ومن هو الميت الحقيقي… أهو من يسير على الأرض أم من هو تحت التراب؟: «ولم يكن آخرها يقيني بأن الموتى هم الذين يجوبون الشوارع، بينما الأحياء هم أهل المقابر النائمين بسلام تحت أسرتهم».
شرك الحب
أما ناهد فسردت بدورها كيف وقعت في حب فيصل: «التهمتني عيناه النسريتان، فأحسست أنني خفيفة ورفرافة، صرت امرأة من ريش، وها هي اللحظة التالية، أسير نحوه، أحمل حلماً في رأسي، وبحراً في جوفي، يا للغرابة!»، ثم سردت حادثة خيانته لها مع صديقتها زينب: «فهو حتماً لم يحبني، لكنه أحبّ حبي له، وإلا كيف مدّ ذراعه لأول عابرة من دون أن يفكر بي».
كانت دلالات نص الرواية صريحة توصيلية لا ضمنية، لذلك لم ترتبط بالوظيفة الجمالية للغة. ولم يرتبط بعدها الزماني في بُعدها المكاني، فبدت شخصيتا فيصل وهند منفصلتين عنهما، ولم تتحركا في أبعد من أفق ما يدور في رأسيهما أثناء سرد الأحداث المستعادة من الذاكرة، والتي لها علاقة مباشرة بثقافتيهما – فيصل المتحرر ظاهراً في أفكاره وألفاظه وبعض تصرفاته، أما داخلياً فأسير هواجسه وخيالاته ومخاوفه. وناهد المحافظة رغماً عنها من نفسها – إلا أنّ لا بد من الإشارة إلى الدلالة الزمنية المعنوية الوحيدة المرتبطة بنفس فيصل، وهي شهر نيسان (أبريل) الذي وُلد فيه عام 1973: «وحين كبرت عرفت أن ولادتي كانت في شهر أبريل، شهر الأكاذيب، فداهمتني خلال فترات لاحقة من حياتي أحاسيس غريبة ومزعجة، كأن أشعر أنني كذبة، وأنني لم أولد أصلاً، ولم أعش بتاتاً». أما الدلالة اللغوية للعبارة التي أخبر فيها فيصل عن شهر ولادته، فقد ظهرت حين حصل التكرار في سطرين متواليين: «وُلدت في يوم غبار ترابي، كان الوقت في نيسان… وحين كبرت عرفت أن ولادتي كانت في شهر أبريل»، فالتكرار هنا على رغم استخدام كلمة نيسان في السطر الأول وأبريل في السطر الثاني ربما يدل على الوضع النفسي غير المستقر للراوي، الذي ربط مصيره وتكوينه بفكرة.
حاضر الراوي
انطلقت الرواية من حاضر الراوي وهو في صدد التحضير لبعض الأفكار لأفلامه القصيرة، مروراً بالماضي المسترجع من الذاكرة، ذلك الماضي الذي مهد للنهاية التي جسدت حاضر فيصل وناهد معاً، فبدا الماضي من خلالهما وكأنه المحصلة الثقافية للحاضر، وصولاً إلى النهاية التي تمثلت بنقل حدث الكارثة الطبيعية الحقيقية التي وقعت في جدة بحرفيته، وخلفت الخسائر الفادحة في الأرواح والممتلكات وشردت العديد من الأُسر. أما الإضافة الوحيدة إلى الحدث الواقعي، فكانت حين جعل الكاتب ناهداً في قلب الحدث بين الشباب والبنات الذين تطوعوا لمساعدة الناس. وتجسدت بذلك دنيوية النص وواقعيته من خلال تفاعلاته البشرية والثقافية. أما الربط بين الحدث الواقعي وشخصيات الرواية، فأتى حين فكرت ناهد في فيصل أثناء الكارثة: «ربما فاتك – فيصل – أن تكون موجوداً، لتحمل الكاميرا وتسجل المأساة»، فأي فيلم يمكن أن يضاهي الفيلم الواقعي، الذي لم يحتج إلى خدع تصويرية وإمكانات مادية هائلة لتنفيذه…؟. إلا أن فكرتها تلك لم تكن خيالية، فقد حضر فيصل إلى جدة كي يصور هول الفاجعة، إلا أنه لم يكن يتوقع أن تلعب الصدفة دورها ويرى ناهد وهي تتكلم عما أحدثه الطوفان في جدة، فلم يجد أمامه غير الهروب كي لا تراه، فقال في نفسه: «كانت الصدفة فادحة، وفوق قدراتي على الاحتمال، أو التخيل. بكيت وأنا ألعن زينب وتفاهتها». إلا أنها رأته فوصفته في نفسها: «حينما ذهب مهرولاً مثل قنفد شوكي يتدحرج… فهو بالفعل جثمان الآن، وعليّ أن أشيع هذا الرجل الميت. بينما عدت إلى الداخل أعارك طوفان الدمع في عيني. لم أبك عليه، وأما أبكي عليّ». كانت الدموع العامل المشترك بينهما في تلك اللحظات، إلا أن سببها كان مختلفاً، فعند فيصل كان ندماً على خسارة ناهد من أجل فتاة تافهة، أما عند ناهد، فكان على نفسها لا عليه!
لم يتطور الحدث في الرواية، فبدت حركته باهتة، ولم يظهر تفاعله مع الشخصيات التي لم تحتج إلى شد الخيوط التي تؤدي إلى تكاثفه وتراصف جزيئاته، الأمر الذي أدّى إلى تباطؤ الحبكة، فلا تصعيد ولا تشويق ولا إيحاء ولا مفاجآت ولا إطلاق لخيال القارئ لأية تكهنات أو توقعات، وذلك لخلو الرواية من عنصر الخيال.
وأخيراً لا بدّ من الوقوف عند ما كُتب على الغلاف الأخير للرواية: «ليس أمام فيصل، المخرج الشاب لأفلام سينمائية قصيرة، إلا رؤية هذا العالم الغريب عبر عدسة الكاميرا، حين يصبح العالم مجرد فيلم، هو أحد أبطاله»، ففي أي جزء من الرواية أطلّ فيصل على العالم عبر عدسة الكاميرا؟ ومتى أصبح العالم مجرد فيلم هو أحد أبطاله؟ أيكمن الجواب في الفصل الثامن من الرواية، حين تفوّق خيال الطبيعة بانتفاضتها على خيال فيصل المخرج، الذي لم تسعفه أفكاره في سبعة فصول من ابتكار قصة فيلمه القصير؟.

نُشِرت في عام | 2 تعليقان

مقالتي اليوم في جريدة الحياة اللندنية عن رواية “ترانيم الغواية” للكاتبة ليلى الأطرش

http://alhayat.com/Articles/8396070/%D9%84%D9%8A%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B7%D8%B1%D8%B4-%D8%AA%D8%B1%D8%B5%D8%AF-%D9%85%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%AF%D8%B3-%D8%A8%D8%B9%D9%8A%D9%86-%D8%AA%D8%B5%D9%88%D9%8A%D8%B1%D9%8A%D8%A9
منى الشرافي تيّم
ترسم الكاتبة ليلى الأطرش كلمات روايتها «ترانيم الغواية»، (منشورات ضفاف) بشحنات بلاغية وتصوير شاعري، وتنسق معانيها مازجة الوصف بالسرد، وغائصة في البعد النفسي للغة من خلال الأبعاد المشحونة بالمعاناة النفسية: «خيوط الشمس غزلت دفء النهار، أضاءت ذهب الصخرة، وتلة مغروسة بشواهد الراحلين، تحتمي بسور شاخ التاريخ فوق حجارته».
تبدو اللغة لدى ليلى الأطرش وكأنها عين تلتقط صوراً تصف المشهد التاريخي البعيد: «من رحم الماضي تولد رؤى وظلال أشخاص، وأسئلة تقيّد الخيال، تجهض كل تصور للآتي… وزوابع القلق زئير»، وتعمل على إسقاط الأقنعة أمام الذاكرة، التي تسللت إليها عبر ذكريات الآخرين وتاريخهم: «بجلال يفرض التاريخ حضوره الطاغي على مدن ولدت معه… لآثاره سطوة إنطاق حجارة الزمن، فتروي قصص من سطّروا حكاياتها».
اختارت الكاتبة من ذاكرة القدس وتاريخها الذي حُفر في ذاكرة كل من سكنها موضوع فيلمها السينمائي الذي تتهيأ لتصويره… ذاكرة العقل، وذاكرة الصور، وذاكرة المُذكرات والملفات والوثائق: «تتشوش الذاكرة بعد مشاهدة صور قديمة… ولأي سبب اختارت الذاكرة حادثة أو شخصاً دون سواه؟ أم أن الذاكرة والصورة في اختلاط محير؟ وهل كان العقل ليستعيد تفاصيل لحظات وأحداث معينة إن لم تسجلها الصور؟». التقطت الكاتبة صوراً جعلت القارئ يتابع دقائق تاريخ القدس وحركة من عاش فيها ومدى تأثيرها عليه: «مصلوب بحيرته ذاك المولود في مدينة منذورة لله… ظاهرها قدسي… معلق على الحدّ بين طهارة الحجر ونوازع البشر».
مهدت الكاتبة لقصتها باستهلال تاريخي تناولت فيه سيرة سالم أبو نجمة وضياع المرج، فضلاً عن الوعد الذي قطعه لزوجته مريم الضاوي، وأولاده إبراهيم وحبيب وميلادة عند سفره، أن يعمل ليلاً نهاراً كي يؤمّن لهم حياة طيبة ويلحقوا به إلى التشيلي. إلا أنه لم يفِ بوعده، لأن الكوليرا سبقته إلى زوجته، فكان الموت أسرع من الوعد، فجرفته بلاد الاغتراب إلى عشق محرم وشهوة لا تنطفئ!
ذهبت الراوية إلى مدينة القدس كي تصوّر فيلماً سينمائياً… معوّلة على ذاكرة العمّة ميلادة، التي قيل أنها تعاني من بدايات مرض الألزهايمر: «والعمة منذ زمان المخاضات الكبرى، والتحولات العاصفة، وُلدت تخلع عهداً وتعيش آخر، فتشابكت في أيامها خطوط السياسة والدين». ووجود العمة في القدس هو الذي منح الراوية تصريحاً لزيارتها، فحققت حلمها: «فوق غمامة من حلم سكن دقائقي والساعات، أنتظر زيارة من قالوا إن حاضرها ينساب إلى ظلمة نسيانها».
من قلب الذاكرة – ذاكرة الروايات التي كانت تسمعها – سردت الراوية حكاية زواج ميلادة من ابن خالها عوض، الذي مات باكراً، وبدل أن تحمل طفله، حملت لقب أرملة! ثم مرت على علاقة الحب المحرمة التي نشأت بين العمة الأرملة ميلادة والخوري الأرمل متري، الذي نُعت بالكاهن الفاسق، وذلك لأن قوانين الكنيسة لا تجيز زواج كاهن أرمل. إلا أنه جرّاء خوف الكهنة من فضيحة تطاول سمعتهم اقترحوا عليه أن يتزوج حبيبته بالسر، فعبّر عن ذلك في رسالته التي تركها لابنه قائلاً: «بررت بقسمي فلاكتنا الألسن…» كما كانت العمة ميلادة في كل مرة تقترح على الراوية قصة جديدة كي تصورها في فيلمها، وفي كل قصة – بنت – والبنت في كل مرة هي ميلادة نفسها.
ومن ذكريات ميلادة، تسللت الراوية إلى أوراق الخوري متري، ووضعت يدها على ملفات الذاكرة القابعة في أدراج مكتبة إبراهيم الأخ الأكبر لميلادة وحصلت على فكرة فيلمها: «من رسالة في الملف الأول توالت الصور والأفكار… جزء من الفيلم سيروي اعتداء البشر على التاريخ في مدينة السماء»، ثم فتحت ملفاً بختم أحمر، وقرأت التقرير المكتوب بخط اليد من شخصية عربية باسم مشطوب بالحبر: «ونؤكد لكم أن قادة جيش الإنقاذ العربي ودوله غير راغبين في مواجهة مسلحة مع اليهود، فهم يدركون أنها معارك غير متكافئة، لكنهم يُخفون هذا عن الجنود والشعوب لئلا يُتهموا بالخيانة». وهذه الجزئية من التقرير اختزلت تاريخاً كاملاً في بضع كلمات. ثم اطّلعت على الوثيقة التي تظهر كيف انتقلت آلاف الدونمات من بدو وقرويين غافلين عبر السماسرة والمستثمرين إلى اليهود.
سردت الكاتبة التاريخ بحنكة وثقة لغوية، بحيث لا يشعر القارئ بأنه يقرأ تاريخاً، بل يحيا اللحظة ويسبكها في ذهنه، وكأنه يقف على شرفته العالية ويراقبه يتحرك أمامه، فعادت للعام 1908. ومرت على حروب الأتراك والفرنج، والأتراك والعرب، والعرب واليهود، ومسلمين مع مسلمين، ونصارى مع نصارى، ومسلمين مع نصارى. كما حرصت الكاتبة على توثيق مصادر المعلومات التاريخية في الهوامش.
سجلت الكاتبة وصفاً إنسانياً لمدينة القدس، على لسان الراوية، نقلاً عن ميلادة: «تعطي الغرباء مكاناً فيها لكنها لا تحضنهم، صدرها لا يلم وحشة الغريب، حضنها لا يعرف الدفء، دائماً تضع مسافة بين أهلها والآخرين»، كما أشارت إلى الدور السلبي الذي لعبه الخلاف بين العائلات المقدسية، مما أضرّ بالبلاد وقضاياها ومصيرها.
سردت الراوية، التي بقيت بدون اسم، بضمير المتكلم بالتناوب مع العمة ميلادة. أما الذاكرة فسردتها بضمير الغائب. ودفع ضمير المتكلم الراوية إلى التأمل، فارتفع مستوى الصورة الفنية في ألفاظها وعباراتها.
حللت الكاتبة نفسية ميلادة، وتعرفت على تقلباتها، وحددت طاقاتها، فارتبطت بالحدث وحافظت على أبعادها الوجودية وصفاتها الباطنية. وبدت ميلادة كأنها شخصية واقعية انصهرت في المكان الذي تعيش فيه، وخطّ عليها الزمان آثاره. ومن مكانها وزمانها اكتسبت صفاتها وسلوكها ونمط تفكيرها، وكي تكمل الكاتبة نصها الروائي، حثت ميلادة على البوح بهمومها، ففضت بكارة ذاكرتها، إلا أنها أخضعت الراوية لمزاج ميلادة الشخصي، فكانت الأخيرة حرّة تتحرك بإرادتها. وعلى الرغم من كل المعلومات التي حصلت عليها الراوية من ميلادة إلا أنها حافظت على غموضها حتى اللحظة الأخيرة من الرواية! أما الشخصيات المؤثرة في الرواية التي أتى وجودها من الذاكرة أو من الملفات أو الصور، فراقبتها مراقبة خارجية وأفادت من مشاهداتها وسجلتها.
لم تحوِ الرواية حبكة روائية. أما عنصر التشويق فلم يأتِ من خلال الحدث بل من خلال جاذبية اللغة وحيويتها. وكان للمكان والزمان التأثير الأكبر في خلق الشخصية الواقعية وحركتها، فارتبط الوقت بالحوارات الداخلية والهواجس النفسية وزوايا الذات.
أما بالنسبة إلى الحدث فانحصر بميلادة وسيرة حياتها، ورضخ لاستعداداتها العقلية، وسماتها المزاجية، ولكل من ارتبط بها، ومنها انطلقت إلى السرد التاريخي الوطني والإنساني، وتداعيات كل ذلك على الفرد والأشخاص، من خلال الأنا والآخر في الصراعات المباشرة والمضمرة.
ولم تغفل الكاتبة إضاءة البعد العاطفي لميلادة المرأة من خلال قولها: «أي امرأة لن تعرف قيمة جمالها إن لم يحبها رجل… عينا الحبيب أصدق من أية امرأة». وفي الوقت نفسه غمزت إلى وضع المرأة الفلسطينية وارتباط مصيرها بالرجل: «دائماً… تدفع النساء ثمن خلافات الرجال ومشاكلهم».
وأخيراً… أقتبس ما قالته الراوية في وصف ميلادة لوصف الكاتبة نفسها: «لمّاحة حكّاءة، رشيقة الأسلوب، خاصمت التكرار، كأنما رتبت أفكارها متوالية على رفوف خفيّة… لا تتزاحم ولا تختلط».

نُشِرت في عام | أضف تعليق

حلقة برنامج (ببيروت) على قناة LBC الفضائية

نُشِرت في عام | أضف تعليق