1- ما الذي دفعك لاختيار عنوان ‘أقدار مشفّرة’ لروايتك، وكيف يرتبط هذا العنوان بالغلاف الذي اخترته؟
قصتي مع العنوان طويلة، فهي جزء لا يتجزأ من الرحلة الكتابية نفسها! فمنذ بداياتي حرصت على اختيار العنوان قبل الشروع في الكتابة، لأنه بالنسبة إليّ ليس مجرّد اسم، بل هو البذرة التي تنبثق منها الرواية، وبمنزلة العدسة التي أرى من خلالها ملامح النص وأحداثه وشخصياته. فالعنوان أشبه بمجهر يضبط درجة تكبير الصورة أو تصغيرها تبعاً لاحتياجات السرد وعمق الرؤية.
حين اخترت اسم الرواية شعرت وكأنني أستحضر المشهد الكوني للحياة الحديثة؛ عالماً تتداخل فيه التكنولوجيا المذهلة، وشيفراتها الدقيقة، وبياناتها المتدفقة، التي يتحكم بها “الحاكم المعنوي” للعالم عبر تجنيد العقول البيولوجية الذكية. ومن هنا انطلقتُ إلى طرح السؤال الوجودي: إذا كان الإنسان قادراً على تشفير الآلة التي صنعها، فهل يملك الشيفرة التي يفكّ بها تلك “اللحظة القدرية” – وأشدد على هذه العبارة – فهي اللحظة العابرة التي تأتي على غير موعد! ولكنها قادرة على قلب الموازين رأساً على عقب، فتعيد تموضع العقلين البيولوجي والاصطناعي في مواجهة مع عجزهما أمامها مهما بلغا من قوة أو معرفة؟
أما الغلاف، فقد حرصت على أن يجمع بين العنوان والجوهر، ليبقى مفتوحاً على التأويل والخيال. فصاحب الحس الفني قد يقرأه بعاطفته، فيما يراه صاحب الحس العلمي من زاوية مختلفة تماماً. وهنا يكمن سرّه في تعدديته وقابليته للقراءات المتنوعة. أمّا قراءتي الخاصة له، فهي أننا بما نحن عليه في عقولنا وأفكارنا، لسنا سوى امتداد لهذا الكون الشاسع، الذي يعجزنا بحجمه وأسراره وما يخبئه لنا من مجهول وتناقضات وأضداد… أقول في الرواية:
“شهر مرّ مُرّا وأعضاء سيلا الحيوية تنسلُّ منها الحياة؛ أما جنينها ففي حاضنته رويداً رويدا تتسلل إليه الحياة… حين قرعت في ذلك النهار أجراس إنذارات الأجهزة الطّبية الاصطناعية معلنة مغادرة روحٍ… أرّقت سكون من لا اسم له! فصاح باكياً بشهيق دبّ في أوصاله الحياة”.
“لحظات قدريّة عجيبة عاشها وليد، جمعت بين وداع موجع وفراق أليم، وبين استقبال ملائكيّ ولقاء حميم. لحظة عناق موت وحياة… لحظة قال فيها الإرهاب كلمته، فكانت كلمة الله أعظم وأقوى وأرحم! فقد حمل وليد طفله بين يديه لأوّل مرة، محدّقاً داخل عينيه اللامعتين البريئتين، فأشرق في قلبه الأمل… وخالطت دموعه الغزيرة شفتيه الباسمتين فرحاً ووجعاً، خيبة وأملاً، غروباً وإشراقاً… لحظة تعانقت فيها كلّ الأضداد لترسم لوحة مغايرة للحياة”.
2- تتنقل روايتك بين موضوعات التكنولوجيا والعاطفة والسياسة والعلاقات الاجتماعية، ما الذي يبرر هذا التنوع في المواضيع؟
روايتي لا تكتفي بالتنقّل بين التكنولوجيا والعاطفة والسياسة والعلاقات الاجتماعية فحسب، بل تغوص في أعماقها، لأنها في حقيقتها خيوط من نسيج واحد، ليس بالإمكان فصلها عن بعضها البعض. فالتكنولوجيا اليوم لم تعد مجرد أداة، بل أصبحت سلطة معنوية خفية تتغلغل في المفاصل الدقيقة للحياة، فتوجّه مصائر البشر وتُسيّرهم بإرادتهم، حتى ليبدون وكأنهم تحت تنويم مغناطيسي، بلا مقاومة ولا مساءلة ولا اعتراض! ومن هذا الباب تتدخل السياسات المرسومة والمخطط لها مسبقاً، لتستغل الآلة الذكية وتستثمرها في خدمة مصالحها، ولو على حساب الأثمان الباهظة التي يدفعها الإنسان من حريته ووعيه ووجوده وذاته.
أما العاطفة والعلاقات الاجتماعية، فقد طالتها يد التكنولوجيا إلى درجة التشويه؛ إذ تغلغلت في تفاصيلها فحوّلتها إلى هوس وانفصام تام عن الواقع، حيث لم يعد المرء يرى نفسه في مرآته الحقيقية، بل صدّق صورته الزائفة خلف الشاشة الباردة. وليس هناك أخطر من أن يصدّق الإنسان كذبته، فيعيشها وكأنها حقيقة!
وأنا بكلامي هذا لا ألقي التهمة واللوم على التكنولوجيا بحد ذاتها، بل على طريقة تلقيها، لأنها أصبحت عند من استسلم لها بديلاً عن عقله وعاطفته وإيمانه، وتمجيد الآلة على هذا الشكل من شأنه أن يُلغي الروح. وانطلاقاً من هذه الحقيقة كان لا بدّ للرواية من احتضان كل هذه العوالم وجمعها تحت سقفها، لأن الحديث عن واحد منها دون ذكر الآخر، أشبه بقراءة صفحات ناقصة مبتورة… أقول في الرواية:
“هم ليسوا رؤساء لدول معيّنة أو شعوب بذاتها، ولكنهم رؤساء معنويّون لكلّ من يستخدم قنوات التواصل، التي قطعوا على أنفسهم عهوداً بتطويرها على مدار عقارب الساعة. فوجد فيها البشر ضالتهم، واستعاضوا بها عن شخصياتهم الحقيقيّة بشخصيّات أحلامهم، والتعديلات التي يقومون بإجرائها على أشكالهم لا تشبههم؛ جعلوا البشر يعيشون حالة انفصام عن النّفس، وانفصال عن الواقع، وأغرقوهم في أوهامهم، وسجنوهم بين قضبانها، ذلك السجن الإراديّ المعنويّ، وهم الذين ترعبهم فكرة الخروج منه، وناموا واستفاقوا على التقليد الأعمى الأصمّ”.
3- في روايتك، تظهر شخصيات من جنسيات متعددة وفي أعمار متقاربة، وقد تلاشت الفوارق الاجتماعية والدينية والطبقية بينهم. هل تعتقدين أن هذا العالم المثالي يمكن أن يتحقق في الواقع؟
نعم، تعمّدتُ أن تكون شخصيات روايتي من جنسيات وأطياف وأديان ومعتقدات متعددة، ومن أعمار متفاوتة كذلك، لأن هذا التنوع هو الحقيقة التي تميّز البشر على كوكب الأرض. غير أن السياسات المرسومة عمداً شيّدت بين الناس فواصلاً من العنصرية وأسواراً من التفرقة، لتُبقي الحاكم في موقع السيطرة والمواطن في خانة التبعية، حتى في معظم الدول التي تدّعي الديمقراطية وتنادي بحقوق الإنسان. والفارق الوحيد يكمن في أسلوب التحكّم، فالجوهر واحد: أقفاص مختلفة في أشكالها وأحجامها، أما قضبانها فواحدة. والدليل على ذلك هو هذا السجن الكبير الذي ارتضيناه بإرادتنا… فالتكنولوجيا سلبتنا أبسط مقومات الخصوصية في حياتنا.
لقد حرصت في روايتي على إزالة هذه الحدود المصطنعة، وكلّي إيمان بأن الإنسان إنسان، بغضّ النظر عن جنسه أو دينه أو طبقته: “وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا”. فالتفرقة صناعة بشرية، أما الوحدة فهي الفطرة. ولهذا، لم يقتصر التنوع في الرواية على الشخصيات فحسب، بل شمل الأزمنة والأمكنة، والدول العربية والغربية التي دارت فيها الأحداث.
أما وصف عالم الرواية بالمثالي، فأنا لا أراه كذلك أبداً، إنما هو صورة واقعية لإمكانات الاتحاد والتآلف، حين نستلهم مسار الكون نفسه! فالخالق دبّر حركة الذرّات والكواكب في انسجام تام، ولم يخلّ بذلك التوازن سوى النفس البشرية من خلال أطماعها وضعفها. ومن هنا، لم تلتقِ في الرواية جنسيات البشر فحسب، بل جاوزتهم إلى مخلوقات البحر، وكائنات السماء في حركة تدويريه، أعادت خلط أوراق الحياة، وذكّرتنا بأننا جميعاً نسير وفق إرادة الله، حيث يتم التيسير أو التعقيد بقدر مشفّر.
ولعلّ أكثر ما يعبّر عن هذا المعنى، استناد الرجل الصيني “تشونغ يو” إلى آيات من القرآن الكريم، وتحديداً من سورة الكهف، ليبرهن بها لإلهام المسلمة على الإيمان بالغيب، في مشهد يختصر تلاقي الأرواح رغم تباعد الأوطان والديانات واختلاف الثقافات… أقول في الرواية:
“دعينا يا عزيزتي ننظر إلى الأمر من بُعد مختلف، وهو البُعد القدريّ الذي كُنت دائما أناقشك فيه؛ القدر هو كهذه الأُحجيّة، قطع متناثرة… تصطفُّ كلّ قطعة في مكانها من أجل تكوين لوحة معيّنة أرادها الله على هذا الشكل… وأنا لست مسلماً، ولكنّني قرأت القران الكريم ودرسته وتعمّقت في تفسير آياته… وأنا أعلم أنّك علمانيّة التفكير والمنطق، ولكن أودُّ هنا أن أحدّثك عن بعض آيات من سورة “الكهف” المذهلة”
4- تتضمن روايتك تفاصيل دقيقة لأحداث تاريخية كبيرة. ما الرسالة التي ترغبين في إيصالها إلى القارئ المعاصر؟
رسالتي الجوهرية هي أن التاريخ ليس ظلّاً يرافقنا من بعيد، بل هو النسيج الذي يلتفّ حول حاضرنا ويرسم ملامح مستقبلنا. فما نعيشه اليوم ليس إلا امتداداً لذلك الماضي، القريب منه والبعيد والعميق، بكل ما حمل من إنجازات وإخفاقات، ومن شرائع وقوانين، ومن عادات وتقاليد. إن تقسيم الخرائط، وتحديد الأحجام، ورسم مصائر الشعوب، لم يكن وليدة اللحظة، بل ثمار تراكمات تاريخية متجذّرة… أقول في الرواية:
“حصل الأصدقاء على وثائق ومخطوطات في علم الاجتماع على مر العقود، كشفت لهم الطريقة الممنهجة التي تمّ من خلالها تصنيف البشر، إلى مقامات، ودرجات دُنيا، ومراتب عُليا، وصاغوا وفقها القوانين البشريّة من أسياد وعبيد، ووضعوا على أساسها الدساتير، وسنّوا لها الشرائع”.
فالوراثة التي نحملها لا تقتصر على جيناتنا البيولوجية، بل تمتد لتكون جغرافية وتاريخية ودينية، ومن ثم سياسية واجتماعية، بل وغرائزية أيضًا. ولهذا، لا يمكننا أن نغفل التاريخ أو نُقصيه، فهو يسكن في تفاصيل حاضرنا، ويضع بصمته ويترك أثره في كل خطوة نتجه بها نحو المستقبل.
أما الرسالة التي أردت إيصالها، فقد نسجتُها في ثنايا رواية “أقدار مشفّرة”، مخفية بين السطور والصفحات، وأترك للقارئ اليقظ مهمّة فكّ شيفرتها، واستيعاب ما وراء الكلمات وما هو أبعد منها، ليكتشف بنفسه ما يُحاك له وما يُنتظر منه في هذا العالم المتحوّل المخيف.
5- تبدأ روايتك بخيال علمي ثم تنتقل إلى أحداث الماضي والمستقبل. كيف تعلقين على هذا الانتقال بين الأزمنة المختلفة؟
هذا بالفعل ما سعيت إليه؛ أن يظن القارئ في البداية أنه أمام رواية خيال علمي منفصلة عن الواقع، فإذا به يكتشف أن الخيال فيها ليس سوى مدخل، وأن النص متجذّر في الواقع ذاته، ينطلق منه ويمتدّ عبر أزمنته المختلفة: الماضي والحاضر والمستقبل.
لم يكن هذا الانتقال بين الأزمنة مهمة سهلة، بل كان تحدياً كبيراً تطلّب مجهوداً وصبراً طويلاً. طالما شعرت أن مخيلتي قد تخونني حيناً أو تخذلني أحياناً، وأن الأفكار التي تبرق وتتسابق في ذهني سوف يكون من الصعب ترجمتها إلى سرد حيّ قادر على احتواء كل ما فيها من التشعّبات والتناقضات والاختلافات. لكن بفضل الله الذي أعانني على الاستمرار، ومنحني الموهبة، بالإضافة إلى الإلهام الذي رافقني طوال فترة التأليف، تمكنت من التقاط كل الخيوط وحياكتها بمنطق قد يتراءى للقارئ بأنه أمام وقائع حقيقية وشخصيات حيّة، لا مجرد نتاج مخيلة روائية.
6- روايتك تحمل طابعاً توثيقياً، فهل تتوقعين أن تُصنف ضمن الروايات التاريخية؟ وهل يمكن أن يؤثر ذلك على استمرارها مع القارئ؟
صحيح أن روايتي تحمل في بعض مفاصلها طابعاً توثيقيّاً، وقد مرّت بمحطات تاريخية مؤثرة، لكن ذلك لم يكن غاية في ذاته، بل وسيلة لخلق تسلسل زمني متماسك، يُضفي على السرد واقعية تُقرّب النص من القارئ وتفتح أمامه أفق المعرفة عبر الفن الروائي، الذي أراه اليوم متربعاً على عرش الفنون العالمية.
ومع ذلك، حرصت على عدم انزلاق الرواية إلى خانة “التاريخ البحت”، فالرواية ليست كتاباً مدرسيّاً، ولا سجلاً جامداً يعيد سرد الأحداث. لذلك، جعلت الوقائع التاريخية في خدمة النص من خلال اندماجها في نسيجه عبر شخصيات حية، تلعب أدواراً محددة في سياقاته المختلفة. بهذا الشكل، يبقى الحدث التاريخي نابضا ًومؤثراً، دون أن يفقد النص طاقته الفنية، ويبقى مقبولًا عند مختلف الشرائح الثقافية والعلمية والفكرية.
كما حرصت أيضاً على الموائمة بين البعد التوثيقي والفنية الروائية، عبر لغة تصويرية سلسة، ومن خلال عنصري التشويق والشغف اللذين حضرا بقوة في الرواية. فأنا أؤمن أن الرواية التاريخية الصرفة قد تُحرج الفن الروائي وتضيّق خيال المبدع، في حين أن مهمة الرواية تختلف عن مهمة كتب التاريخ: هي ليست إعادة سرد للماضي كما هو، بل إعادة خلقه بأسلوب فني يضيء الحاضر ويستشرف المستقبل.
7- في روايتك، يبدو أن الخلاص من مشاكل العالم مرهون بالكائنات الفضائية. ما الذي دفعك لاتخاذ هذا المنظور؟
لا أوافق على القول بإن خلاص العالم في روايتي مرهون بالكائنات الفضائية؛ فدورها قد يبدو للبعض محض خيال علمي جامح، لكنه في الحقيقة يتجاوز حدود الخيال إلى أبعاد معنوية ونفسية وفكرية أعمق. لقد أردت من خلاله أن أوجّه رسالة إلى صانعي التكنولوجيا والقوى العظمى في العالم، الذين لم يكتفوا باستباحة كوكب الأرض ومقدّراته فحسب، بل امتدت أطماعهم إلى الفضاء، باحثين عن كواكب بديلة يسكنونها حين يغدو كوكب الأرض غير صالح للعيش، بعدما أثقلوه بأسلحة الدمار والأوبئة والأمراض المصنّعة من أجل السيطرة.
لقد سمح البشر عبر التاريخ للقوى المهيمنة بأن تستولي على أوطانهم عبر الاستيطان، وسياسات التخويف، واستمرار سلطة الاستقواء. لكنني تخيلت أن “أهل السماء” – إن جاز التعبير – لن يسمحوا بتكرار هذه المأساة على كواكبهم، كما سمحنا نحن بها على كوكبنا… أقول في الرواية:
“أمّا الأمر الآخر الذي يهمّ الكائنات، فهو حصر كلّ أولئك الذين يُعدّون العدّة لغزو الكواكب والعبث بتكوينها، وتغيير وجهها ووجهتها… فقد خلق الله لكلّ كوكب ساكنيه، وبيئته، وهم يستخدمون مقدّرات الأرض وثرواتها، للقيام بتجاربهم كي يستولوا على الكواكب ويستوطنوا فيها من أجل هوسهم ومصالحهم، وتطلّعاتهم التي فاقت ما خلقه الله لهم وما خلقهم من أجله”.
ثم، هل يمكن لأحد أن يجزم اليوم بعدم وجود الكائنات الفضائية؟ إن ما نجهله أعظم بكثير مما نعرفه. وهذا ما تأكد لي أكثر خلال بحثي في أحدث ما توصّلت إليه الأدوات التكنولوجية، حيث بدا لي أن فضاءات المجهول أوسع وأعمق من أن تُختزل في أفقنا الضيق.
8- ألاحظ أنك ألمحت إلى رموز سياسية بارزة في روايتك. ما الذي دفعك لهذا الإيحاء؟
ملاحظتك في محلّها تماماً. حين كتبت الرواية وجدت نفسي أمام مفترق طريقين: الأول هو التصريح المباشر، وفيه تتحوّل الرواية إلى ساحة انقسام؛ تُقبَل عند البعض وتُرفَض عند آخرين، تبعاً لانتماءاتهم السياسية أو خلفياتهم الدينية والمذهبية. أما الطريق الثاني، فكان التلميح والرمز، بحيث أبقي النص مفتوحاً على التأويل والخيال، ليُقرأ من زوايا متعدّدة، كي تُحاكَم الرواية على أساس قيمتها الفنية وطاقتها الإبداعية، لا على ضوء الاصطفافات الضيقة.
وقد اخترت الطريق الثاني، لأنني أؤمن أن الرمز أعمق أثراً من المباشرة، ويبقى في ذاكرة القارئ بعد الانتهاء من القراءة. ولعلّ “أقدار مشفّرة” قد نجحت في ذلك، إذ سمحت لشخصياتها وأحداثها أن تجوب الآفاق: تمشي على الأرض، وتغوص في الأعماق، وتطير في فضاءات مفتوحة، حاملة دلالاتها السياسية والإنسانية، دون أن تتقيد بسياج ضيق أو خطاب مباشر.
9– روايتك قاربت الـ 500 صفحة. هل تعتقدين أن هذا الحجم يمكن أن يسبب الملل للقارئ المعاصر؟
بصراحة، حين شرعت في كتابة الرواية لم يخطر على بالي أبداً عدد صفحاتها، لأن الذي حكم حجمها هو ثِقَل مضمونها وتشابك أحداثها. لم يكن ممكناً اختصار أي مشهد أو تجاوز أي تفصيل، لأن ذلك كان من شأنه أن يؤدّي إلى تشتيت الأفكار، وقطع تسلسل الحكاية، والإخلال بالمنطق الزمني الذي تنتظم وفقه. فالرواية التي تناقش قضايا متشعبة – علمية وتكنولوجية وفلسفية وتاريخية ونفسية وعاطفية، واقعية وخيالية وروحية في آن – لا بد أن تُعطى مساحتها كاملة.
ولهذا، لا أرى أن حجم الرواية هو المعيار الحقيقي، بل توافر عناصرها الداخلية: كالتشويق، والإثارة، والشغف. فقد تكون رواية من مئة صفحة مثقلة بالملل، فيما قد تمتد رواية أخرى إلى ألف صفحة، ويظل القارئ متشبثاً بها، يتمنى ألّا تنتهي. وهذا ما حدث مع رواية “أقدار مشفّرة”، فقد أتمّ بعض القراء قراءتها في يومين أو ربما أقل، لأنهم ظلوا مأخوذين بمفاجآتها. وكلما ظنّوا أن الأحداث قد بلغت ذروتها، اكتشفوا أن ما قرأوه لم يكن سوى تمهيد لما هو أعمق وأكثر تشويقاً.
10– كيف يمكنك وصف روايتك برسالة مسموعة غير مشفرة؟
بداية، أودّ أن أهنئك على أسلوبك في طرح الأسئلة، فقد نجحت في توجيه السؤال دون كشف مفاتيح الرواية أو شيفراتها لأولئك الراغبين في القراءة. أما سؤالك الأخير، فكان ذكياً جداً، إذ منحني الفرصة لتفكيك بعض الشيفرات التي يمكن تفكيكها، مع إبقاء أخرى مشفرة، لتبقى القراءات متعددة وثرية.
يظن كثيرون أن الروايات تصنف بحسب نوع الصراع:
– هناك روايات يغلب عليها الشر، وينتصر فيها في النهاية، ولها جمهورها الخاص.
– وهناك روايات يصطدم فيها الخير بالشر، وينتصر الخير في النهاية، وهذا النوع يفضّله الكثيرون، خصوصًا العاطفيين.
– وهناك روايات تتصاعد فيها الصراعات وتبقى نهاياتها مفتوحة، وهذا النوع لا يحبذه البعض.
أمّا “أقدار مشفّرة” فهي خليط من كل ذلك، ولا تنحصر في أي قالب. فقد يظن البعض أنها تنتهي بانتصار الخير أو ربما وصفها بالمثالية، لكنها ليست كذلك. والصدمة الحقيقية لا تكمن فقط في الشر المتأصل في النفوس البشرية فحسب، بل في حجم الشرور المشفّرة التي قد تأتي على متن مزيج قدري مُشفر يحمل بين طياته الخير أحيانا.
قد تكون روايتي رسالة تبشيرية روحانية لاستعادة اليقين والإيمان والرضى، فهي ليست دينية بالمعنى التقليدي، ولا عقائدية، بل رسالة تنبثق من حبكة روائية يلمسها العقل ويشعر بها القلب، رغم المفاجآت الصادمة التي تصادف القارئ في كثير من الأحيان. كما أقول في الرواية:
“نتساءل عن حقيقة أمور كثيرة في حياتنا: عن النجاح، ومن أين يبدأ الفشل؟ عن الخطيئة ومكانها في الضمير؟ عن الحقيقة والمكان الذي نبحث فيه عنها؟ نظن في ترّهات أفكارنا أننا نقاوم، ونظن في أكثر لحظات استسلامنا وضعفنا أننا أقوياء… نظن… ونظن… وما أكثر ما نظن!”
أما الرسالة المسموعة في الرواية، فهي تتجلى في أبطالها النوابغ، الذين حظوا بفرصة للإبداع وتحقيق أعلى الدرجات العلميّة الذي مكنهم من التأثير في العالم، وذلك عبر تجربة البروفيسور ناظم الناجحة، التي استثمرتها فيما بعد دول الخليج العربي. وعنها أقول:
أمّا مشروع الخوارق، الذي أشرف عليه البروفسور نضال بكلّ فروعه في الدول العربيّة، فنجح نجاحاً باهراً، فقد بدأ نتاج العقول النابغة، التي تمّ تخصيبها وسقايتها ورعايتها، فأخذت تزهر علوماً وتكنولوجيا وطباً، وأصبحت الدول العربيّة في القمّة، بفضل ثرواتها البشريّة المتمثّلة في شبابها، بالإضافة إلى مواردها العظيمة الموجودة في أراضيها”
“شعر ناظم بعد الانتهاء من جولته أن الوطن العربي، بفضل طاقات شبابه، على الطريق السريع إلى عصره الذهبي”.
“لم يعد المؤثرون في الشباب العربي هم أولئك الذين يبيعون التفاهات على التطبيقات الاجتماعية، بل أولئك المميزون الذين يبهرون العالم بإنجازاتهم”.
وأخيراً، أتمنى أن تجد روايتي “أقدار مشفّرة” طريقها إلى العقول والقلوب، وأن تنال التقدير الذي تستحقه. وأرى أن أسمى أشكال هذا التقدير هو أن يقرأها أكبر عدد ممكن من الناس، وربما أن تتحوّل في المستقبل إلى فيلم سينمائي، يُحيي شخصياتها ويجسّد رسائلها العميقة على الشاشة. فالرواية تحمل كل المقومات التي تجعلها صالحة لهذا التحول: حبكة مشوّقة، شخصيات نابضة بالحياة، ورسائل فكرية وروحية غنية، ومغامرات خيالية جريئة صادمة أحياناً سلباً أو إيجاباً تكون قادرة على التأثير والإلهام في الوقت نفسه!
