بيروت – لبنان
بقلم: د. بسام عدي
عمان الأردن
بادىء ذي بدء، ذكرتني الكاتبة “د. الشرافي” وأنا أقرأ روايتها أعلاه، بالروائيين الأوائل في عصرنا الحديث؛ حيث رصدتها تقتفي أثر هؤلاء، بل وتقترب في نصوصها من حرصهم على الذوق العام ولغة الحديث الدارج، وتأكدت أكثر حين ضبطتها تصرّ على تبسيط عباراتها وإظهارها بأسهل صورة تعبيرية، سواء في وصفها للمواقف المتأزمة المختلفة، أو بتكرارها للمرادافات الأدبية الرشيقة التي تحبب القارىء بالرواية وتشجعه على إكمال قراءتها دون ملل، أما أهم ما أحسبه هدفاً لصالح الكاتبة، تعمدها بإستخدام اللهجة الفصحى المخففة القريبة من الواقع الثقافي الذي يعيشه أبناء هذا الجيل، لن أغوص بتفاصيل الرواية حفاظاً على عنصر التشويق للراغبين في اقتناء نسخة منها لكن سأتحدث عن عموميات لفتت نظري حيث أعتقد بإحتمالية عودة القارىء اليها ليختبر مدى اقتراب وصفي لهذا العمل المميز من الحقيقة.
أعترف، عندما قررت أن أقرأ هذه الرواية، ظننت أني سأجد رواية مكررة للنمط الذي أجده في بعض الروايات، مثل حتمية إنتصار الخير على الشر، وإنتهاء علاقة الحب بالزواج، والغوص بعبارات مبتذلة سخيفة ذات فلسفة زائدة بعيدة عن الذائقات الأدبية المنشودة، لكني وبدون مجاملة، بعد أن إطلعت على طريقة سرد وعرض ومحاكاة الكاتبة للأحداث، لم أستطع أن أقنع نفسي أني فعلاً أقرأ رواية بل قصة تاريخية، بعبارة أخرى، غُبطت جداً من توفق الكاتبة في إعتماد النهج الحواري المكثف، فهي بذلك، تفوقت على نفسها حين صنعت من ذاتها منذ البداية نواة مدرسة أدبية مستقلة، ثم تداركت دهشتي لما تذكرت أن الكاتبة بالأصل أكاديمية وروائية من الطراز الأول، وهذا هو تفسيري لسر براعتها في السرد، خاصة وأنها استخدمت حقها ككاتبة في التعليق المباشر والوصف الدقيق لمجريات أحداث الأبطال في الماضي والحاضر والمستقبل، وهو الوصف الذي سهّل عليها بناء المنظوم وصنع الحوار الذي لم يخلو بدوره من الجماليات، وهذا الأسلوب، أسلوب حوارات البطل مع نفسه ومع سكان السماء وشخصيات أخرى، له معجبين كُثر ضمن عشاق الأدب الروائي، بعد أن ساد اعتقاد قديم أن هذا الأسلوب لم يعد يهيمن على الرواية العربية المعاصرة، لكن كاتبتنا نجحت، بأن أعادت الألق والإهتمام اليه بطريقة فذة ملفتة.
على الجانب الأخر، تستحق كاتبتنا أن تفتخر برواية نسجتها على غرار نسج كبار روائيي الدراما، من حيث الإثارة والتشويق الذي يعمه الحزن بالأغلب، فمحور الرواية يدور أساساً حول حكاية حبيب وحبيبة تلاقيا بالصدفة في مجتمع علماني، نظراً لتجنب الكاتبة التطرق الى البعد الديني بكل أشكاله، عاشا سعيدين تحت ظلال شجرة الحب الوارف الظلال وأكناف حب دافىء، وهما بذلك يشبهان طيرين رائعين يحطان تارة على الأغصان وتارة في عشهما الهني، يملأن الكون بأغاريدهما ويصوغان للربيع حلة بهية بالألوان، لكن، وعلى نحو مفاجئ، تغيرت الصورة المثالية بإثارة متسارعة، لنصل الى نتيجة جديدة مفادها أن كل عيش هني غالباً ما ينتهي بمأساة؛ بسبب أناس لا يفتأون، يكيدون لكل حبيبين، ولكل صوت يدعو للخير، عدا عن دور ذاك القدر المتخصص بقلب الأحداث والذي سمّته كاتبتنا بأشكاله المختلفة بشكل مذهل واقعي. ومثلما صبّت الكاتبة جام غضبها على أفعال الشر، صّبته أيضاً على مسببيه، وتحسرت على ضحاياه خاصة الأطفال، وتناولت على الهامش قضايا إنسانية لا تقل أهمية في مجتمعاتنا العربية، كالميراث، وزوجة الأب، وغيرة النساء، والدراسة بالخارج، وتعايش الأديان، ومصير الإبداع العربي، والحياة الريفية، والترابط الأسري ضمن المجموعات المتجانسة، والدافعية والإجرام، والإرهاب، والأهم استخدامات الذكاء الصناعي التي فهمتها كما تود الكاتبة أن نفهمه وليس كما هو كعلم جديد، وغيرها، حتى أنها تطرقت في تشعّبها لحياة الكائنات الفضائية ونمط حياتهم في بقائهم على قيد الحياة، على ذات الصعيد، لاحظتُ تعمد مقصود من الكاتبة في تنظيم فصول روايتها ضمن متسلسلات رقمية متعددة من الحوارات بمجرى النص المركب المتداخل، جاءت على شكل مواقف قصيرة متتالية استحضرت بها أجواء الصراع بين الخير والشر، طوّعتها بهدف تمكينها من ادراج فكرة تحمل رسالة، الرسالة التي تعبر عن رؤية تخصها، ثم مالت بنا بأفكار أغلبه ضمن قالب مجتمعي عاطفي محض، ولا ننسى حبكة الرواية نفسها التي استحوذت على عقل الكاتبة، ووظفتها في مسلسل تجرع البطلة كل ألم ومرارة، عبرت عنها الكاتبة عبر إدانتها المستمرة لكل مواقف الغدر والغموض وقلة الوفاء.
صفوة القول، لقد أبحرت بنا الرواية بنصوص عشق الفجر ومناجاة الحب الجارف، وتوالت علينا صرخات الكاتبة بجلاء في كل تعليق ومداخلة، إذ قرأت ولأول مرة كيف الكاتب يحاور بطلة الرواية، هذا الإقحام العفوي لشخصية الكاتبة ضمن النص، أضفى على النص رونقاً جديداً لم نعتد عليه، فقد اعتقدت الكاتبة، وهذا صحيح، أن واجبها لا يتوقف عند نقل مجريات الصراع المرير، بل في زرع روح الأمل فينا، وفي تعظيم أثر الحوارات الباطنية لأبطال الرواية الحقيقيين، وفي وعود الكاتبة المستمر لنا، أنه لا بد أن ينتصر الحق وتظهر الحقيقة في قادم الأيام، إذ رغم مشحات الحزن التي أغرقتنا بها الكاتبة في روايتها، الا أننا نجد هناك بوادر تفاؤل وخفة ودعابة في فن النظم والتشويق الذي سلكته، وهو تذكير مستمر لنا بالروائيين الشباب لكن بفارق لافت، بأن هذه الرواية لم تكتب بنصوص هابطة الى مستوى الإبتذال وبمرتبة التسلية واللهو كقصص ألف وليلة وليلة التي كانت تحيل القريض فينا الى الغاز وأحجيات ما أنزل الله بها من سلطان، بل كتبت بنصوص كلها واقعية الى حد كبير، وتنطبق معظم أحداثها التي وقعت في مجتمع غربي على مجتمعنا الشرقي العربي المعاصر.
في النهاية، لا بد من القول أن هذه الرواية تبشّر، بل بشرّت وانتهى الأمر، بميلاد عملاق أدبي نسائي مبدع حين قررت صاحبته أن تُمضي بنا بخطواتها نحو الأدب الرفيع الهادف ممزوجاً بمواكبة فريدة للتطور العلمي (الذكاء الصناعي)، تارة ترفع بيدها اليمنى راية بيضاء كناية عن الحب والصفاء الذي يعيشه قلبها، وتارة تحمل بيدها اليسرى حرص شديد على نشر قيم الحبّ والحق والجمال كناية عن ثقتها بعدالة السماء من تحقق العدالة أخيراً وبالتالي إنتصار الخير على الشر.