المرأة ودورها في المشاركة المجتمعية والسياسية

بسم الله الرحمن الرحيم

سيداتي وسادتي … أيها الحاضرون الكرام

إن السلامَ ليسَ كلمةً يُتغنى بها في المحافلِ، ولا هو مسألةٌ معقدةٌ في حاجةٍ إلى الاجتهادِ لتفسيرِها وشرحِهَا، ولا قناعٌ يُرتدى كي يُخفيَ وراءَه القبيحَ. إن السلامَ إحساسٌ مقدسٌ، نهجُهُ الأمانُ، وشريعتُهُ الإنسانيةُ، ورجاؤه الحبُّ والألفةُ والقبولُ بالآخرِ المختلف… ولكن… أين نحنُ من إنسانيةٍ غارقةٍ في دمائِها؟ أين نحنُ من إنسانيةٍ مزقَها التناحرُ، وشرذمتَها الحروبُ وتلاعبتْ بها العواصفُ المدمرة؟ أين نحنُ من إنسانيةٍ تلوثتْ أجواؤها برائحةِ البارود؟ أين نحن من إنسانيةٍ بترت نصفَها باسمِ العُرفِ والدينِ والقيمِ والعاداتِ والتقاليد، وكلُّ ذلك بمباركةِ القوانينِ التي سنَّها النصفُ الآخر، فتنازلَ بذلك عن نصفِ طاقتِهِ الإنتاجيةِ والتنموية؟
إنَّ الهدفَ الرئيسيَّ من هذهِ الكلمةِ في هذا المؤتمرِ المهيبِ تحتَ هذا العنوانِ العريضِ “المرأةُ ودورُها في المشاركةِ المجتمعيةِ والسياسية”، هو الإضاءةُ على حكايةِ الحبِّ الخالدةِ، رمزِ العطاءِ والصبرِ والنضال. نحنُ اليومَ في القرنِ الواحدِ والعشرين، عصرُ السرعةِ والعولمةِ والتكنولوجيا، وما زلنا للأسفِ نطالبُ بحقِ المرأةِ الطبيعيّ، ونسعى لإبرازِ دورِها الطليعيِّ التقدميِّ الذي حققتْهُ عربياً وعالمياً بجدارةٍ المرةَ تلوَ الأخرى في جميعِ المجالاتِ المجتمعيةِ والإنسانيةِ والاقتصاديةِ والعلميةِ والسياسيةِ والثقافية، وكلُّ ذلكَ ينبعُ من كونِها نصفَ المجتمعِ، ذلك النصفُ الذي يحملُ الطابع الحيويَّ والحركةَ الدؤوبة، الذي يمنحُ أيَّ مجتمعٍ صفةَ الارتقاءِ والتقدمِ، وحين تشعرُ المرأةُ بالسلامِ تغرسُ في نفوسِ الأجيالِ الرحمةَ والحبَّ والتسامحَ، فالحسُّ والتجربةُ هما أساسُ المعرفة.
لقد نجحتْ المرأةُ العربيةُ في مناحٍ عديدةٍ في الحياةِ وقطعتْ أشواطاً واسعةً في المجالاتِ العلميةِ والثقافيةِ والفكرية، وذلك لأنها ملكتْ زِمامَ أمورِها فيها، ولم يكن للرجلِ العربيِّ عليها سُلطة، فتقدمت وأثبتت نفسَها وتفوقَتْ عليه في كثيرٍ من الأوقات، لأن المرأةَ بسبب طبيعتِها البيولوجيةِ تعملُ بدقةٍ وحرصٍ وصبرٍ واستمرارية، وتتحمل عبءَ العملِ لساعاتٍ طويلة. أما بالنسبةِ إلى العملِ السياسيِّ فلم تتمكنِ المرأةُ العربيةُ من الاختراق، ليس بسببِ قصورِها أو عجزِها، بل بسببِ الاستحواذِ الذكوريِّ على مرافقِه، وتعبيدِه للعثراتِ التي تمنعُها من ممارسةِ مهامِهَا السياسية، وإن حصل وتحققَ وُجودُها سياسياً يكونُ هذا الوجودُ عمليةً تجميليةً ترفيهيةً، وستاراً اجتماعياً وهمياً غيرَ فعّالٍ، أما بالنسبة إلى العملِ المجتمعي، فصوتُها في معظمِ الأحيانِ فقاقيعٌ في الهواء، لأن مجتمعاً صالحاً لا يتناسبُ مع سياسةٍ فاسدة، فالسياسةُ الحقيقيةُ هي مصلحةٌ إنسانيةٌ هدفُها النهوضُ بالأمةِ إلى الحضارةِ والمجدِ والسيادةِ والسلامِ والأمان، ولن يتمَّ ذلك قبلَ القضاءِ على كلِّ أشكالِ التمييزِ بين الرجالِ والنساء، فهما يكملانِ بعضَهما بعضاً.

والسؤالُ الذي يطرحُ نفسَه هو لماذا تقبلُ المرأةُ العربيةُ في هذا العصرِ بهذا الواقع المفروضِ عليها من الرجلِ ومن نفسِها؟ يكمنُ الجوابُ هنا في عدمِ ثقةِ المرأةِ بالمرأة، فقد ترعرَعتْ وهي ترى أن السلطةَ في يدِ أبيها وأخيها، أما أمُّها فضعيفةٌ لا تملكُ أيَّ قرار وفي كثيرٍ من الأحيانِ تكون خاضعةً مكسورةً، فتسرّب إليها الإحساسُ بضعفِها وعجزِها، إذ نادراً ما تنتخبُ المرأةُ العربيةُ المرأةَ، في حالِ حصولِ انتخاباتٍ بمعناها الحقيقي..
وبالعودةِ إلى التاريخ نجدُ أن المرأةَ العربيةَ مارستْ أدواراً رائدةً، مما جعل لها خصوصيةً تفوقتْ فيها على نساءِ العالم. فالمرأةُ في مصرَ القديمةِ تولّتْ المُلكَ وورثتْ العرشَ, من أمثالِ الملكاتِ جتشبسوت ونفرتيتي وكليوبترا. وفي بلادِ الشامِ حكمتْ ملكاتٌ فاقتْ شُهرتُهنَّ الرجال, مثل زنوبيا ملكة تدمر. وكثيراتٌ من النساءِ العربياتِ اتصفنَ بالفصاحةِ والفطنةِ ورجاحةِ العقل. وزخرَتْ كُتبُ التاريخِ بقصصِ النساءِ العربياتِ اللواتي أظهرنَ مدى وعيِهِنَّ لواقِعِهِنَّ وإيمانِهِنَّ بقدراتِهِنَّ على إحداثِ التغييراتِ الإيجابيةِ ودفعِ المفاسدِ والأخطارِ عن مجتمعاتِهن.
أما الصورةُ المشرقةُ للمرأة التي أودُّ الإضاءَة عليها، هي صورةُ بلقيسَ ملكةَ سبأ اليمنية، التي خلّدها الله في سورة النمل:
بسم الله الرحمن الرحيم:

(إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ) الآية 23
(قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (32) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33) قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ(34) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ(35).

حين ننظرُ إلى تلك الآياتِ الكريمةِ التي تروي لنا قصةً تتوغلُ في أعماقِ القرونِ والتاريخِ والمجتمعاتِ الإنسانيةِ القديمة، نلاحظُ أن الملكةَ بلقيسَ كانت ملكةً عظيمةً (أوتيت من كلِّ شيءٍ ولها عرشٌ عظيم)، مَلكتْ الحكمةَ البالغةَ والبصيرةَ النافذةَ، والذكاءَ الوقّادَ، والدهاءَ والحنكةَ، والعلمَ والثقافةَ، فكانت السياسيةَ الماهرةَ، سديدةَ الرأي بليغةَ الفكرِ والمنطق.
استشارت أهلَ الشورى من حولِها واستفْتَتْهُم في أمرِها، فذكّروها بقوتِهم وبأسِهم وعدتِهم وعتادهِم، إلا أنهّا تروّت، واختارتْ طريقَ السلمِ والمهادنة، فقررت أن تُرسِلَ إلى سيدنا سليمانَ الهدايا الثمينة لأمرٍ ضمرتْهُ في نفسِها، (فإن قبلَ الهدايا فهو ملكٌ، وإن لم يقبلْهَا فهو نبيٌّ)
من حقِنا أن نتكلمَ اليومَ عن حقِّ المرأةِ في المشاركةِ السياسيةِ في ميادينِ التشريعِ وصُنعِ القرارِ وإدارةِ شؤونِ العامة. ولكن قبل ذلك كلِّه علينا أن نتكلمَ عن ممارساتِ العنفِ الجسديِّ والنفسيِّ والمعنويِّ، الذي ما زالت تتعرضُ له المرأةُ العربيةُ في مجتمعاتِنا، علينا أن نتكلمَ عن حقِّ المرأةِ في إعطاءِ جنسيتِها لطفلِها، فالجنسيةُ العربيةُ حكرٌ على الرجلِ العربي… علينا أن نتكلمَ في كثيرٍ من الأمور…؟!
إن المرأةَ العربيةَ ما زالتْ في أوجِ خريفِها، وحين نصبحُ قادرين على تطبيقِ مقولة: “أن العملَ هو مقياسُ التفاضلِ بين الناسِ ذكوراً كانوا أو إناثاً” لمنحنا المرأةَ فرصةً كي تثبتَ قدراتِها، فقد قادَنا الحاكمُ العربيُّ المستأثرُ عقوداً من الزمن، فماذا حصدنا…؟ حصدنا الذلَّ والقهرَ والجوعَ والتشردَ والبطالةَ والتطرفَ والتعصبَ والتبعيةَ العمياءَ وتحكيمَ الغرائزَ، ومن نجا بنفسِهِ من كلِّ ما سبق، هاجرَ إلى بلادِ الله الواسعة!!
أشكر لكم سِعةَ صدورِكُم وحُسنَ استماعِكُم!

د. منى الشرافي تيم

About monaat

منى الشرافي تيم فلسطينية الأصل والجذور أردنية الجذع والفروع لبنانية الثمر والزهور ابنة الوطن العربي...فخورة بعروبتي عضو في اتحاد الكتاب والأدباء الأردنيين عضو في المنظمة العالمية لحوار الحضارات في العالم إصدارات: عدد 8 روايات: وجوه في مرايا متكسرة مرايا إبليس مشاعر مهاجرة وجدانيات: حروف من نور كالمنى اسمي نقد أدبي: أدب مي زيادة في مرايا النقد الجسد في مرايا الذاكرة أدب الأطفال: العربيزي والجدة وردة الإصدارات عن الدار العربية للعلوم ناشرون - بيروت المؤهلات:دبلوم في هندسة الديكور والتصميم الداخلي:الأردن دبلوم في إدارة الأعمال:إنجلترا ليسانس ودبلوم دراسات عليا في اللغة العربية وآدابها ماجستير في اللغة العربية وآدابها تخصص نقد أدبي واجتماعي, جامعة بيروت العربية بعنوان: "أدب مي زيادة من منظور النقد الأدبي والاجتماعي درجة الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها تخصص نقد أدبي حديث (جامعة بيروت العربية) بعنوان: "الفن الروائي في ثلاثية أحلام مستغانمي دراسة تحليلية نقدية"
هذا المنشور نشر في عام. حفظ الرابط الثابت.

الرجاء ترك تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s