“كفرناحوم”… طفولة مسحوقة… وجائزة عالمية!

هي الطفولة مضمون الفيلم السينمائي اللبناني للمخرجة اللبنانية نادين لبكي التي نالت عليه جائزة التحكيم في الدورة 71 من مهرجان كان السينمائي للعام 2018م.

“أريد أن أرفع قضية على والديّ”

بهذه الجملة الصائدة افتتحت نادين فيلمها “كفرناحوم” على لسان الطفل زين في قاعة المحكمة… فسأله القاضي: “لماذا تريد أن ترفع قضية على والديك؟” أجابه والدموع تتلألأ في عينيه الثاقبتين الثابتتين على الألم: “لأنهما أنجباني”، لتلك الأنفاس الحارقة التي أطلقها زين على هيئة كلمات، صمتت أنفاس المشاهدين، وتحولت قلوبهم إلى جمرات… كيّها اللحظي قادهم إلى خشبة مسرحٍ في فضاء واقعٍ أوصد العالم عليه أبوابه.

إن ما ميّز فيلم “كفرناحوم” وجعله مختلفاً وأشدّ تأثيراً، أن أحداثه تدور في كل مكان، وزمانه زمن الأزمات الطاحنة التي أرخص ما فيها هو الإنسان. أما أبطاله فأطفال احترفوا المرّ، وشربوا الذل، وتغدوا القسوة، وصارعهم المجهول، ولطمتهم رياح الجهل ووخز الألم. كل ذلك أمّن للمخرجة نادين لبكي الإنسانة مسرحاً حياتياً حيّاً نفذت على أرضيته فيلمها، فلم تكن بحاجة إلى بناء فني هوليودي، أو خدع بصريه، أو تخطيط من أجل إنشاء بيئة سينمائية تصلح لتنفيذ سيناريو ألّف نفسه وصنع بيئته بنفسه.       

إن مستوى الإبداع الذي شاهدناه في الفيلم كان مقدرة مخرجة مبدعة – وفريق عمل محترف – التقطت معهم مشاهدها الواقعية ووظفتها لخدمة نصها المنصوص بفعل الواقع، من خلال الطفل السوري زين المشرد في واقعه غير التمثيلي، والطفل اللبناني زين المشرد في دوره التمثيلي، وهذا وذاك يمثلان وجهين لطفولة أتت إلى هذه الحياة كالفطريات البرّيّة ونمت على هوامشها. فهو الطفل الذي تمّ تقدير عمره باثنتي عشرة سنة، يعيش مع أخوته الكُثر في ما يشبه قن الدجاج وهم غير مدرجين في السجلات الرسمية، ولا أوراق تثبت هوياتهم، ويعيشون في حي شعبي أشبه بالمستنقع.

أذهل زين الطفل المعجزة المشاهدين، فهو الممثل البطل الذي لم يمثل! وقد لا يتمكن أي ممثل محترف من لعب هذا الدور، لأنه لم يكن دوراً تمثيلياً بقدر ما كان دوراً تسجيلياً توثيقياً لطفل شاخت عينيه بفعل كل ما رآه، فهو الذي أحب أخته سحر البالغة من العمر 11 سنة حباً كبيراً، وقام والداه فور بلوغها بتزويجها من صاحب المتجر أسعد، في عملية بيع رخيصة، ولم تجد توسلاته ودموعه طريقهما إلى قلب والديه من أجل التراجع عن قرارهما من تنفيذ حكم الإعدام في أخته، وعذرهما الفقر وقلة الحيلة!

هجر زين منزل والديه إلى المجهول، فتعرّف إلى نوع آخر من التشرد، وأجناس أخرى من المشردين… فراحيل العاملة الأثيوبية التي أشفقت على طفولته اصطحبته معها إلى الجُحر الذي تعيش فيه مع طفلها الرضيع يوناس، الذي لم يعترف به والده الناطور، فوجدت نفسها أمام خيارين إما أن تبيع طفلها أو أن تعمل جاهدة من أجل أن تؤمن المبلغ المطلوب كي تحصل على الإقامة… إلا أن رجال الأمن سبقوها وقبضوا عليها وألقوها في السجن، لتترك فلذة قلبها الذي رفضت التخلي عنه رغم ظروفها الساحقة في عهدة الطفل زين… وهنا لا بد من عقد مقارنة بين راحيل الأثيوبية ووالدة زين اللبنانية.

إن براعة نادين لم تتمثل في اختيارها لزين فحسب، بل تمثلت أيضاً في اختيارها للعاملة الأثيوبية ورضيعها المتعلق بثدييها، فدخل بوجهه الملائكي إلى القلوب. ويبدو أن زين ويوناس قد قضيا وقتاً طويلاً معاً قبل تصوير الفيلم، وظهر ذلك في مشاهد تقبّله لزين وتعلقه به وشعوره بالأمان أثناء وجوده معه وتتبعه إياه أينما ذهب… ويوناس الرضيع الذي لم يعلم أن عدسات الكاميرات تصوره من كل نحو وصوب وتفاعله العفوي مع زين منح الفيلم قيمة كبرى وجمالية فنية عالية.

أما فتاة الشارع السورية، التي التقت زين على جنبات الطريق… فأخبرته عن حلمها باللجوء إلى السويد من أجل أن تحظى بمكان يؤمن لها الخصوصية التي لم تعرفها طفولتها… وهنا وجد زين نفسه أمام واقع تسليم يوناس للسمسار في سوق الأحد مقابل هجرته إلى السويد. عندئذٍ عاد زين إلى بيته من أجل جلب أوراقه، فاكتشف أن طفولة أخته سحر لم تتحمل حِملَ حَملِ طفل في أحشائها… ودون وعي منه حمل سكينة وغرسها في جسد زوجها… لتنتهي أحداث الفيلم من حيث بدأت في قاعة المحكمة أمام القاضي وفي مواجهة والديه.

وعلى الرغم من المأساة الإنسانية التي قدمها الفيلم من خلال معاناة شخصياته، إلا أنه لم يخلُ من المشاهد التي اختلطت فيها غصات المشاهدين مع ضحكاتهم التي سرّبتها لغة زين البذيئة، بالإضافة إلى جرأته في التعبير عن سخطه في كثير من المواقف.

“كفرناحوم” ظاهرة إنسانية مأساوية، وتظاهرة اجتماعية، ومهرجان إبداعي فني تجديدي… أدواته طفولة مهمشة معذبة. والفيلم بأبطاله الأطفال الواقعيين زين وأخوته وسحر ويوناس والفتاة السورية وغيرهم يستحق الجائزة. أما فيلم الحياة الطويل بأبطاله الأطفال الذين لا تراهم العيون ولا تلتقطهم عدسات الكاميرات فيستحقون عين الكرامة لا فوهات الفقر والقهر.

 

د. منى الشرافي تيم

About monaat

منى الشرافي تيم فلسطينية الأصل والجذور أردنية الجذع والفروع لبنانية الثمر والزهور ابنة الوطن العربي...فخورة بعروبتي عضو في اتحاد الكتاب والأدباء الأردنيين عضو في المنظمة العالمية لحوار الحضارات في العالم إصدارات: عدد 8 روايات: وجوه في مرايا متكسرة مرايا إبليس مشاعر مهاجرة وجدانيات: حروف من نور كالمنى اسمي نقد أدبي: أدب مي زيادة في مرايا النقد الجسد في مرايا الذاكرة أدب الأطفال: العربيزي والجدة وردة الإصدارات عن الدار العربية للعلوم ناشرون - بيروت المؤهلات:دبلوم في هندسة الديكور والتصميم الداخلي:الأردن دبلوم في إدارة الأعمال:إنجلترا ليسانس ودبلوم دراسات عليا في اللغة العربية وآدابها ماجستير في اللغة العربية وآدابها تخصص نقد أدبي واجتماعي, جامعة بيروت العربية بعنوان: "أدب مي زيادة من منظور النقد الأدبي والاجتماعي درجة الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها تخصص نقد أدبي حديث (جامعة بيروت العربية) بعنوان: "الفن الروائي في ثلاثية أحلام مستغانمي دراسة تحليلية نقدية"
هذا المنشور نشر في عام. حفظ الرابط الثابت.

الرجاء ترك تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s