عريس عتيد.. وعرائس

عريس عتيد.. وعرائس
إن بعض العادات والتقاليد المُحبطة، التي توارثناها وما زالت في عصرنا الحالي، تراوح مكانها، في الإطار نفسه، والمحيط عينه، هي طريقة الزواج التقليدية، التي تعتمد على زيارة من قِبل أم الشاب الفخورة والمتباهية بولدها العتيد، إلى بيت البنت، من أجل معاينتها هي وأسرتها في محاولة منها لتفكيك تركيبتها وتقفّي آثار سلالتها وسليلتها، للتأكد من صلاحيتها! هذه طويلة وهذه قصيرة… بيضاء، شقراء أو سمراء… متعلمة أو أميّة… موظفة أو عاطلة عن العمل… بنت فلان وفلانة… غنية أو فقيرة…. الخ!!
وإذا حصل ونالت البنت وأسرتها شرف النجاح في أول امتحان، وهو إرضاء شروط والدة الشاب وتطلعاتها، تدخل حينها البنت – السلعة – في الامتحان الثاني، وهو تحديد موعد لزيارة الفارس الشاب، كي يقوم هو الآخر بمعاينة “القطعة”، التي نالت إعجاب والدته، وغالباً سوف تعجبه هو أيضاً، فهو يثق بتقويم والدته، التي اختارتها له من بين مئات البنات بعد جهدٍ جهيد، ومعاينات دقيقة، وزيارات مطوّلة.
وما إن يتم الرضا والقبول.. وتُعجِب العروس العريس العتيد، حتى يأتي دور العروس، متوردة الخدين خجلاً، فتهز رأسها بأنوثة ونعومة، معلنة موافقتها على إتمام صفقة الزواج، والانتقال من مرحلة المشاهدة والمعاينة والانتظار إلى مرحلة التطبيق… فقد تحملت كثيراً، وجاء دورها كي تكشر عن أنيابها، وتباشر بوضع شروطها, بدءاً بالمهر – من مُقدم ومؤخر- مروراً بالشَبْكة وعفش البيت، وصولاً إلى عرس الأحلام.
أحلام العروس وأهلها كثيرة. والعريس في كفاح ونضال مع ظروفه المادية المحدودة، ساعياً لتأمين متطلبات عروسه الجميلة وتحقيق أحلامها، فقد انتقتها له أمه من بين مئات البنات، من أجل أن تصبح في بيته زوجة ترافقه حياته، ويؤسسا معاً أسرة سعيدة.
وما أن تنتهي مراسم العرس والفرح، وتدخل سندريلا إلى قصر أميرها، حتى يعود العروسان إلى أرض الواقع، فتذهب “السكرة وتأتي الفكرة”، فالشهر بظهر الشهر، والديون المتراكمة لا دخل إضافي يسدّها. والأقساط التي استحقت الدفع تتراكم فوائدها، والزوجة ربما حامل تنتظر ولي العهد، الذي سيضيف قدومه أعباء مادية جديدة. وهنا تبدأ المشاكل والجدل والشكوى. فالعريس يشعر بضغط نفسي شديد، يحوّله ربما إلى إنسان كئيب عصبي نكِد، قد يعود إلى بيته وينفجر في وجه عروسه التعيسة، التي تحولت حياتها إلى جحيم وأرق وحرمان. كما تحولت أحلامها الجميلة إلى كوابيس مفزعة، خصوصاً إن حصل وطلب منها عريسها أن تعينه على ظروف الحياة الصعبة، التي يواجهانها معاً، وتبيع بعض من مصاغها، واعداً إياها أن يعوضها عنها في المستقبل. وبهذه الحالة تجد العروس نفسها أمام مفترق طرق، أو خيارين – أحلاهما مر – عندئذ لا تجد من بدّ إلا أن تحمل حقيبتها وتعود أدراجها إلى بيت أهلها تاركة الجمل بما حمل، وهادمة بيت بُني على أساسات من كرتون.
وبسبب تكرار هذه الظاهرة الشاذة في مجتمعاتنا واستمرارها، فقد بدأنا نشهد ظاهرة جديدة واسعة الانتشار، تسير بالتوازي مع الظاهرة الأولى، وهي عزوف الشباب والشابات عن الزواج، لتفادي الوقوع في ذلك الفخ الاجتماعي المجتمعي، الذي تحكمه العادات والتقاليد والمادة، فطالما أن الزواج مبني على عقد صفقة مادية باردة جافة لا عاطفة فيها، فالمنتظر من تلك الصفقة ناتج مادي يشبه عقدها، ولكن لو بُني الزواج على أساس من المحبة والاحترام والتفاهم والحب والأخذ والعطاء، لاستمرّ، ونتج عنه أسرة أساسها متين!
وبسبب كل ما ذكرته سابقاً وأسباب كثيرة أخرى، ما هي إلا وجوه لعملات واحدة وإن بدت مختلفة، نجد أن نسبة الطلاق في الدول العربية مرتفعة جدا، على وجه الخصوص بين المتزوجين حديثاً، لذلك يجب أن نسعى إلى إحداث التغيير، والعمل على تصويب الأخطاء الشائعة، حتى لو اضطررنا إلى إضاءة بعض أنفاق العادات والتقاليد العمياء.
والخلاصة بكلمات قليلة:
“العريس وأمه ضحكا في الأول قليلاً… ولاحقاً… ضحكت العروس وأهلها عالياً … ثم بكى العروسان بعد ذلك… كثيراً”

منى الشرافي تيم

About monaat

منى الشرافي تيم فلسطينية الأصل والجذور أردنية الجذع والفروع لبنانية الثمر والزهور ابنة الوطن العربي...فخورة بعروبتي عضو في اتحاد الكتاب والأدباء الأردنيين عضو في المنظمة العالمية لحوار الحضارات في العالم إصدارات: عدد 8 روايات: وجوه في مرايا متكسرة مرايا إبليس مشاعر مهاجرة وجدانيات: حروف من نور كالمنى اسمي نقد أدبي: أدب مي زيادة في مرايا النقد الجسد في مرايا الذاكرة أدب الأطفال: العربيزي والجدة وردة الإصدارات عن الدار العربية للعلوم ناشرون - بيروت المؤهلات:دبلوم في هندسة الديكور والتصميم الداخلي:الأردن دبلوم في إدارة الأعمال:إنجلترا ليسانس ودبلوم دراسات عليا في اللغة العربية وآدابها ماجستير في اللغة العربية وآدابها تخصص نقد أدبي واجتماعي, جامعة بيروت العربية بعنوان: "أدب مي زيادة من منظور النقد الأدبي والاجتماعي درجة الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها تخصص نقد أدبي حديث (جامعة بيروت العربية) بعنوان: "الفن الروائي في ثلاثية أحلام مستغانمي دراسة تحليلية نقدية"
هذا المنشور نشر في عام. حفظ الرابط الثابت.

الرجاء ترك تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s