مقطع من رواية “وجوه في مرايا متكسرة”

تسمع شروق في هذه الأثناء ضجة في مدخل الدار، فإذا بها رانيا تتكلم مع رودريكو بأسلوبها المبتذل، الذي تحاول به أن تلفت نظره… مُنذ اللحظة الأولى التي رأته فيها؟!… يدخل رودريكو إلى مكتبه ويقفل الباب… عندئذٍ تطل رانيا برأسها على شروق:
– ما بك؟ فأنت الوحيدة التي لم تحرك ساكناً حتى الآن… فالجميع بدأ العمل! أتعرفين؟ لقد عرضت تصميمي على السيد رودريكو فأعجبه جداً، وقال لي إنه مميز جداً… ويشبهني؟
تجيبها شروق بتهكم:
– أهنئك يا عزيزتي من كل قلبي فأنت تستحقين كل الخير.
ثم تتمعّن شروق بثياب رانيا، فقد كانت ترتدي “تنورة” قصيرة جداً تكشف أعلى ساقيها، و”تي شيرت” يُظهر معظم صدرها… فتسرح شروق بأفكارها لحظة وهي تنظر إلى رانيا وتتساءل: هل يلتفت شاب مثل رودريكو إلى فتاة مثل رانيا لمجرد أنها تقوم ببعض الحركات المثيرة؟ وتكشف عن جسدها بابتذال!… فتجيب نفسها: لا…لا أظن ذلك، فقد لاحظت فيه الرزانة والاستقامة، وهو على ما يظهر رجل عملي جداً، وربما يكون هذا هو سبب نجاحه وتفوقه في عالم الأزياء، على الرغم من أنه لا يزال في ريعان شبابه… تشعر رانيا بأن شروقاً أصبحت في عالم آخر غير عالمها، فتنسحب بهدوء ودون تعليق… وحين تستفيق شروق من سهوها لم تجد رانيا أمامها… فتحمد ربها!! تعود شروق إلى تلك الأوراق المتناثرة المشتتة أمامها وتحاول العمل… في هذه اللحظة تسمع دقاً خفيفاً على باب مكتبها، فتنظر فإذا به رودريكو…! يقترب من مكتبها…! تقف باضطراب…! فيسألها:
– أين وصلت في تصميمك؟ هل لي أن ألقي نظرة إليه؟
تحدّق في عينيه بشكل مباشر للمرة الأولى منذ قابلته فتشعر بقلبها ينبض بسرعة وقوّة… فتتمالك أعصابها وتقول:
– في الحقيقة هناك شيء في بالي، يرقص في خيالي، ولكنني أجد نفسي عاجزة عن ترجمته!
ينظر إلى مكتبها المليء بالأوراق المتناثرة… فيسألها:
– أتسمحين لي بالاطلاع على هذه التصاميم، ربما أستطيع مساعدتك؟!
تلملم أوراقها بخجل… فالفوضى تعم المكان، ثم تقدمها له قائلة:
– إنها تصاميم متواضعة تخلو من البريق الذي أبحث عنه… فأنا أحترم المرأة جداً، وتصميمي يجب أن يعطيها حقها في أن تكون رشيقة فاتنة متزنة وواثقة دون ابتذال…؟!
– إذاً أنت الآن، وبكلامك هذا، قد وصلت إلى منتصف الطريق.
تتأمّله مستغربة:
– كيف ذلك؟ وأنا لم أبدأ بعد…؟!
– إن المصمم الناجح هو الشاعر الذي يجعل تصميمه ترجمة لكلمات شعريّة، تجعله يعشق تصميمه، فيمتزج مع روحه وإحساسه… عندئذٍ لن يكون التصميم مجرد تصميم جامد على ورق فقط، بل قطعة تنبض بالحياة… تحاكيها وتحاكيك بأجمل الألحان والأنغام…!
ثم يضع التصاميم على المكتب ويقول:
– هذه التصاميم جميلة بالفعل، ولكنها ما زالت جامدة، أحييها واجعليها ترقص فرحاً وبهجة، وكأنها عطر فوّاح يستقرّ في الذاكرة والقلب والكيان!
ثم ينظر إلى عينيها بعمق… ويضيف:
– اشعري بأنك فراشة بسطت جناحيها بتباهٍ لتستقبل رحيق الحياة…!!
يقول كلماته ويتمنى لها التوفيق ويغادر المكتب فوراً قبل أن تتفوّه بكلمة… ولكن سحر كلماته وعمق نظراته اجتاحت كيانها وتركتها حائرة بهذا الإحساس، الذي جعل قلبها يرفرف بشكل لم تعهده من قبل… تجلس وتتساءل: من هو هذا الغريب الذي دخل مكتبي ووقف أمامي وخاطبني بكلمات سحريّة… وخرج خِلْسة؟… تشعر بأنه في اللحظة التي غادر فيها مكتبها، قد استولى على شيء ما من كيانها، وشروق التي كانت قبل دخوله هي غير شروق بعد خروجه… تتأمل رسوماتها الجامدة التي لا معنى لها ولا روح… يا إلهي! لقد ترجم ما في داخلها… وهي التي عجزت خلال الأيام الماضية من أن تصل إلى تلك الصورة التي ترقص في خيالها… وتتساءل: كيف يُمكن لهذا الغريب الذي وقف أمامها لحظات، أن يقرأها كأنّها كتاب مفتوح وهو لا يعرف عنها شيئاً؟… كيف دخل أعماقها وناجى روحها؟… تمسك بالقلم والورقة، ثم ترسم خطوطاً في غاية البساطة والرقة والنعومة، فإذا بها فستان أنيق… كفراشات الربيع، ترفرف بأجنحتها بحيويّة لتقول لها بفرح هيّا يا شروق حوليني إلى قطعة فريدة فاتنة… صافية كسماء الصيف… نقيّة كثلج الشتاء على قمم الجبال العالية… زاهية كألوان الربيع… غير مبالية كرياح الخريف. ثم تتناول الألوان وتلون التصميم بألوان الحياة… تحدّق شروق في هذه الخطوط الرقيقة المرسومة أمامها… فيُذهلها ما صنعت يداها، ولم تصدق أن ما تراه أمامها هو حقيقة وليس حلماً من أحلام اليقظة؟! التي تعوّدت أن تهرب من واقعها إليها في كثير من الأحايين ثم تقول: لا لا هذه حقيقة، فهذه الخطوط حية بكل معاني الحياة الجميلة، فهي تشعر وتحب وتتألم، نعم! استطعت أن أمنح تصميمي جزءاً من روحي وإحساسي…! استطعت أن أمنحه ذلك البريق الذي كنت أبحث عنه!… تقف على قدميها فخورة، ثم تتوجه بتصميمها إلى مكتب رودريكو… كان الباب مفتوحاً، ورودريكو يحمل بين يديه قطعة من القماش المُعد للاستعمال لتصاميم المجموعة الصيفية. كان يتحسسها برفق! وكأنه يتحسس لوحة فنية فريدة ذات قيمة عالية… يستدير… فيرى شروقاً تقف عند الباب فيطلب منها الدخول… ويجلس خلف مكتبه… تتقدم شروق وتضع التصميم أمامه… تنتظر ردة فعله، يتأمله بعمق… وبعد لحظات من الصمت المخيف وكأنه دهر… وقلبها يكاد يقفز من مكانه… يرفع رأسه بهدوء، ويبتسم ابتسامة زادت من وسامته وجاذبيته:
– ببساطة لقد بسطت جناحيك كفراشة ترتوي من رحيق الحياة… وأضفت إليه من روحك وإحساسك فنبض بالحياة.
لم تصدق ما سمعته، فقد رسمت هذا التصميم بفضل سحر نظراته العميقة، وكلماته الشعرية الرقيقة… لقد خرق صمتها وهدوءها ورهبتها وخجلها، هذه الصفات التي لازمتها كظلها، وحالت بينها وبين ترجمة ما يدور في كيانها من فن وإبداع. لقد جعلها، وفي دقائق قليلة، ترغب في الحياة لتعطي أفضل ما لديها… كل هذا دار في رأسها وهي تقف أمامه…!! يتقدم منها رغبة منه في إعادتها إلى اليقظة، فقد لاحظ غيابها عن دنيا الواقع… وفجأة تجده واقفاً أمامها وهو يناديها:
– آنسة شروق!
تنتفض شروق وتعتذر، فيقول لها:
– لا تعتذري فمن أعدّت هذا التصميم في وقت قصير، يجب أن تشعر بالفخر الذي تشعرين به في هذه اللحظة…!

About monaat

منى الشرافي تيم فلسطينية الأصل والجذور أردنية الجذع والفروع لبنانية الثمر والزهور ابنة الوطن العربي...فخورة بعروبتي عضو في اتحاد الكتاب والأدباء الأردنيين عضو في المنظمة العالمية لحوار الحضارات في العالم إصدارات: عدد 8 روايات: وجوه في مرايا متكسرة مرايا إبليس مشاعر مهاجرة وجدانيات: حروف من نور كالمنى اسمي نقد أدبي: أدب مي زيادة في مرايا النقد الجسد في مرايا الذاكرة أدب الأطفال: العربيزي والجدة وردة الإصدارات عن الدار العربية للعلوم ناشرون - بيروت المؤهلات:دبلوم في هندسة الديكور والتصميم الداخلي:الأردن دبلوم في إدارة الأعمال:إنجلترا ليسانس ودبلوم دراسات عليا في اللغة العربية وآدابها ماجستير في اللغة العربية وآدابها تخصص نقد أدبي واجتماعي, جامعة بيروت العربية بعنوان: "أدب مي زيادة من منظور النقد الأدبي والاجتماعي درجة الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها تخصص نقد أدبي حديث (جامعة بيروت العربية) بعنوان: "الفن الروائي في ثلاثية أحلام مستغانمي دراسة تحليلية نقدية"
هذا المنشور نشر في عام. حفظ الرابط الثابت.

One Response to مقطع من رواية “وجوه في مرايا متكسرة”

  1. أسامة الصمادي كتب:

    ذكرني هذا المقطع باللحظات الجميلة التي كنت أقضيها برفقة هذه الرواية المميزة. إلى الأمام أستاذة منى

الرجاء ترك تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s